الثورة الديمقراطية.. حاجة ملحة في إيران

بواسطةد.محمد بن صقر السلمي

قد يكون من الصعب التصديق اليوم أن إيران كانت تتمتع بعلاقات دافئة مع جيرانها من الدول العربية في المنطقة.
قبل الثورة الإيرانية كان بعض أبناء دول الخليج يقضون إجازة نهاية الأسبوع في أصفهان أو شيراز، ويتمتعون بزيارة الأماكن الجميلة هناك، وفي الصيف تتجه كثير من العائلات الخليجية إلى شمال إيران، وبخاصة محافظتي مازندران وگیلان على بحر الخزر. وفي الوقت ذاته كان الإيرانيون مرحباً بهم في الدول الخليجية والعربية كما هو الحال أيضاً عالميا.

وتغير كل ذلك في عام 1979 عندما اختطفت الثورة من قبل رجال الدين الشيعة، وحولوا البلاد من دولة عصرية ومنفتحة إلى دولة طائفية وعدائية وفقاً للدستور الإيراني أصبح الدين الرسمي في البلاد الإسلام الشيعي على مذهب الاثنا عشرية وهذه المادة غير قابلة للتغيير مطلقاً. كما يتيح الدستور الإيراني التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى لحماية من تسميهم “المستضعفين”، وتعني بذلك الأقليات الشيعية في المنطقة.
وكنتيجة لذلك، تدخلت إيران بشكل صارخ في الشؤون الداخلية لدول أخرى، يتجلى هذا التدخل في لبنان والعراق عن طريق دعم المليشيات الإرهابية، وفي سوريا حيث أوقدت الأعمال الوحشية التي يقوم بها نظام الأسد، وفي اليمن حيث افتعلت تمرداً أدى بالبلاد إلى حالة من الفوضى العارمة، كما وسعت إيران نطاق تأثيرها إلى أفريقيا، وبالتحديد نيجيريا.
ولكن الضحية الكبرى لانتهاك طهران هم الإيرانيون أنفسهم، فمنذ اندلاع الثورة 1979 تحول الجواز الإيراني إلى حاجز للتنقل الدولي. قيود متعددة على حاملي الجواز الإيراني أجبرتهم على إخفاء جنسياتهم، أو الادعاء بأنهم من الفرس.
إن الوضع الاقتصادي في إيران يتدهور يوماً بعد يوم. فـ 40% من الشعب، 50% من المتقاعدين، 75% من المعلمين، 90% من العمال يعيشون حالياً تحت خط الفقر وفقاً لإحصائيات رسمية لمسؤولين إيرانيين. ورغم أن الشعب الإيراني قبل 1979 كان يعيش تحت استبداد حكومة الشاه رضا بهلوي، إلا أنه كان يعيش وضعاً اقتصادياً أفضل من الذي يعيشه اليوم. الشعب الإيراني لم يحصل على حريته التي ثار من أجل امتلاكها مع حياة أفضل، واليوم ها هو يخسر الاثنين معاً.
وفيما يعاني المواطن الإيراني البسيط من الوضع الاقتصادي الصعب، يتساءل عن سبب توجه كل الأموال العائدة من بيع الغاز الطبيعي الوفير والنفط والموارد الأخرى إلى أتباع النظام في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
لقد شاهد العالم حجم احتفال وابتهاج الشباب الإيراني بتوقيع الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة قبل أكثر من عام، وكأن إيران فازت بكأس العام لكرة القدم. إن احتفال الشعب الإيراني بذلك ليس بسبب أن إيران ستحتفظ بحق تخصيب اليورانيوم أو أي مكتسبات أخرى مرتبطة بالبرنامج النووي. إطلاقاً، كان احتفال الإيرانيين مدفوعاً بأمل رفع العقوبات وتحسن أوضاعهم المعيشية.
ولكن خاب أملهم، فآخر الأرقام واستطلاعات الرأي القادمة من الداخل الإيراني تؤكد أن ٧٣٪‏ من الشعب الإيراني لم تتحسن أوضاعهم المعيشية بعد عام من الاتفاق النووي، وانخفضت تبعاً لذلك شعبية الرئيس حسن روحاني.
ومع كل ذلك، لا يزال النظام الإيراني يركز على المغامرات والتدخلات الخارجية على حساب شعبه، ويبعث بالأموال والسلاح للمليشيات الشيعية في المنطقة، ويدعم الإرهاب، ويستضيف رموز القاعدة حسب ما أعلنته الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً. إن طموحات الشعب الإيراني وتطلعاته لمرحلة ما بعد الاتفاق النووي تبخرت تماماً.
للتأكيد، إيران ترى بعض المنافع الاقتصادية من رفع العقوبات المفروضة، ولا يبدو أن هذه المنافع تعود ليتنعم بها المواطن الإيراني، بل لتدعيم الإرهاب الإقليمي وسياسة التدخل الخارجي، كما لو أن المناهضين للاتفاق النووي يقرأون المستقبل حين حذروا من هذه العواقب التي أصبحت واقعاً.
من حق الشعب الإيراني أن يعيش حياة كريمة وآمنة، وألا يكون منبوذاً في محيطه الجغرافي بسبب النظام الحاكم. إن الصراعات المذهبية التي نشهدها الآن لم تعرفها المنطقة في العصر الحديث قبل ١٩٧٩، ويبرهن على ذلك تعايش السنة والشيعة جنباً إلى جنب في مجتمعات مختلطة في العراق والبحرين والكويت وشرق السعودية.
إذا كان للمنطقة أي أمل بأن تعود إيران دولة هادئة، فلا مفر من ثورة أخرى يختار فيها الشعب الإيراني الديمقراطية، ويتخلص من حكم رجال الدين والدولة المستبدة.

المصدر : Diplomatic Courier

الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المركز

د.محمد بن صقر السلمي
د.محمد بن صقر السلمي
رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية