تشكِّل التحركات الميدانية المتصاعدة للميليشيات المرتبطة بإيران على طول الشريط الحدودي السوري-العراقي، وما قابلها من استنفار عسكريّ سوري مطلع أغسطس 2026، وتوجيه تحذيرات إلى الحكومة العراقية حول وجود مخططات لميليشيات موالية لإيران في العراق تسعى لاستهداف الأراضي السورية، إلى جانب التوتر الأمني المتزامن في شمال سوريا، اختبارًا حقيقيًّا لقدرة الدولة السورية الجديدة على فرض سيادتها. فهذه التحركات لا تأتي في لحظة فراغ، بل تزامنت مع ضغوط إقليمية غير مسبوقة على إيران.
يهدف هذا التقرير إلى الإجابة عن إشكالية محورية: لماذا تصاعدت التحركات الأمنية المختلفة في الجغرافية السورية في هذا التوقيت؟ وما الغايات الإيرانية من الدفع نحو توتير الأوضاع الأمنية؟ وما حدود وقدرة الحكومة السورية على احتوائها، في ضوء التوازنات الداخلية الهشة والإقليمية الراهنة؟
أولًا: التوقيت الإقليمي والدوافع الخارجية للتحرك
يتطلب فهم التحركات الإيرانية ذاتيًّا وعبر أذرعها داخل سوريا وضعها في سياقها الإقليمي الراهن، وتحليل توقيتها وكشف الدوافع الخارجية التي تحرِّكها، بعيدًا عن قراءتها كمجرد نشاط أمني حدودي معزول، ويمكن تلخيصها في ما يلي:
1. التزامن مع الحرب الأمريكية على إيران
تزامنت التحركات العسكريّة والأمنية المتصاعدة على امتداد الحدود السورية-العراقية، إلى جانب التوتر في شمال سوريا، مع استمرار تداعيات الحرب الأمريكية على إيران، التي اندلعت أواخر فبراير 2026، وما أعقبها من تصاعد الضغوط العسكريّة والاقتصادية على طهران. ويمنح هذا التزامن التطورات السورية بُعدًا إقليميًّا يتجاوز طبيعتها الأمنية المحلية، ولا سيما أن المناطق الشرقية تقع ضمن نطاق جغرافي شديد التأثر بحركة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب العابرة للحدود.
ولا يثبت التقارب الزمني وجود ارتباط عملياتي مباشر بين الحرب وهذه التحركات، لكنه يُشير إلى انتقال جانب من اضطرابات المواجهة الإقليمية إلى محيط سوريا. كما أن اقتران التوتر الحدودي بالاضطراب الأمني في الشمال يكشف عن اتساع نطاق الضغوط الميدانية وتعدد بؤرها، بما يجعل المشهد السوري أكثر تأثرًا بمسار الحرب الأمريكية-الإيرانية وتداعياتها الأمنية الإقليمية.
2. ضغوط متصاعدة على أذرع إيران في المنطقة
تتزامن هذه التطورات مع تعرض «حزب الله» لضغوط عسكريّة وسياسية متزايدة في لبنان، في ظل استمرار مواجهته مع إسرائيل، وخسائره في الأسلحة والكوادر، ومطالبة الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة. وتحد هذه الضغوط من قدرة الحزب على استعادة قدراته السابقة، مما يزيد حاجته إلى خطوط إمداد خارجية، في وقت أصبحت فيه طرق العبور عبر سوريا أكثر تعرضًا للمراقبة والاعتراض. في هذا السياق تأتي محاولات «حزب الله» لفتح جبهة جديدة في سوريا تحت شعار «معركة أولي البأس»، كمحاولة لتخفيف الضغط عن جبهته الداخلية في لبنان، ونقل ثقل المواجهة إلى الأراضي السورية، وإظهار استمرار قدرته على المناورة رغم الخسائر التي تكبدها.
في العراق، تواجه الفصائل الموالية لإيران ضغوطًا أمريكية وحكومية لنزع سلاحها أو إدماجها فعليًا في المؤسسات الرسمية. وبينما أبدت بعض الفصائل خلال عام 2026 استعدادًا لمناقشة تسليم السلاح، رفضت فصائل أكثر ارتباطًا بطهران التخلي عنه بالكامل. وفي هذا السياق، تكتسب تحركات هذه الفصائل قُرب الحدود السورية دلالةً تتجاوز بُعدها الأمني، إذ تمثل محاولة لإظهار استمرار قدرتها على الانتشار والمناورة وحماية قنوات الاتصال الإقليمية، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الرامية إلى تقييد حركتها داخل العراق.
3. اتساع المواجهة بين إيران ودول المنطقة
تزامنت التحركات على الحدود السورية-العراقية مع لحظة إقليمية فارقة، اتسعت فيها تداعيات المواجهة المرتبطة بإيران لتشمل دولًا عربية وساحات مترابطة تمتد من العراق وسوريا إلى لبنان والأردن ودول الخليج. وتبرز دلالة هذا التوقيت في التقارير التي أفادت بأن فصائل عراقية موالية لإيران وجّهت رسائل تحذير إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، مؤكدة استعدادها للوقوف إلى جانب «حزب الله» إذا تحركت دمشق عسكريًّا ضده. وإذا صحت هذه التقارير، فإنها تكشف انتقال الفصائل إلى ممارسة ردع عابر للحدود، يربط أمن سوريا بمصير «حزب الله»، ويهدد بتوسيع المواجهة من لبنان إلى الأراضي السورية والعراقية.
يعكس الخبر تراجع الحدود الفاصلة بين ساحات النفوذ الإيراني، بحيث يمكن أن يؤدي تحرك في إحداها إلى استنفار فصائل موجودة في ساحة أخرى. وقد تزامن ذلك مع تحذيرات سورية ومن دول عربية أخرى لبغداد من استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات على دول الجوار، ما وضع الحكومة العراقية أمام ضغوط متعارضة: منع الفصائل من نقل الصراع إلى خارج الحدود، وتفادي تحول العراق نفسه إلى هدف لردود عسكريّة إقليمية.
وعليه، يكتسب تصاعد النشاط الحدودي في سوريا أهميته من وقوعه ضمن عملية إقليمية أوسع لتبادل التهديدات وإعادة رسم خطوط الردع. فالمواجهة لم تعد مقتصرة على إيران وخصومها المباشرين، بل أخذت تمتد إلى الدول الواقعة حول ساحات انتشار حلفائها، فيما تحوَّلت الحدود السورية-العراقية إلى نقطة تماس يمكن أن تصل عبرها ارتدادات التصعيد في لبنان والعراق إلى الداخل السوري.
ثانيًا: الغايات الإيرانية من إعادة التحرك داخل سوريا
إذا كان المحور السابق قد تناول السياق الخارجي الذي حفّز التحرك الإيراني، فإن هذا المحور يتجه إلى تفكيك الغايات الإيرانية الكامنة خلف إعادة تنشيط الحضور الميداني داخل سوريا، والتي يمكن توضيح بعضها فيما يلي:
1. موازنة الضغوط على إيران وشبكة نفوذها
يمكن قراءة محاولات إيران ووكلائها إعادة تنشيط تحركاتهم داخل سوريا بوصفها جزءًا من مسعى أوسع لموازنة الضغوط المتواصلة على طهران وشبكة نفوذها، ولا سيما مع استمرار الحرب الأمريكية عليها، وتعرض «حزب الله» لضغوط عسكريّة وسياسية في لبنان، وتزايد القيود المفروضة على الفصائل الموالية لها في العراق. وفي هذا السياق، تتيح إعادة إدخال الساحة السورية ضمن المواجهة لطهران توسيع نطاق الضغط وتشتيت جهود خصومها، ومنع تركّز الاستهداف عليها أو على إحدى ساحات نفوذها منفردة.
ولا يعني ذلك بالضرورة استعداد إيران لفتح جبهة سورية مباشرة أو استعادة انتشارها العسكريّ السابق، بل يُرجّح اعتمادها نمطًا أقل انكشافًا يقوم على تنشيط شبكات التهريب، ودعم تحركات الفصائل عبر الحدود، وتهيئة مسارات لوجستية يمكن استخدامها في إسناد «حزب الله» أو ممارسة الضغط على الوجود الأمريكي في المنطقة. وبذلك، تتحول سوريا إلى ساحة مساندة ضمن إستراتيجية توزيع المواجهة ورفع كلفتها على الخصوم.
2. تحويل سوريا إلى ساحة استنزاف مفتوحة
بعيدًا عن موازنة الضغوط على طهران، تهدف التحركات الميدانية إلى ترسيخ سوريا كمنصة تشغيلية دائمة تتيح لها إدارة الصراع وفق منطق الاستنزاف والردع غير المباشر، إذ تعمل شبكات التهريب على إدامة التهديد الحدودي ومحاولة اختراق الإجراءات السورية المشددة على ممرات التهريب، ما يبقي عملية تأمين الممرات الحدودية في حالة استنفار مستمر، ويُجبر الحكومة السورية الراهنة على استنزاف مواردها الأمنية والعسكريّة في مواجهة عمليات تهريب متكررة بدلًا من توجيهها إلى أولويات إعادة الإعمار والاستقرار الداخلي.
وفي الوقت نفسه، تعمل الفصائل الموالية لإيران في العراق ولبنان كأدوات للردع غير المباشر، قادرة على تنفيذ عمليات نوعية تهدف إلى رفع كلفة أي تصعيد سوري ضد المصالح الإيرانية، دون جر طهران إلى مواجهة شاملة قد تخسر فيها آخر أوراقها في سوريا. ويُبقي هذا النمط المشهد السوري في حالة تأهب دائم، محولًا الجغرافيا السورية إلى معادلة استنزاف مفتوحة تصبح فيها السيادة السورية رهينة بقدرة إيران على إدامة التهديد وإعادة تعريف قواعد الاشتباك. كما يُبقي خيار التصعيد أداة مساومة دائمة في يد طهران، خصوصًا أن فشل هذه المحاولات في تحقيق اختراق لوجستي لا يلغي قدرتها على إبقاء حالة عدم الاستقرار مُدارة لصالحها.
3. امتلاك أوراق ضغط على الحكومة السورية
اتخذت دمشق الجديدة مسارًا مناقضًا للمصالح الإيرانية، تمثل في إغلاق طرق الإمداد، وتفكيك خلايا مرتبطة بطهران و«حزب الله»، وإدانة الهجمات الإيرانية على دول عربية، إلى جانب توسيع علاقاتها مع السعودية ودول الخليج والولايات المتحدة. وترى إيران أن نجاح هذا المسار قد يحوّل سوريا من حلقة مركزية في شبكة نفوذها إلى جزء من بنية إقليمية تسهم في احتواء طهران وعزل حلفائها.
في هذا السياق يمكن فهم التحركات الحدودية وتنشيط الخلايا باعتبارهما وسيلة لامتلاك أوراق ضغط على دمشق وردعها عن الانخراط في مواجهة «حزب الله» أو التعاون عسكريًّا وأمنيًّا مع خصوم إيران. وقد ظهرت هذه الرسالة مباشرة في تحذير علي خضريان عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، لأحمد الشرع من الدخول في مواجهة مع الحزب، ملوّحًا بأن ذلك سيُسرّع ما وصفه بـ«مسار تحرير سوريا» على يد قوى «المقاومة»، وهي صياغة تحمل تهديدًا واضحًا بتوظيف الوكلاء ضد الحكومة السورية وتهديد استقرارها أو بقائها. ومع أن التصريح لا يمثل موقفًا رسميًا معلنًا للحكومة الإيرانية، فإن صدوره عن عضو في لجنة برلمانية معنية بالأمن القومي يمنحه دلالة سياسية، ويعزز ما أوردته تقارير أخرى عن احتمال رد الفصائل العراقية و«حزب الله» والخلايا الداخلية على أي تحرك سوري ضدها. وبذلك، تغدو القدرة على فتح جبهات حدودية أو تنفيذ عمليات داخل سوريا أداة ضغط وردع تتيح لطهران رفع كلفة اصطفاف دمشق مع خصومها.
ثالثًا: الحكومة السورية ومساعي مقاومة الضغوط
في ظل ما طُرح في المحاور أعلاه، تبرز إشكالية رئيسية وتساؤلات جادة حول قدرة الحكومة السورية الجديدة والأدوات المتاحة لها على تحويل هذه المعادلة لصالحها، ومدى نجاحها في فرض سيادتها رغم هذه العوائق الداخلية. ويمكن تفكيك استجابة دمشق وفق ثلاثة مسارات متداخلة، على النحو التالي:
1. تحصين الحدود وتفكيك شبكات السلاح
تعتمد دمشق، في مواجهة ضغوط الميليشيات الموالية لإيران في العراق ومحاولات استخدام أراضيها ممرًا للسلاح، على سياسة تجمع بين الردع الحدودي، والعمل الأمني الداخلي، والضغط السياسي على دول الجوار، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مفتوحة تتجاوز قدراتها وتعرّض استقرارها الداخلي للخطر. ففي مارس 2026 عـزَّز الجيش السوري انتشاره على الحدود مع العراق ولبنان، وأعلنت حالة الاستنفار لاحقًا. وبذلك سعت دمشق لرفع كلفة اختراق حدودها، مع إبقاء الانتشار في إطار دفاعي لا يمنح «حزب الله» أو الفصائل العراقية ذريعة لتوسيع المواجهة.
لم يقتصر هذا التحصين على منع دخول المقاتلين، بل امتد إلى قطع المسارات اللوجستية التي تربط العراق بلبنان عبر الأراضي السورية. وقد ظهر ذلك عندما أحبطت السلطات السورية إدخال شحنة من الأسلحة النوعية والصواريخ مخبأة داخل صهريج نفط عراقي، وقالت إن وجهتها كانت «حزب الله».
وفي الداخل توسع الرد السوري من مصادرة الشحنات إلى تفكيك البيئة البشرية والمالية التي تتيح تخزين السلاح ونقله وتشغيل الخلايا، وذلك عبر ملاحقة العناصر المرتبطة سابقًا بـ«حزب الله» والميليشيات العراقية، ومراقبة محاولات التجنيد وتحويل الأموال وشبكات المهربين. غير أن فاعلية هذه المقاربة تظل مقيدة بانتشار السلاح على نطاق واسع وتعدد الجهات الحاملة له، إذ تُشير المعطيات الميدانية إلى أن الدولة لم تحقق بعد احتكارًا فعليًّا للقوة، رغم إعلانها حصر السلاح بيدها.
أما سياسيًّا، فتعكس تصريحات دمشق سعيها لتحويل مواجهة سوريا لتهديد من ميليشيات مسلحة تعمل خارج إطار الدولة من استجابة سورية منفردة إلى مسؤولية أمنية إقليمية مشتركة، تقتضي تعزيز التنسيق الأمني وضبط الحدود. في الوقت نفسه، أعلنت دمشق دعمها للمساعي التي يقودها العراق ولبنان لحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، بما يشير إلى تفضيلها ممارسة الضغط والتنسيق عبر الحكومات على الانخراط في عمليات عسكرية داخل أراضي الدولتين. بذلك، تحاول سوريا الموازنة بين الحزم في حماية حدودها ومنع إعادة تشغيل مسارات الميليشيات وتهريب السلاح عبر أراضيها، وبين تجنب مواجهة حدودية قد تعيد إدخالها في قلب الصراع الإقليمي.
2. البُعد الدبلوماسي ومحاولة إدارة الضغوط القادمة من العراق
إلى جانب تحصين الحدود، نقلت دمشق جانبًا من جهود الردع إلى المسار الدبلوماسي، فكثفت اتصالاتها مع بغداد وشاركتها معلومات استخباراتية عن تحركات الفصائل المسلحة، مؤكدة أن استمرار استخدام الأراضي العراقية لتهديد الأمن السوري يحمّل الحكومة العراقية مسؤولية ضبط تلك الجماعات. وفي مقابل إبداء استعدادها لتوسيع التنسيق الأمني الثنائي، لوّحت دمشق ضمنيًّا بأن استمرار التهديدات أو قصور الإجراءات العراقية قد يدفعها إلى اتخاذ تدابير دفاعية إضافية.
في هذا السياق اكتسبت زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني لدمشق أبعادًا تتجاوز متابعة ملف إدماج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، لتشمل الأمن الحدودي والعلاقات السورية-العراقية. وقد حملت الزيارة، المنسقة مع بغداد والمدعومة إقليميًّا، رسالتين متكاملتين: إظهار توجه دمشق إلى معالجة ملف شمال شرقي سوريا بالحوار والتفاهمات السياسية، وتأكيد الترابط الأمني بين سوريا والعراق وإقليم كردستان.
جاء تعزيز هذا التوجه الدبلوماسي بعد أيام، حين استضافت العاصمة الأردنية اجتماعًا عسكريًّا رفيع المستوى ضم رؤساء أركان جيوش الأردن وسوريا والعراق، إضافة إلى وزير شؤون البيشمركة في حكومة إقليم كردستان. وناقش المجتمعون ملفات عدة، منها أمن الحدود وسبل تعزيز التنسيق لمواجهة التهديدات والمخاطر العابرة للحدود. ولم تقتصر دلالة الاجتماع على كونه منصة للتنسيق الأمني، بل تجاوزت ذلك إلى كونه رسالة ضغط على بغداد، مفادها أن الأردن وسوريا وإقليم كردستان على استعداد لتشكيل تكتل أمني إقليمي لمواجهة التهديدات، في حال عجزت الحكومة العراقية عن ضبط الفصائل المسلحة على أراضيها.
وتعكس هذه الإستراتيجية محاولة سورية لتحويل الصراع من مواجهة مباشرة مع الميليشيات إلى ضغط دبلوماسي يُلزم الحكومة العراقية بالاختيار بين مصلحتها في الاستقرار الإقليمي واستمرار النفوذ الإيراني على أراضيها، مما يضع طهران وفصائلها في موقف دفاعي يضطرها إلى الموازنة بين الحفاظ على قنوات الإمداد وتجنُّب إحراج حليفها في بغداد.
3. إدارة التوازنات الداخلية رغم التعقيدات
في صلب إدارة التوترات الداخلية، يتقاطع ملفان شائكان يعوقان قدرة دمشق على توجيه جهودها نحو الحدود الشرقية لمواجهة التحركات الإيرانية، وهما تعثر التسوية مع «قسد»، وتعقيدات حصر السلاح. فبطء تنفيذ اتفاق الإدماج، وما يرافقه من خلافات حول العودة واللا مركزية وتعدد الجهات المسيطرة في الشمال الشرقي، يُبقي تلك المناطق منقسمة أمنيًّا وإداريًّا، ويُحدث ثغرات تحُدّ من قدرة الدولة على بناء منظومة موحدة. وفي الوقت نفسه، يُبقي انتشار السلاح بين الفصائل والعشائر وفلول التنظيمات الجيش في حالة استنفار داخلي دائم، مما يجعل أيَّ تصعيد لمواجهة الفصائل الموالية لإيران على الحدود محفوفًا بتداعيات داخلية؛ إذ يمكن لتلك الفصائل استغلال الانشغال الأمني للتمترس في مناطق نفوذها وتعزيز وجودها العسكري، أو المماطلة في تسليم أسلحتها بحجة الحاجة إلى مواجهة التهديد الخارجي القادم من سوريا.
خـتامًـا، وفي قراءة للمشهد السوري الراهن، يتبين أن التحركات الإيرانية المتصاعدة على الحدود الشرقية ليست مجرد نشاط حدودي عابر، بل حلقة ضمن إستراتيجية أوسع لإدارة الردع والضغط، تستثمر فيها طهران توقيت الحرب الأمريكية عليها وتزايد الضغوط على حلفائها في لبنان والعراق، لتعيد تعريف قواعد الاشتباك داخل سوريا، وترسل رسائل متعددة: إلى دمشق بأن الانكفاء عن مواجهتها مكلف، وإلى خصومها الإقليميين بأنها ما زالت قادرة على توزيع الصراع وفتح جبهات مساندة.
لكن ما يكشفه التقرير أيضًا، بعيدًا عن القراءة الأمنية الضيقة، هو أن التحدي الحقيقي أمام سوريا ليس إيرانيًّا فقط، بل داخليٌ بالأساس؛ فتعثر الوضع في الشمال الشرقي، واستمرار تعدد مراكز القوى المسلحة، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، كلها ملفات تحدد، في المحصلة النهائية، حدود قدرة دمشق على مواجهة النفوذ الإيراني، وتقود إلى توزيع مواردها بين احتواء الاحتقان الداخلي وضبط الحدود، مما يضعف قدرتها على الردع ويشتت جهودها.
وإذ تسعى الحكومة السورية إلى تعويض هذا الضعف عبر تحصين الحدود، وتفعيل الدبلوماسية مع العراق والأردن، وبناء تكتلات أمنية إقليمية تضغط على بغداد لضبط الفصائل، فإن هذه الأدوات وحدها لا تكفي ما لم تترافق مع معالجة جذرية للانقسامات الداخلية. فطهران تُدرك تمامًا أن استمرار الثغرات الأمنية في الشمال الشرقي، وهشاشة اتفاق الإدماج مع «قسد»، وتعدُّد الجهات المسلحة، كلها نقاط ضعف يمكن استغلالها لإدامة حالة عدم الاستقرار وإبقاء سوريا في دائرة الاستنزاف، دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية شاملة قد تخسر فيها آخر أوراقها.