روحاني والمرشد: ما وراء الجملة

بواسطةفواز السيحاني

«في الحروب والأزمات تُستخدم اللغة والكلمات والخطابات لتطويق الحقيقة بدلًا من إيصالها».
(توم بروكام، كبير الصحفيين في قناة nbc الإخباريَّة).

تمثِّل اللغة المساحة الأهمّ لرجل السياسة، نظرًا إلى ما تحمله من قدرة على «تزييف الحقيقة والمعنى، والتأثير»، وأيضًا «الكذب المُقنِع»، حسب تعبير الفيلسوفة والمفكِّرة حنة أرندت، التي قالت أيضًا في دراستها المعنونة بـ«السياسة والحقيقة»: «يمكن اعتبار اللجوء إلى المواربة إحدى الوسائل الضرورية، ليس فقط لمن يمتهن السياسة، بل أيضًا لمن يمارس الحكم والسُّلطة بشكلها الإقصائي».

نيتشه: « إنّ السياسي لا مفر له من التوسل بحسن الخطاب، وبلاغة القول، وبصنوف من التحايل الكلامي ومشتقاته من مكر ودهاء لاستثارة خيال الشعب، وتأجيج آمالهم، وشحذ هممهم »

 ♦ «العالَم كُله يتغطى بوشاح اللغة» (رولان بارت)
إن أبرز مشهد لغوي يمكن الاستشهاد به لتوضيح مدى خطورة اللغة السياسية وقدراتها على التأثير والمواربة وتطويق الحقيقة بدلًا من إيصالها، هو إجابات روحاني أمام البرلمان، إذ يمثِّل ما حدث الصورة المثاليَّة لإبراز أهمِّيَّة تحليل الخطاب تداوليًّا وألسنيًّا، وأيضًا لمعرفة أن الجملة التي يقولها الحاكم أو السياسي ليست اعتباطيَّة، بل تهدف إلى تحقيق غاية عميقة تتجاوز الفهم البديهي، وهو ما يستوجب هزّ البنية العميقة لجمل روحاني تلك بأصغر وحداتها على المستوى التفكيكي.
إن إجابات روحاني في البرلمان نهاية شهر أغسطس تُعتبر تجسيدًا هامًّا للمراوغة اللغوية التي يتمتع بها رجل السياسة في إيران، خصوصًا في ظلّ تواتر كثير من المقالات والتحليلات في الداخل والخارج الإيراني، التي أشارت إلى أن إجاباته تلك عبَّرَت عن حالة انهزاميَّة له وللتيَّار الإصلاحيّ، وجعلت منه تابعًا وخاضعًا للمرشد، وهنا يكمن مأزق فهم اللغة السياسية وغياب القدرة على استنطاقها بشكل غائر في العمق، وقراءة الخطابات وَفْقًا لسياق التفاعلات السياسية فقط، وليس بطريقة بنيوية معرفيَّة؛ للوصول إلى النموذج العميق الذي ينطلق منه النِّظام والحكومة في إيران. وفي هذا الصدد يوضح المفكر عبد الوهاب المسيري مصحوبًا بالمفكر الطاهر لبيب مدى إشكاليَّة غياب التحليل المعرفي والبنيوي عربيًّا فيقولان: «إن الكارثة تكمن لدى المهتمّ والباحث في كونه ينطلق من المعلومة الخبريَّة المتغيرة، لفهم الواقع ومآلاته، لا من خلال الكشف عمَّا وراء ذلك الخبر للوصول إلى النموذج الدائم والجوهري وغير المتغير».

  ♦ في البرلمان.. روحاني يُدِين المرشد لا العكس

إن غالبيَّة التحليلات أو المقالات التي تناولت إجابات روحاني في جلسة البرلمان تلك، توصلت إلى نتيجة شبه موحَّدة، وهي « إن روحاني أدان نفسه، وخضع للمرشد، متنازلًا عن شعاراته السابقة»، إلا أن الأمر كان العكس، فبعد تفكيك إجابات الرئيس الإيراني تجده «يدين المرشد ومركزيته وتحكُّمه في كل شيء، حتى في البرلمان والدولة ككلّ». لكن كيف حدث ذلك؟
في تلك الجلسة أجاب روحاني بما يلي:
• أرجو أن ألتزم النقاط والتوصيات التي أمرني بها صاحب المقام المعظَّم للإرشاد في ما يتعلق بهذه الجلسة.
• يجب أن أوضح للشعب أننا سوف نعبر هذه الأزمات بحول وقوة الله وتوجيهات المرشد، وتعاوُن السلطات الثلاث والقوات المسلَّحة.
• في ما يتعلق بتهريب السلع والنقد الأجنبي، تؤدِّي القوات المسلَّحة، بخاصَّة الحرس الثوري، دورًا جديرًا بالتقدير في مكافحة أعمال التهريب، خصوصًا بعد أن قرَّر المجلس الأعلى للأمن القومي قبل عشرة أشهر أن تكون مكافحة التهريب في الخليج وبحر عمان وبعض المناطق الحدودية في شرق وغرب إيران تحت سلطة الحرس الثوري.
• ليكُن الشعب على ثقة بأننا لن نسمح لشلة مناهضة لإيران اجتمعت في البيت الأبيض بأن تتآمر علينا.
• على البيت الأبيض أن لا يتصور أنه سيشعر بالسرور في ختام هذا الاجتماع، وليعلم أنه سيشعر بالحزن الشديد في نهاية الاجتماع، لأن السلطات الثلاث، المجلس والحكومة والقضاء، متضامنة ومتَّحدة مع القوات المسلَّحة تحت إشراف وقيادة قائد الثورة.
الآن لنقف عند أول إجابةٍ له: «أرجو أن ألتزم النقاط والتوصيات التي أمرني بها صاحب المقام المعظم للإرشاد في ما يتعلق بهذه الجلسة»، وهو ما يعني أن «ما سأقوله ليس كاشفًا للتفاصيل الهامَّة وللحقائق التي أودّ عرضها، بل ما سأقوله هو ما أمرني به المرشد نَصًّا»، والتقدير البنيوي في ذلك هو: «إن كل إجاباتي اللاحقة ستأتي وفْقًا لتعليمات وتوجيهات المرشد، لا من حيث كوني رئيسًا، وإذا كانت إجاباتي غير مقنعة، فالسبب وراء ذلك هو المرشد، إذ قلت ما أراد وَفْقًا لتعليماته لا وَفْقًا لما أريد».
وفي ثاني إجابة قال: «يجب أن أوضح للشعب أننا سوف نعبر هذه الأزمات بحول وقوة الله وتوجيهات المرشد، وتعاوُن السلطات الثلاث والقوات المسلَّحة».
وقبل الشروع في تفكيك هذه الجملة، يجب أن نعرف أن السائل كان البرلمان، فمن المفترض أن يوجِّه روحاني إجابته إلى السائل، إلا أنه وجَّه الإجابة إلى الشعب لا إلى البرلمان، وكأنه يهدف بذلك إلى سحب الشرعيَّة الشعبية من البرلمان، الذي يتحكم فيه المرشد بنسبة تتجاوز 80%، مُعِيدًا التذكير بنفسه كرئيس منتخب، لكن ماذا أراد روحاني أن يوضح للشعب؟
أراد الرئيس الإيرانيّ أن يقول إن «هذه الأزمات لن نعبرها إلا بعد أن تتحقق جملة من الشروط، هي أن يوجه المرشد بذلك فعليًّا من خلال أن يجعل السلطات الثلاث والقوات المسلَّحة تتعاون معي»، وما يؤكّد ذلك هو تراتبية الوحدات في إجابته، إذ نصَّت أولًا على «أهمِّيَّة توجيهات المرشد»، ليأتي ثانيًّا «تعاون السلطات الثلاث»، ثم يأتي ثالثًا «تعاون القوات المسلَّحة»، وجميعها خاضعة على أرض الواقع بنسبة كبيرة للمرشد، لا إلى الرئيس المنتخب حسن روحاني.
في ثالث إجابة قال روحاني: «في ما يتعلق بتهريب السلع والنقد الأجنبي تؤدِّي القوات المسلَّحة، بخاصَّة الحرس الثوري، دورًا جديرًا بالتقدير في مكافحة أعمال التهريب، خصوصًا بعد أن قرَّر المجلس الأعلى للأمن القومي قبل عشرة أشهر أن تكون مكافحة التهريب في الخليج وبحر عمان وبعض المناطق الحدودية في شرق وغرب إيران تحت سلطة الحرس الثوري». في إجابة روحاني هذه التفاف ماهر، وإدانة موارَبة للمرشد، فأزمة تهريب العُملة ليست بسببي أنا بل بسبب عدم أداء الحرس الثوري التابع للمرشد الدور المنوط به جيدًا، وَفْقًا لقرار المجلس الأعلى للأمن القومي، وللشرح بطريقة أكثر وضوحًا، فإن الأمر يشبه تمامًا أن يسألك مَن يترأسك في العمل عن مهمَّة عمليَّة، لتجيبه: «إن هذه المهمَّة يؤدِّيها حاليًّا فلان، وهو يحاول إنجازها بجهد جدير بالاهتمام، إنها لم تعُد من مهامي انطلاقًا من قراركم الصادر قبل عشرة أشهر». في المثال وضَّح المجيب لرئيسه في العمل أن التقصير في إنجاز المهمَّة ليس بسببه بل بسبب مَن وُكِلَت إليه المهمة، سواء كان فردًا أو مؤسَّسة أو جهة، وهو ما فعله روحاني تمامًا.

 ♦ «كان علينا أن نجد عدوًّا، وفي حال عدم وجود يهود كان علينا أن نخترع عدوًّا غيرهم» (هتلر).
لم تقف إجابات روحاني على استخدام تقنيات ألسنية فقط، بل استخدمت أيضًا تقنيات نفسانيّة للتأثير الجماهيري على المستوى الشعوري ، وفي هذا الصدد يقول باتريك شاردو إن «الخطيب السياسي يستثمر الإمكانيات اللغوية والتداولية، بُغيَة الإقناع والتأثير، معتمدًا على استراتيجيات خطابيَّة وتداوليَّة ونفسيَّة أيضًا، كبـلاغة التخويف من الأعداء الخارجيين»، وهو ما فعله روحاني بشكل واضح في إجاباته تلك، إذ أحال الأزمة إلى عدو خارجيّ، معزِّزًا ذلك بنظريات نفسيَّة هامة منها «عقدة ديموقليس»، و«عقدة كبش الفداء»، بعد أن اتخذ من واشنطن بوابةً لإيصال هذه العُقَد الشعورية التي تنصّ على أن «تنشئة أي مجتمع تستوجب الإشارة إلى عدوّ تقليدي ومعيَّن وحاضر في الذاكرة الجمعية، وقد يكون هذا العدو قبيلة أو قوميَّة أو دولة، وهذا العدو يتحمَّل باستمرار كل الأزمات والمصاعب، كما أن عُقدة ديموقليس تُعبِّر عن ضرورة استشعار المجتمع بحالات من الخوف الدائم لإثارة الروح العدوانية ضدّ الآخر والالتفاف حول السُّلْطة في الداخل»، وهو ما فعله أيضًا هتلر إبان فترة حُكمه إذ قال: «كان علينا أن نجد عدوًّا، وفي حال عدم وجود يهود كان علينا أن نخترع عدوًّا غيرهم»، وهو ما سماه المفكر الأمريكي كولون ولسن في كتابه «سيكولوجيا العنف» بـ«جحيم الآخر»، التي نشأت فكريًّا ونفسانيًّا بدايةً مع سارتر ومقولته الشهيرة «الآخَرون هم الجحيم».

حسب النظرة الفلسفية لهيغل وماركس، فكل شيء في حالة صيرورة وتغيُّر، والعنف والصراع هما العنصر الثابت وسط صيرورة تاريخية متحركة لا شيء فيها ثابت

♦ المرشد أيضًا يمضغ الخطابات جيدًا
ليس روحاني وحده مَن يجيد هذه القدرة اللغوية، بل المرشد أيضًا يجيد مضغ الكلمات والخطابات، ويستخدمها لتطويق الحقيقة بدلًا من إيصالها، فخلال مظاهرات ديسمبر عام 2017 عندما رفع الجماهير في أكثر من 70 مدينة إيرانيَّة شعارات من قبيل «الموت للديكتاتور، لا غزة ولا لبنان روحي فداء إيران»، وهي شعارات تضرب في رمزية المرشد وفكره الثوري والتوسعي، وفي تلك الأحداث خرج علي خامنئي قائلًا -نقلًا عن موقع «بي بي سي فارسي»-: «للشعب حقّ انتقادي، دون المساس بالثورة».
هذا التصريح يبدو لأول وهلة اعترافًا من المرشد بحقّ الانتقاد بكل حريّة والإساءة إلى رموز الثورة الإيرانيَّة، إلا أنه في حقيقة الأمر حماية للثورة وحماية لذاته باعتباره النموذج القيمي والجسماني لامتداد الثورة ولمكانتها، وهدفها التوسُّعي، إن تصريحهُ هذا حماية للإطار النظري الذي يمدُّه بالقوة، فمتى ظلّت الثورة تحمل القداسة والابتعاد عن الانتقاد؛ فإنه تباعًا سيظل محافظًا على مكانته، وعلى سُلطته. لقد استخدم المرشد في هذا التصريح ما يُعرف أسلوبيًّا بـ«الانزياح الدلاليّ» أي أنهُ فصل ذاته عن الثورة وفكك العلاقة الشرطية لغويًّا بينهما، رغبةً منه في التهدئة، في حين أنه يمثل في حقيقة الأمر النموذج المثالي والماديّ للثورة ولمفاهيمها، إن المـُرشد مارس في هذا التصريح أقصى درجات الوعي اللغوي وأساليبه التفكيكية التي نظرّ لها الفيلسوف الفرنسي ذو الأصول الجزائرية جاك دريدا.

♦  علي عزت بيجوفتش: الكلمة تكشف الحقيقة.. ولكنها أيضًا يمكن أن تُوَظَّف لإخفائها
في السادس والعشرين من شهر سبتمبر الفائت 2018 خرج الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني مُلقِيًا كلمته أمام الجمعية العامَّة للأمم المتَّحدة، ولم تكُن كلمته تلك مقنعة لكثيرين في الداخل الإيرانيّ، استنادًا إلى ردّ فعل الصحف المحليَّة هناك، والتعاطي معها إعلاميًّا بالمجمل، ورغم ذلك فإن خطابه تأسَّس بشكل كُلِّي على تقنيات وثيمات لغويَّة هامة، أبرزها حين قال: « لقد أظهرت إيران على مدار الأربعين عامًا الماضية أنها تقاوم على الرغم من العقوبات، ويبين تاريخ بلادنا لآلاف السنين أن إيران والإيرانيّين لم ينهزموا أمام حوادث الدهر ولم ينحنوا».
لقد استثمر روحاني في هذا التصريح ما يُسَمَّى في التحليل النفسي «عقدة الماضي المجيد»، وهي إحدى النظريات التي أسَّس لها فرويد، وطورها د.مصطفى حجازي، وتعني «النكوص إلى الماضي والاحتماء بأمجاده السعيدة، وهي من أكثر الآليات شيوعًا لدى الحاكم أو النِّظام، في حين كان يعاني من الفشل». ورغم تأثيرها جماهيريًّا فإنها مجرَّد هروب خيالي لا يغيِّر من الواقع المادي شيئًا، لكنها في الوقت نفسه تصنع التفافًا داخليًّا، إذ تُلغي المستقبل، واللحظة الآنية، وتركز على الماضي وتُحيل إليه، ذلك الماضي الذي يصنع بسبب ما يحمله من قداسة في الفكر الإنساني تأثيرًا مركزيًّا في صناعة الانفعالات.
لا يقف الأمر في هذا التصريح عند هذا الحدّ، بل استخدم فيه أيضًا نظرية الاستعلاء العرقي، والاستفزاز للشعور الجمعي الإيرانيّ من خلال تذكيره بما تَعرَّض له سابقًا، بهدف استثارة روحه العدوانية ضدّ الآخر، بعد أن قَرَنَها روحاني -عن قصد بكل تأكيد- بـالسنوات الأربعين الماضية (عمر الثورة)، رغبة منه في أن يقدِّم للذاكرة الشعبية في الداخل الإيرانيّ من خلال هذا الاقتران رسالةً تحمل المضمون الآتي: «إن ما يتم تهديده ليس الثورة فقط، بل إيران كوجود وحضارة وتاريخ وماضٍ»، وفي هذا الجانب يوضح الكاتب والمحلل الاجتماعي هنري لويس، أن «الهدف الكامل من العمليَّة السياسية وخطابها هو إبقاء العامَّة في حالة قلق دائم». وهو أيضًا ما أكَّده الروائي وناقد الأنظمة الديكتاتورية جورج أورويل في عمله الشهير «مزرعة الحيوان» قائلًا: «إن اللغة السياسية للأنظمة القمعية مصمَّمة أساسًا لجعل الأكاذيب تبدو كأنها حقيقية». وختامًا لا يبدو أن اللغة السياسية في إيران قائمة على الكلام بوصفه فعلًا عفويًّا، بقدر ما تقوم على وعي لغويّ متين ومواربة قمعية ذكيَّة إيمانًا منها بأن اللغة والكلمات والخطابات تُستخدم في الحروب والأزمات لتطويق الحقيقة بدلًا من إيصالها.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد 

فواز السيحاني
فواز السيحاني
مدير وحدة الإعلام و النشر