القرار المغربي بقطع العلاقات مع إيران.. دلالات وسيناريوهات

أعلنت المملكة المغربية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الجمهورية الإيرانية، وذلك على لسان وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المغربي ناصر بوريطة، يوم أمس. واشتمل الإعلان على مغادرة السفير المغربي لإيران، ومطالبة السفير الإيراني مغادرة الأراضي المغربية على الفور. وقد حملت هذه التطورات عددًا من الدلالات المهمّة، لا سيما أنه لم يمرّ سوى عام ونصف عام على قطيعة دامت سبع سنوات بين عامَي 2009 وحتى أكتوبر 2016، لكن نظرًا لطبيعة الاتهامات التي تطال تورط إيران في دعم جبهة البوليساريو الانفصالية، ونظرًا لحساسية تلك المسألة بالنسبة إلى المغرب، فإن العلاقات قد تكون دخلت في أزمة سياسية شديدة التعقيد.

أولًا: اتهامات مغربية وتأييد خليجي
1– اتهام مغربي: اشتمل الإعلان المغربي على إدانة إيران بالتعاون مع ما يعرف بجبهة البوليساريو، عبر دعم حزب الله اللبناني لها وقيام دبلوماسيين إيرانيين يعملون بالسفارة الإيرانية في الجزائر (أمير موسوي) بإدارة عمليات تدريب لمقاتلي البوليساريو على استخدام صواريخ أرض-جو، وتوريد حزب الله اللبناني بعلم من الجمهورية الإيرانية لأسلحة للجبهة وتدريب عناصرها في قاعدة عسكرية بتندوف الجزائرية.
2- مفاجأة ونفي إيراني:
إزاء الاتهامات المغربية المدعومة بالحجج والأدلة، وضح أن هناك صمتًا في البداية، وهذا يعكس بدوره قوة الأدلة المغربية وقوة الحجة التي دفعت بوزير الخارجية ليذهب إلى طهران بنفسه عارضًا شخصيًّا الأدلة التي بحوزته ليعود بعد ذلك مصحوبًا بسفير بلاده معه، كما يعكس مفاجأة المسؤولين الإيرانيين بهذه الاتهامات.
ورغم تأخر رد الفعل الإيراني لساعات، فإنها سرعان ما لملمت خِطابها السياسي، إذ نفى المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية تعاون السفارة الإيرانية في الجزائر مع جبهة البوليساريو، كما نفى حزب الله بدوره الاتهامات، زاعمًا في بيان رسمي أنها مجرد «حجج واهية» لقطع العلاقات بين المغرب وطهران.

3- تأييد خليجي:
وجدت الخطوة المغربية صداها الإقليمي على وقع التجاذبات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، والتي تعدّ إيران سببًا رئيسيًّا وطرفًا مهمًّا فيها، إذ أعربت وزارة الخارجية السعودية عن وقوف المملكة إلى جانب المغرب وتأييدها لقرار قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، مؤكدة “وقوفها إلى جانب المملكة المغربية الشقيقة في كل ما يضمن أمنها واستقرارها، بما في ذلك قرارها بقطع علاقاتها مع إيران”. ومن جانبها أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة وقوفها بجانب المغرب في حرصها على قضاياها الوطنية وضد التدخلات الإيرانية في شؤونها الداخلية. وتضامنت مملكة البحرين مع القرار المغربي، إذ أكد الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، وزير الخارجية البحريني، تأييد بلاده لموقف المغرب وقطع العلاقات مع إيران على خلفية ما تقوم به طهران بالمشاركة مع حزب الله اللبناني من دعم لـ«أعداء المغرب».

ثانيًا: دلالات واضحة
1- تأكيد مغربي على تورط إيران: حملت زيارة وزير الخارجية المغربي لطهران ولقائه وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، وإبلاغه بصورة مباشرة بالاتهامات المغربية وبقرار المغرب، قوة الحجج المغربية وثقتها في الاتهامات والأدلة التي تثبت تورط إيران في الإضرار بالمصالح المغربية. كما أن هذه الرسالة المباشرة تهدم أي مزاعم إيرانية بأن قرار المغرب بقطع العلاقات جاء نتيجة تعرض المغرب لضغوط من السعودية والولايات المتحدة لقطع علاقاتها بإيران، إذ إنّ ناصر بوريطة حمل معه في زيارته لطهران أدلة تورط إيران في دعم جبهة البوليساريو.

2- إصرار إيراني على التدخل: في الواقع لم تكن هذه هي المرة الأولى التي اتخذت فيها الحكومة المغربية قرارًا بقطع العلاقات مع إيران، على وقع تدخلات إيرانية مشبوهة في الشأن المغربي الداخلي، ففي عام 2009 قطعت المغرب علاقاتها مع إيران بسبب نشاط البعثة الدبلوماسية الإيرانية بالرباط، والتي استهدفت الإساءة للمقومات الدينية للمملكة، في إشارة إلى أنشطة نشر التشيع التي اتبعتها الممثلية الثقافية الإيرانية في الرباط، بعد إقدام المتعاونين من الشيعة المغاربة بتشكيل جمعيات شيعية، مثل جمعية “أنوار المودة” و”جمعية اللقاء الإنساني”. وقد سارعت السلطات المغربية حينها بشنّ حملات أمنية موسعة في عدد من المدن الإيرانية، بعد أن كشفت عن تشكيل خلية إرهابية يتزعمها المتعاون مع إيران علي عبد القادر بلعيرج في يناير 2008م المتهم بتنفيذ عمليات إرهابية في بلجيكا.

3- تطوير آليات التدخل: إذا كان المغرب قد قطع علاقاته في السابق لأسباب ذات صلة بنشاط السفارة وبعض الأدوات الناعمة الإيرانية، التي استهدفت دعم النشاط الشيعي في المغرب، وبالتالي التأثير على الوحدة الوطنية المغربية، فإنها في تلك المرة اتخذت بُعدًا أكثر عداء من خلال استخدام حزب الله، وتوظيفه في تقديم دعم لجبهة انفصالية تسعى إلى الاستقلال، بما يهدد تماسك الدولة المغربية ذاتها ووحدة أراضيها، وربما كان ذلك سببًا في الانزعاج المغربي بخلاف المرة السابقة.

4- توقيت غير مواتٍ للمغرب: تبدو حساسية التطورات الراهنة مع اقتراب موعد إدراج ملف قضية الصحراء المغربية على قائمة جدول أعمال مجلس الأمن، وتسعى إيران لإثارة الاضطرابات في الصحراء المغربية، لتبدو كمنطقة غير مستقرة، تستلزم تدخلًا دوليًّا مباشرًا، أو الوصول إلى تحقيق هدف المنشقّين من أبناء الصحراء المغربية بإجراء استفتاء حول انفصال الصحراء عن المملكة المغربية، وبالتالي تكون إيران وحزب الله اللبناني أصحاب الفضل في ذلك في حالة نجاح هذا المخطط، ومن ثم إيجاد موطئ قدم لها في تلك المنطقة الحيوية، وضمان الحصول على حليف مضمون على شواطئ الأطلسي، يمنح قاعدة ثابتة للأنشطة الإيرانية في غرب إفريقيا، ويدعم الحضور الإيراني في كل من السنغال ونيجيريا، بعد أن أضحت جماعة الزكزاكي الشيعية في نيجيريا ذات انتشار كبير في غرب القارة، ولتستكمل إيران من خلال هذا الحضور خلق مناطق نفوذ لها في إطار صراعاتها الإقليمية والدولية وامتلاك مزيد من أوراق الضغط.
5- سياسة دبلوماسية تدميرية: يوضح توجيه أصابع الاتهام إلى أمير موسوي، الملحق الثقافي الإيراني في الجزائر، بإدارة أعمال تدريب مقاتلي جبهة البوليساريو، مع التكرار المتزايد لضلوع الدبلوماسيين الإيرانيين في الأنشطة الإرهابية، تأكيد الطبيعة غير السلمية للأنشطة الدبلوماسية الإيرانية، إذ إنها لا تعدو سوى قواعد لأنشطة عناصر الحرس الثوري الإرهابية ضد الدول التي تستضيف هذه البعثات. ولا شك أن تورط الملحق الثقافي تحديدًا في تلك الاعمال غير المشروعة يؤكد أن الملحقيات الثقافية الإيرانية هي القسم النشط في أعمال الإرهاب والتجسس، ويؤكد أنها سياسة عُليا، وذلك بالنظر إلى أن الملحق الثقافي الإيراني في كل سفارة يعيّن من قِبل المرشد، ويخضع لإشراف منظمة الثقافة والروابط الإسلامية التابعة للمرشد، فالملحقون الثقافيون الإيرانيون لا يتبعون وزارة الخارجية ولا الحكومة الإيرانية.

ثالثًا: مستقبل غامض
من خلال ملاحظة السياسات الإيرانية في المغرب يتضح أنها قد استخدمت في البداية سياسات تسلل ناعمة تهدف إلى إيجاد أرضية مذهبية يمكن من خلالها تفتيت الوحدة الوطنية وتجهيز قوى داخلية للتأثير ومدّ النفوذ، ترتبط بإيران ولا ترتبط بالدولة المغربية ومؤسساتها، وعززت ذلك في ما بعد باستخدام سياسات صلبة تهدف إلى التأثير على تماسك الدولة، وذلك من خلال دعم الجماعات الانفصالية ومن ثم إيجاد بيئة مناسبة للتدخل ومدّ النفوذ، مستفيدة من توتر العلاقات المغربية-الجزائرية من جهة، ومن وجود نزعات انفصالية من جانب جبهة البوليساريو من جهة أخرى.
ولم تتورع إيران عن استخدام سفاراتها في المغرب كواحدة من أدوات إيران بجانب أذرعها الصلبة التي أنشئت خصيصًا من أجل تنفيذ سياساتها الخارجية، كما وظفت حزب الله حليفها الإقليمي البارز، وهنا يبدو أن إيران مزجت في تدخلها في المغرب بين البُعدين الناعم والصلب.
ويبدو على هذا الأساس أن العلاقة قد دخلت في مرحلة الأزمة، وأهمّ السيناريوهات هي:

1- قطيعة ستستمر لوقت: يعزز ذلك أن إيران لا تملك أداة لمعالجة هذا التدهور الواضح في العلاقات، خصوصًا أنها حتى الآن التزمت الصمت إزاء الاتهامات المغربية، ولم تدفع عن نفسها الاتهامات التي يبدو أنها تستند إلى أدلة قوية. ويزداد الأمر تعقيدًا بأن الجزائر جزء من الأزمة، وأن الدعم الذي تقدمه إيران لجبهة البوليساريو يكون من خلال الأراضي الجزائرية، كما أن المغرب لديها رؤية شديدة الصرامة تجاه مسألة الصحراء المغربية، وقد سبق وقاطعت منظمة الوحدة الإفريقية ووريثها الاتحاد الإفريقي لعقود على خلفية عدم احترام رؤية المغرب في ما يتعلق بمسألة الصحراء التي تعدّها أرضًا مغربية غير قابلة للجدل أو النقاش. كما أن إيران لا يبدو أنها بصدد تأسيس علاقاتها الدولية على التعاون وعدم التورط في مثل تلك السياسات، وستظل تمارس سياساتها التدميرية من منطلق آيديولوجي ونفعي لا يقوم على مبدأ احترام سيادة الدول.
2- تسوية الأزمة: يعزز ذلك الخبرة السابقة في عودة العلاقات بعد قطيعة دامت سبع سنوات بين عامَي 2009 و2016، لكن ذلك سيتوقف على رد فعل إيراني على الاستياء المغربي، وعلى محاولتها رأب الصدع من خلال اتخاذ خطوات عملية في ما يتعلق بأنشطتها التي تستهدف المغرب، سواء وحدته الوطنية أو وحدة أراضيه.
لكن يبدو أن هذا السيناريو مستبعَد، لأن إيران لديها رغبة في الحفاظ على علاقتها النوعية مع الجزائر، وذلك بسبب المواقف المتقاربة بين البلدين في ما يخص عددًا من القضايا الإقليمية، في حين أن المغرب تبدو مواقفه أكثر قربًا وتنسيقًا مع مواقف دول الخليج، كما أن إيران تستعد لمرحلة دولية قد تشهد فيها عودة إلى العزلة والحصار، ومن ثم تبحث عن بؤر للحضور والتأثير وحماية المصالح، وقد يقدم الصراع في تلك المنطقة منفذًا للحضور الإيراني.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير