هل سيشكل اتفاق الحديدة خارطة طريق نحو تسوية سياسية شاملة للحرب في اليمن؟

بواسطةد.محمد بن صقر السلمي

انتهت مفاوضات السويد بين الحكومة الشرعية وميليشيات التمرُّد الحوثية إلى الاتِّفاق على خُطَط لتهدئة التصعيد في مدينتَي الحُديدة وتعز، وإعادة فتح مطار صنعاء والإفراج عن السجناء وتبادلهم، وكذلك إشراك الجانبين في المناقشات بإطار محدَّد ليكون بمثابة خارطة طريق للتشاور والتفاوض في المستقبل.


وأعلن الأمين العام للأمم المتَّحدة أنطونيو غوتيريش، الخميس الماضي في ختام المفوضات في مؤتمر صحافي في ريمبو على مشارف ستوكهولم: “توصلنا إلى اتِّفاق بشأن ميناء ومدينة الحُديدة. سنشهد إعادة نشر قوات محايدة في الميناء والمدينة، وتطبيق وقف لإطلاق النار على مستوى المحافظة… التي تُعَدّ نقطة الدخول الرئيسية لمعظم الواردات التجارية والمساعدات إلى اليمن”.
وكما أكَّدت بنود الاتِّفاق فإن الأمم المتَّحدة ستتولى دور مراقبة الميناء، وإعادة انتشار القوات، في حين ستشرف قوى محلية على النِّظام في المدينة.
وقد انخفضت المبادلات التجارية في ميناء الحُديدة إلى النصف خلال الأسبوعين الماضيين بسبب انعدام الأمن، إذ تمرّ عبر الميناء غالبية المساعدات الغذائية والموادّ التجارية التي تشكِّل شريان حياة لملايين السكان.
رغم غموض بعض البنود التي وردت في مسودة الاتِّفاق وأنها قد تكون سببًا في خلاف خلال الأيام القليلة القادمة، فيمكننا التفاؤل بأن هذا الاتِّفاق قد يشكِّل، في حالة أوفى به الحوثيون، الخطوة الأولى نحو الأمن والاستقرار في اليمن والعودة إلى حالة الدولة بعد اختطاف مليشيات الحوثي لها قبل نحو أربع سنوات.
هذا الاتِّفاق لم يكُن في الغالب رغبة من الميليشيات في حقن الدماء ووقف الحرب، بل بسبب تضييق الحكومة اليمنية الخناق عليهم سياسيًّا وعسكريًّا، مدعومة بالتحالف العربي في اليمن.
كذلك فالتوصُّل إلى الاتِّفاق لا يمكن فصله عن الضغوط التي تمارسها الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، والتي من مصلحة الاستقرار في اليمن أن تستمرّ، على النِّظام الإيرانيّ اقتصاديًّا وسياسيًّا وبدعم من حلفاء واشنطن في المنطقة، حتى إخلاء المنطقة من الميليشيات المدعومة من إيران.
ستبقى الأنظار مركزة على مدى التزام الحوثيين الاتِّفاق الجديد وعدم نقضه كسابقاته، أو استثماره لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الصفوف بعد هزائم متلاحقة على الأرض واستعادة مناطق استراتيجية كانت ميليشيات الحوثي تسيطر عليها وأيضًا الاقتراب من هزيمة عسكرية كبيرة في ميناء الحُديدة.
تظلّ المرحلة القادمة أهم بكثير مِمَّا أُنجِز، فالتزام الاتِّفاق، وتَجنُّب محاولة الالتفاف عليه بمبرِّرات مختلفة، هو التحدِّي الأصعب خلال الأسابيع القليلة القادمة، وذلك من أجل سلامة قوافل المساعدات الغذائية والطبية وإنقاذ الشعب اليمني من المجاعة التي يتعرض لها في المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات.
هذا الاتِّفاق حول الحُديدة ومواني الحُديدة والصليف ورأس عيسى، يضع الأطراف الفاعلة أمام مسؤوليات قادمة، فالأمم المتَّحدة والمجتمع الدولي عليهم مسؤولية كبيرة في إجبار الميليشيات على إلقاء السلاح والتحوُّل إلى مكون سياسي في الدولة اليمنية وَفْقًا لنسبتهم في المجتمع اليمني كأقلية داخل أقلية وبعيدًا عن الانتماءات العابرة للحدود وضمن السياق التاريخي والعروبي والثقافي اليمني.
من جانبها فالحكومة اليمنية عليها أيضًا مسؤولية كبيرة في لَمّ الشمل اليمني وإنقاذ اليمن من حالة الدولة الفاشلة لتكون المصلحة الوطنية هي بوصلة الجميع، لا المكاسب الحزبية أو القبَلِيَّة أو الطائفية أو المادية.
أما دول الخليج العربي -وإن كان من المبكِّر الحديث عن ذلك قبل عودة حكومة وطنية موحدة- فمن المهمّ البدء في رسم خطة شبيهة بخطة “مارشال” لإعادة تأهيل اليمن سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، مع بنية تحتية ضمن خطة إعمار شامل وبمساندة من مانحين دوليين، تتبعها خطوات إدماج اليمن ضمن مجلس التعاون الخليجي.
ربما يرى كثيرون أن الوقت لا يزال مبكرًا للحديث عن آليات هذا الاندماج، ولكن من الأهمِّيَّة بمكان تقديم مثل هذه الرسائل إلى المجتمع اليمني لخلق حالة من التفاؤل بمستقبل أفضل وليكون دافعًا أساسيًّا لتجاوز الخلافات الداخلية وبناء الثقة والتزام الاتِّفاق الحالي.
ختامًا، يمكن هذه المرة، وَفْقًا لبنود الاتِّفاق والواقع الميداني والإرادة الدولية، أن نقدِّم عددًا من السيناريوهات للمرحلة القادمة، أولها أن يكون هذا الاتِّفاق هو بالفعل العتبة نحو مصالحة سياسية شاملة، لكنها قد تكون شاقَّة، يدعم ذلك الإنهاك الشامل لكل أطراف النزاع اليمني، أو انفجار الوضع في أي لحظة حينما يتمكن الحوثيون من استغلال وقف إطلاق النار لتنظيم خطوط دفاعاتهم العسكرية واستمرار الدعم الخارجي من منافذ خارج الحُديدة برًّا وبحرًا، أو أن الإدارة الأممية للميناء لا تكون بتلك الكفاءة ويخترقها التمرد الحوثي لتمرير الأسلحة وتعزيز قوتهم العسكرية لمواصلة استنزاف قوات الشرعية.
مندوب الأمم المتَّحدة أشار إلى أن الأطراف اتفقت على مناقشة الإطار السياسي في الجولة المقبلة، في يناير المُقبل… دعونا حتى تلك اللحظة نتفاءل بسلام، ولو عابر، نحو يمن نطمح إلى أن يعود سعيدًا كما كان يومًا ما.

المصدر: عرب نيوز


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

د.محمد بن صقر السلمي
د.محمد بن صقر السلمي
رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية