هل إيران أيضاً على موعد مع انقلاب عسكري؟

بواسطةمرتضى كاظميان

قام جزء من الجيش في تركيا بخطوة مفاجئة وعسكرية بهدف الإطاحة بحكومة أردوغان، وبذلك أعاد كلمة “الانقلاب” إلى الأذهان، وبغض النظر عن هوية الذين خططوا، وأصحاب فكرة الانقلاب في تركيا، فالسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو هل يمكن أن يقع انقلاب في إيران اليوم؟ وإذا كانت الإجابة بنعم فيكون السؤال التالي هو من سيقوم بهذا الانقلاب؟

» الجيش الإيراني ذو الطابع غير السياسي لا يشكل تهديداً
إن الجيش هو المصدر الرئيسي والمحوري للانقلابات، وقد خضع الجيش الإيراني بعد تغيير النظام السياسي، وترسيخ الجمهورية الإسلامية بشكل كبير إلى إشراف الأجهزة السياسة – الأمنية التي قامت بتطهيره، حيث كان الجيش هو الداعم الرئيسي لنظام الشاه، وكانت الشكوك حول احتمالية قيامه بانقلاب عسكري قائمة.
يقول نائب رئيس الوزراء آنذاك إبراهيم يزدي، وهو من المخططين والمؤسسين الرئيسيين للحرس الثوري: “فقد المرشد، ومجلس الثورة، والحكومة ثقتهم بقيادات الجيش لفترة طويلة، وأظهرت وثائق، وشواهد آنذاك أن الإدارة الأمريكية كانت تخطط لتدبير انقلاب في إيران”.
وفي الوقت الذي أعدم فيه جنرالات في الجيش بعد قيام الثورة، تصاعدت حملة تطهير الجيش بالتزامن مع تثبيت دعائم النظام الجديد وترسيخ حكمه في البلاد، وأصدر ولي الفقيه أوامر تقضي بعزل القيادات العليا في الجيش، وتم استبدالهم بوجوه جديدة مؤيدة لولي الفقيه، والنظام الجديد.
بغض النظر عن تداعيات تأسيس الحرس الثوري، وتوسيع نطاق أنشطته العسكرية والأمنية وحتى السياسية والاقتصادية، فإن ولادة هذه المؤسسة كانت من رحم النظام الجديد، وهكذا بدأت الحكاية إلى أن وصل الجيش بعد مرور 37 سنة على حكم ولي الفقيه إلى مستوى أصبح فيه القادة الكبار في الجيش من الموثوقين لدى الشخص الأول على رأس النظام، في الوقت الذي بات جنرالات الجيش علی صلة وثيقة بهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والسلطة المركزية.

“ينص الدستور الإيراني على ضرورة أن تكون مؤسسة الجيش تابعة لنهج الثورة. كما يؤكد أن مهمة الجيش لا تقتصر على الحفاظ على استقلالية البلاد وسيادة أراضيها وحماية النظام فحسب، بل يجب عليه التضحية في سبيل تحقيق أهداف الثورة”.

وينص الدستور الإيراني على ضرورة أن تكون مؤسسة الجيش تابعة لنهج الثورة. كما يؤكد أن مهمة الجيش لا تقتصر على الحفاظ على استقلالية البلاد وسيادة أراضيها وحماية النظام فحسب، بل يجب عليه التضحية في سبيل تحقيق أهداف الثورة.
أدت كل هذه العوامل إلى إنشاء جيش يختلف اختلافاً ذا مغزى عن نظرائه في تركيا ومصر وباكستان، حيث قامت الجيوش فيها خلال العقود الأخيرة بانقلابات عسكرية، أو تم التشكيك في نواياها إزاء ذلك، وتحول الجيش الإيراني إلى مؤسسة لا تشكل تهديداً للنظام السياسي الحاكم في إيران.

» الحرس الثوري والجنرالات المستعدون للانقلاب
أكد رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري، على دور الحرس الثوري ومكانته قائلاً: “مؤسستا الجيش والحرس الثوري تكمل إحداهما الأخرى في إيران؛ فالجيش يتولى مهمة الدفاع أمام العدو المكافئ، وفي حال لم يتمكن من مواجهة العدو الذي يمتلك قوة كبيرة، حينها، وبحسب الدستور، سيقوم الحرس الثوري بدعم الجيش، كما أن الحرس الثوري يتولى مسؤولية الحفاظ على الأمن الداخلي على نطاق يفوق قدرات جهاز الأمن العام، ومن مهام الحرس الثوري كذلك تعميق مبادئ الثورة في مناطق غرب آسيا، والدول الإسلامية”.
ولم يقتصر دور الحرس الثوري على هذه القائمة التي تشمل المهام العسكرية، بل تنامى حجم تدخلاته، وبرز بشكل مطرد في القطاعات السياسية – الأمنية، وحتى الاقتصادية في عهد خامنئي.

“لم يقتصر دور الحرس الثوري على هذه القائمة التي تشمل المهام العسكرية، بل تنامى حجم تدخلاته، وبرز بشكل مطرد في القطاعات السياسية – الأمنية وحتى الاقتصادية في عهد خامنئي”.

ومن النماذج على حجم هذه التدخلات ما صرح به رئيس وحدة الاستخبارات في الحرس الثوري حسين طائب، حين قال: “سنكشف عن خفايا الانتهاكات الأخيرة”، وأضاف: “ملف الفساد الاقتصادي الكبير وضع على جدول أعمال وحدة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري”، وتعتبر تصريحات طائب هي الأحدث في سلسلة تدخلات الحرس الثوري.
ويلاحظ المراقبون السياسيون وجود هذه العلاقات المتشابكة والصلة بين رأس هرم السلطة والقيادات الأمنية الحاكمة على الحرس الثوري، ويُعتبر التدخل المباشر للحرس الثوري في الانتخابات الرئاسية في 2009، وحملة الاعتقالات الواسعة التي تزامنت مع إعلام النتائج الرسمية للانتخابات، وعمليات القمع الدموية التي طالت المواطنين المحتجين على نتائج الانتخابات دليلاً مهماً على الانسجام الحاصل في وجهات النظر والأداء بين خامنئي والحرس الثوري، ولم تتورع القيادات العليا في الحرس الثوري، كالجنرال جعفري، والجنرال همداني، والجنرال نقدي، عن التصريح بالدور الكبير الذي قامت به هذه المؤسسة العسكرية في تلك الانتخابات، والتداعيات الوخيمة التي نتجت عنه.
ولذلك، يمكن اعتبار الحرس الثوري المؤسسة العسكرية الوحيدة المستعدة للقيام بالانقلاب في إيران، وهي المؤسسة التي تلعب دور حكومة الظل في التطورات السياسية – الأمنية في إيران منذ فترة طويلة.
ويستند مجلس صيانة الدستور في عملية تأييد وإقصاء مرشحي الانتخابات بشكل أساسي إلى آراء الحرس الثوري؛ وللحرس اليد الطولى في إحضار، وتهديد، واعتقال الصحفيين، والنشطاء السياسيين، والمدنيين، ويعتبر الحرس كذلك اللاعب الرئيسي الذي يقف وراء الأحكام القضائية الصادرة من قبل محاكم الثورة؛ وتستخدم هذه المؤسسة أذرعها الدعائية، والإعلامية لعرقلة عمل الحكومات غير المنسجمة مع رؤيتها على غرار حكومة خاتمي، وحكومة روحاني، وحتى حكومة أحمدي نجاد في النصف الثاني من ولايته الرئاسية الثانية.

لن تتردد الشخصيات الأمنية المهيمنة على الحرس الثوري في مواجهة أي حركة تراها تهديداً لوضعها المثالي ومشاريعها وتطلعاتها السياسية والأيديولوجية، ويعتبر الولي الفقيه وحده الذي يتمتع بالقدرة على الاحتواء أو السيطرة على أو تنظيم خطوات الحرس عن طريق الارتباط الوثيق والتشابك بين مكانته وقدرته مع إمكانيات الحرس.

بالإضافة إلى كل ذلك، أتاحت القدرات التنظيمية، والبنية الهرمية للحرس الثوري إمكانيات تعتبر اليوم فريدة في إيران، هذه البنية التنظيمية المعتمدة على القدرة العسكرية والأمنية والاقتصادية تتيح اتخاذ خطوات سريعة وموسعة، ومتكاملة في حال حدوث أي محاولة تُقدّرُ بأنها ضدّ رأس هرم الحرس، وهو ما يطلق عليه مسمى “الانقلاب العسكري”.

» متى سيقوم الحرس الثوري بانقلاب عسكري؟
ليس من السهل تحديد الفترة الزمنية المحتملة لقيام الحرس الثوري بانقلاب؛ ولكن إحدى الحالات المحتملة هي فترة ما بعد موت خامنئي، حيث إن قيام الحرس الثوري بانقلاب على الحكومة أمر غير مستبعد، ففي حال اعتبرت القيادات الأمنية للحرس الثوري قرارات مجلس صيانة الدستور بأنها لا تتماشى مع تطلعاتها المرجوة، عندها سيسيطر الحرس الثوري على زمام الأمور بشكل مباشر ومستقل.
وخلال السنوات الأخيرة حاولت القيادات الأمنية الحاكمة على الحرس الثوري أن تتابع أهدافها، ومشاريعها من خلال المسارات شبه الديمقراطية، واستغلال العمليات الانتخابية، لكن في اليوم الذي يدرك فيه الحرس الثوري أن هذه الأداة فقدت أهميتها أو أنها قليلة المردود، فإنه سيستخدم قوته العسكرية – الأمنية، وستكون حينها التداعيات السلبية لهذا الموقف على إيران كبيرة؛ وهو ما حدث، بالاتفاق مع خامنئي، خلال الانتخابات الرئاسية في 2009.
وحتى لو لم يقم الحرس الثوري بخطوة عسكرية مباشرة من أجل السيطرة التامة على السلطة السياسية، يمكن لهذه المؤسسة أن تتابع وتحقق ما ترجوه بشكل غير مباشر عن طريق الضغط، والتهديد الجاد، وقد انتهج الحرس الثوري هذه السياسة مرات كثيرة خلال العقدين الماضيين، بدءاً بقمع الصحفيين، والنشطاء السياسيين، ومروراً بتهديد النواب غير المنسجمين مع رؤية البرلمان، والتدخل في الانتخابات، وحتى السلوكيات السياسية غير العقلانية، مثل الهجوم على السفارات.
إن هذا التقدير للموقف لا يعني القدرة الفائقة، واليد المطلقة للحرس في السياسة، وإدارة الدولة، ففضلاً عن وجود التيارات التي تعتمد البراغماتية، والواقعية، والتفكير في المصلحة، والوسطية داخل الحرس الثوري، والتي لها مواقف مختلفة أو معارضة للانقلاب أو أي خطوات مشابهة، فإن القوة التنظيمية للمجتمع المدني الإيراني في عصر الاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات تُعتبر عنصراً مقاوماً ومكوناً رئيسياً ومؤثراً في مواجهة سياسات الحرس الثوري، ناهيك عن مقتضيات السلطة في منطقة محفوفة بالمخاطر على غرار الشرق الأوسط، كما أنه لا يمكن تجاهل القيود التي يجب على أنظمة الحكم الالتزام بها في علاقاتها الدولية.
ولا مفرّ من الاعتماد على قوة المجتمع المدني، والقوى الاجتماعية الداعمة للديمقراطية بهدف مواجهة القوة العسكرية – الأمنية التي يتمتع بها الانقلابيون؛ وهذا ما أنقذ أردوغان في تركيا.

نقلا عن: إذاعة فردا

مرتضى كاظميان
كاتب و محلل سياسي