حِيَل إيرانية للالتفاف على العقوبات الأمريكية.. هل ستكون ناجحة؟

بواسطةأحمد شمس الدين ليلة

تفصلنا أيام قليلة على موعد بدء تطبيق المرحلة الأولى من العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني، هذا النظام الذي اعتاد التعايش المرير طيلة أربعين عامًا مع الأزمات الخارجية والعقوبات الاقتصادية وتفنن في التحايل عليها والالتفاف حولها بطرق مختلفة، ليتمكن من الاستمرار ويتجنب انهيار النظام، وإن كان على حساب تردي الوضع المعيشي، بدلًا من وضع حلول حقيقية من أجل الاتفاق مع المجتمع الدولي وإتاحة الفرصة لانطلاقة اقتصادية قوية. تتضمن المرحلة الأولى من العقوبات الأمريكية التي ستطبق في السادس من أغسطس القادم عقبات أمام تحويلات الدولار الأمريكي من وإلى إيران في التجارة الدولية والائتمان وتحصيل أموال إيرادات النفط، ما سيسفر عن نقص حادّ من عملة التجارة العالمية الأولى لدى الخزينة الإيرانية في المستقبل. تجاوَب النظام الإيراني من قبل مع هذه المشكلة بحيل مختلفة للتخفيف ولو بدرجة بسيطة من حدّة الحصار الاقتصادي، فهل نجاح بعض الحيل المتبعة خلال السنوات السابقة يعني بالضرورة نجاحها في المستقبل؟ وهل تلعب المؤثرات الدولية والإقليمية دورًا في هذا النجاح من عدمه؟

♦ اتفاقيات مقايضة النفط بالبضائع – روسيا
من المرجح أن تلجأ الحكومة الإيرانية لتفعيل واحدة من أقدم أدوات التبادل التجاري في التاريخ وأكثرها بدائية، أو ما يعرف بالمقايضة السلعية، أي مقايضة النفط الإيراني، السلعة الأكثر تداولًا في التجارة الخارجية الإيرانية بمنتجات أخرى من الدول التي ستقبل بشراء النفط الإيراني بعد تطبيق العقوبات الأمريكية ووفق طريقة المقايضة. طرح اسم روسيا كثيرًا في هذا الصدد، وذلك لأنها الدولة الوحيدة التي وقعت اتفاقية مقايضة مع إيران في مايو 2017 -أي منذ أكثر من عام- يتم بموجبها توريد بضائع روسية لإيران بقيمة 45 مليار دولار سنويًّا مقابل النفط الإيراني. لكن هذه الاتفاقية إلى الآن لم تطبق لا جزئيًّا ولا كليًّا، كما أن إجمالي حجم التبادل التجاري بين البلدين ضعيف وبعيد للغاية عن قيمة الاتفاقية، إذ سجّل إجمالي التبادل التجاري أعلى بقليل من مليارَي دولار في عام 2016 على الرغم من رفع العقوبات عن إيران، وفي ذروة التعاون السياسي الإيراني-الروسي، فكيف سيرتفع حجم التبادل إلى 45 مليار دفعة واحدة، خصوصًا مع عودة العقوبات الأمريكية؟! ومن ناحية أخرى، هل كان لروسيا سابقة في دعم إيران اقتصاديًّا قبل توقيع الاتفاق النووي؟
في عام 2014 كشفت بيانات التجارة الإيرانية أن حجم التبادل التجاري بين روسيا وإيران سجّل 1.67 مليار دولار، وكانت واردات إيران من روسيا خلال السنوات «2007-2014» مقتصرة على التسليح المسموح به في إطار العقوبات المفروضة على إيران، وكذلك بعض المعدات والآلات. بمعنى آخر، لم تستطع روسيا تقديم الكثير لإيران خلال سنوات الحصار الاقتصادي الماضية.
ومؤخرًا، وفي رد فعل روسي أثار الغموض حول مستقبل التعاون الاقتصادي الإيراني-الروسي في وجود إدارة ترامب، سارع الكرملين في الثالث عشر من يوليو 2018 بالإعلان عن رفضه التأكيد على تصريح لعلي أكبر ولايتي، مستشار الشؤون الدولية للمرشد علي خامنئي، قال فيه الأخير إن «الرئيس فلاديمير بوتين طرح استثمار نحو 50 مليار دولار في قطاع النفط والغاز الإيراني»، عقب اجتماع جمعه ببوتين في موسكو في الثاني عشر من الشهر نفسه. بجانب ما يمثله هذا الرفض من إحراج لمستشار المرشد، فهو يرسل رسالة إلى الإيرانيين والولايات المتحدة الأمريكية كذلك بألا يضعوا أملًا كبيرًا على الدعم الاقتصادي الروسي لإيران خلال فترة العقوبات، وجاءت هذه الرسالة واضحة قبل 3 أيام من انعقاد مؤتمر قمة بين الرئيسين ترامب وبوتين لبحث قضايا مشتركة في هلسنكي.
ولتأكيد الرسالة السابقة سارع وزير النفط الروسي بالإعلان -في نفس يوم إعلان الكرملين- بأن بلاده بالتعاون مع منتجي نفط آخرين مستعدة لضخ مزيد من النفط في السوق العالمي إذا ما حدث أي نقص في المعروض. وقال صراحة إن بلاده لم تشترِ أيّ نفط من إيران ضمن برنامج النفط مقابل السلع، لكن روسيا مهتمة بأن «تتاح الفرصة لإيران لشراء سلعنا وخدماتنا» كما جاء في وسائل إعلامية.
بمعنى آخر، إذا كان هناك دعم روسي لإيران فسيكون من أجل تعظيم المصالح التجارية لروسيا دون إضرار بمصالح الشركات الكبرى الروسية عن طريق العقوبات الأمريكية، أو الدخول في صراع مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن طالب ترامب كبار منتجي النفط بضخ مليونَي برميل يوميًّا لتجنّب ارتفاع مستويات الأسعار عند هبوط الصادرات النفطية الإيرانية إلى الصفر، وهو ما تستهدفه الإدارة الأمريكية. ومن الضروري هنا الإشارة إلى أن الاقتصاد الروسي هو الآخر لديه من الأزمات ما يكفيه مع حصار اقتصادي من الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية على خلفية تدخّل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، وضم روسيا لشبه جزيرة القرم في أوكرانيا.

♦ التجارة وتصدير النفط عبر العراق
تضاعفت التجارة الإيرانية مع العراق خلال السنوات الماضية بشكل ملحوظ، كما لجأت إيران في أحد أساليبها لتصدير النفط خلال فترة حظر الصادرات النفطية إلى التهريب عبر العراق، وفق ما يذهب إليه كثير من المراقبين. ستحاول إيران تكرار نفس السيناريو عبر العراق في المستقبل، خصوصًا مع وجود أهمّ وأكبر مواني تصدير النفط العراقية (ميناء البصرة جنوب شرق العراق على الخليج العربي) بالقرب من أكبر حقول إنتاج النفط الإيرانية في الأحواز العربية جنوب غرب إيران. لكن هل الظروف الحالية مواتية لتكرار نفس الخطط السابقة التي لمح إليها مسؤولون إيرانيون ووصفوها بالخطط السرّية في مواجهة العقوبات الأمريكية؟!
نعود مرة ثانية مع التصريحات الإيرانية غير الدقيقة، ولربما المخادعة، ولكنها جاءت في الوقت المناسب للكشف عن خلاف غير معلن بين إيران والعراق، إذ أعلنت وزارة النفط الإيرانية في الثالث من يونيو 2018 عن بدء تنفيذ اتفاقية تبادل نفط بين العراق (كركوك) وإيران، كان قد تم توقيعها بين البلدين منذ ديسمبر 2017، ووصول النفط بالفعل إلى مدينة «دره شهر» الإيرانية بواسطة شاحنات. لكن بعد 3 أيام خرج وزير النفط العراقي جبار اللعيبي معلنًا أن العراق وإيران لم تباشرا مبادلة النفط الخام «لأسباب فنية». وكانت مدة هذه الاتفاقية عامًا واحدًا قابلًا للتجديد لتبادل كميات تتراوح ما بين 30-60 ألف برميل يوميًّا لأغراض تقليل التكاليف التشغيلية.
وهنا ينبغي ملاحظة أمرين قد ينمّان عن خلاف غير معلن بين البلدين في هذا الشأن: أولهما عدم دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ إلى الآن على الرغم من تواضع الكميات المتفق عليها بين البلدين. ثانيهما أنه من غير المنطقي الاكتشاف المفاجئ لعدم قابلية الاتفاق للتنفيذ، في حين يفترض أن مثل هذه الاتفاقيات تدرس جيدًا من الناحية الفنية قبل توقيع البلدين عليها، لا اكتشاف ذلك صدفة بعد ستة أشهر من توقيعها.
من ناحية أخرى، ستبذل إيران قصارى جهدها لرفع حجم تجارتها غير النفطية مع العراق خلال الفترة القادمة، كوسيلة لزيادة أرصدتها من العملة الأمريكية الشحيحة في خزائن بنكها المركزي. وقبل شهر من بداية تفعيل المرحلة الأولى من العقوبات الأمريكية المتعلقة بتداول إيران للدولار الأمريكي (أغسطس 2018) قام تجار إيران بعمل تخفيضات وصلت إلى 20% على بضائعهم المبيعة للتجار العراقيين بشرط دفع ثمن البضائع بالدولار. واستجاب العديد من التجار العراقيين للعروض الإيرانية، خصوصًا مع توفير الحكومة العراقية الدولار للتجار العراقيين وتسهيل بعض المسؤولين والسياسيين العراقيين لتجارة إيران في العراق كما صرح لوسائل الإعلام عادل عليوي، وهو عضو في غرفة تجارة بغداد، محذرًا من خطورة خروج الدولار من العراق بكميات كبيرة، وتسبب ذلك في تراجع قيمة العملة العراقية.
بشكل عام، تضاعف حجم التبادل التجاري عدة مرات بين إيران والعراق منذ سقوط نظام صدام حسين وإلى الآن، ومع تراجع قطاعات الإنتاج العراقي أصبحت أسواقه مفتوحة للبضائع الإيرانية، ووفرت التجارة غير النفطية مع العراق للخزينة الإيرانية نحو 6 مليارات دولار العام الماضي. وفي حال عدم تغير هذه المعادلة وثبات أي متغيرات خارجية مؤثرة عليها، ستكون أسواق العراق مصدرًا يؤمن جزءًا وإن كان متواضعًا -مقارنة بأكثر من 55 مليار دولار تحصلها إيران من إيرادات النفط في العام- من احتياجاتإيران للعملة الأمريكية بعد عودة العقوبات.

لكن هناك ثلاثة متغيرات قد تقلب المعادلة الإيرانية في العراق رأسًا على عقب وجب التوقف عندها:
المتغير الأول: شهدت العَلاقة بين العراق وإيران في الآونة الأخيرة تطوّرات جوهرية، فبينما تشهد المعادلة العراقية تأرجحًا ما بين فريقين عراقيين، أحدهما يقاتل لأجل بقاء العراق في دائرة النفوذ الإيراني والآخر يبذل جهودًا جبارة لعودته إلى محيطه العربي السني، تلقت إيران ضربتين قويتين نابعتين من إدراك المواطن العراقي لعروبة العرق صاحب الحضارة الممتدة عبر قرون، أولاهما: تصويت المواطنين العراقيين لصالح تحالف «سائرون» العابر للطائفية ليحصد المركز الأول في الانتخابات البرلمانية العراقية، ثانيتهما تأتي من المحافظات الشيعية ذاتها جنوبي العراق، خصوصًا البصرة والنجف، باندلاع الاحتجاجات بهما بعد أن تسبب وقف تصدير الكهرباء من إيران لجنوب العراق في قطع التيار الكهربائي لساعات طويلة وفي ذروة أشهر الصيف الحارة، واحتجاجهم على التوغل الإيراني في العراق وحرقهم بعض مقار ميليشيات الحشد الشعبي الشيعي، الوكيل الإيراني بالعراق، وإن كانت إيران لا تزال تتوغل في الساحة العراقية بقوة من خلال ميليشياتها المسلحة المنتشرة في ربوعه.
هناك صحوة شعبية عراقية تلوح في الأفق ضد الفساد السياسي، الشعب العراقي سئم التدخّلات الإيرانية في الداخل العراقي وبث روح الطائفية والفُرقة والهيمنة على مجريات الحكم لتثبيت مكتسبات إيران الاقتصادية والسياسية ودعم ميليشياته العسكرية الموجودة في العراق، والمظاهرات الأخيرة وتقدم تحالف «سائرون» العابر للطائفية خير دليل على تغير محتمل للثوابت السابقة، هذه الصحوة رصدتها وسائل الإعلام الإيرانية ذاتها وحذرت صانعي القرار الإيراني من خطورتها.
المتغير الثاني: ضغط الإدارة الأمريكية على الحكومة العراقية حتى لا تكون العراق متنفسًا لاقتصاد إيران من الحصار الأمريكي، خصوصًا أن الاقتصاد العراقي يعتمد على صادرات النفط للخارج ويحتاج إلى تدفق الإيرادات الدولارية دون قيود أو عقبات قد تلوّح بها الإدارة الأمريكية. وإذا ما نجحت هذه الضغوط سيتغير شكل العَلاقات التجارية بين العراق وإيران، خصوصًا في ما يتعلق بتهريب النفط الإيراني من خلال موانيها.
المتغير الثالث: نجاح دول الجوار العراقي الخليجي والعربي في تأمين احتياجات العراق الاقتصادية والتجارية ومنافسة البضائع الإيرانية، خصوصًا من ناحية الجودة. وهي خطوة هامة للغاية لحصار التمدّد الإيراني في العراق والمنطقة العربية، وهي كذلك خطوة قابلة للتنفيذ وفرص نجاحها كبيرة مع توافر رأس المال والشركات الكبرى العاملة في دول الخليج وشمال إفريقيا، وإعادة فتح معبر عرعر مع السعودية مؤخرًا واستمرار التنسيق بين الجانبين لفتح مزيد من المعابر مستقبلًا.
وفي النهاية نستطيع أن نقول إنّ أسلوب مقايضة النفط بالسلع مع روسيا كحيلة للالتفاف على العقوبات الأمريكية لم يفعّل في السابق، ولا يعول عليه كثيرًا عليه في ما هو قادم، لأسباب، منها ضعف حجم التبادل التجاري بين البلدين من الأساس حتى بعد الاتفاق النووي، وصدور ردود أفعال رسمية روسية الشهر الجاري أثارت الشكوك حول طبيعة الدور الممكن أن تلعبه روسيا لتخفيف وطأة العقوبات الأمريكية على إيران الفترة القادمة، بالإضافة إلى أن الاقتصاد الروسي نفسه منهك من العقوبات الأمريكية-الأوروبية المفروضة عليه ولا يحتاج إلى مزيد من التصادم مع الغرب بسبب العَلاقة مع إيران أو مع غيرها.
أما الجار الغربي لإيران وهو العراق فقد لعب دورًا أكبر في تخفيف الحصار الاقتصادي عن إيران من الدور الروسي قبل توقيع الاتفاق النووي، سواء عبر التجارة غير النفطية أو تصدير النفط الإيراني للخارج، وستبذل إيران قصارى جهدها لتكرار نفس السيناريو مع إعادة تطبيق العقوبات الأمريكية، لكن عوامل نجاح هذا السيناريو غير مؤكدة في ظل مجموعة من المستجدات، سواء على الساحة الدولية ووجود إدارة أمريكية متشددة مع إيران، أو مستجدات على الساحة العراقية المحلية التي قد تغير شكل العَلاقة بين البلدين في القريب المنظور، كفوز تحالف «سائرون» العروبي العابر للطائفية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وخروج المظاهرات في مدن الجنوب العراقي الشيعية منددة بالتدخّلات الإيرانية في الشأن العراقي واستخدام الكهرباء الإيرانية كوسيلة ضغط على العراقيين، بجانب تنامي الإدراك الشعبي بحضارة العراق المستقلة العريقة التي ساهمت في تطوّر البشرية منذ القدم، وانتمائها إلى محيطها العربي بالأساس.
وفي الجزء الثاني من المقال -إن شاء الله- سنتحدث عن مجموعة أخرى من الحيل التي يتوقع أن تلجأ إليها إيران للالتفاف على العقوبات الأمريكية، وجدواها في تخفيف وطأة الحصار الاقتصادي عليها.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

أحمد شمس الدين ليلة
أحمد شمس الدين ليلة
باحث اقتصادي بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية