أبعاد زيارة قاليباف للعراق وتأثيرها على مسارات قضية حصر السلاح بيد الدولة

https://rasanah-iiis.org/?p=39416

بينما يشهد ملف حصر السلاح بيد الدولة فصلًا تصعيديًا جديدًا بين الحكومة العراقية، والميليشيات الأكثر قربًا من إيران(*) التي ترفض الاستجابة لقرار تسليم أسلحتها، مع اقتراب الوقت المحدد في 30 سبتمبر 2026م، لإنهاء ملف السلاح المنفلت، أجرى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف زيارة للعراق دامت ثلاثة أيام، وسط محاولات تقريبية تجريها قيادات شيعية بارزة للوصول إلى تسوية مرضية لجميع الأطراف، وتمنع الانزلاق نحو السيناريو الكارثي، وذلك في أول اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على تحويل ملف حصر السلاح من مجرد التزام سياسي، إلى إجراءات ملموسة، تُعيد رسم خريطة السلاح، وشكل العلاقة بين مؤسسات الدولة والميليشيات.

تفاقم التصعيد بين الحكومة والميليشيات على خلفية الجولة الأخيرة من الاعتداءات الميليشياوية على دول الجوار الخليجي، كما ازداد التصعيد عقب الزيارة التي أجراها قائد فيلق القدس الإيراني للعراق، والتي كشفت تقارير أنها جاءت لدعم القرار الميليشياوي الرافض لتسليم السلاح للدولة، نتيجة مركزيته في الإستراتيجية الإقليمية لإيران، الأمر الذي يطرح عدة تساؤلات؛ أبرزها: كيف أثرت زيارة قاليباف على تفاعلات قضية السلاح المنفلت؟ وعلى مواقف أطراف الأزمة، في ظل تمسك الحكومة بإنهاء ازدواجية القوة والقرار؟ وما هي اتجاهات حصر السلاح بيد الدولة؟ في ظل مرحلة رمادية وضبابية تعيشها المنطقة جعلت دول الشرق الأوسط أمام اختبارات متعددة.

أولًا. زيارة قاليباف والبيئة المعاكسة للنفوذ الإيراني بالعراق

تأتي زيارة قاليباف بينما تتشكل بيئة معاكسة للنفوذ الإيراني في العراق داخليًا وخارجيًا. فعلى الصعيد الخارجي، هناك ضغوط أمريكية مكثفة لتحرير العراق من التأثير الإيراني، باعتبار العراق وجهة تالية بعد إزالة النفوذ الإيراني من سوريا، وإضعافه في لبنان. أما على الصعيد الداخلي، فهناك حكومة لم تكتفِ فقط بالتزامها بالنص في منهاجها الوزاري في البند (9): على “إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت خارج نطاق المؤسسات الرسمية للدولة”، وإنما ذهبت إلى أبعد من ذلك، باتخاذ خطوات إجرائية لتوحيد القرار والقوة بيد الدولة، بحيث يصبح القرار والسلاح عراقيين، ومنع استخدام الأراضي العراقية خارج الأطر الدستورية، كالتالي:

1. تحديد السقف الزمني لحصر السلاح بيد الدولة: تعهد رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، بالمضي في مهمة تنفيذ إجراءات مواجهة السلاح المنفلت حتى ولو كلفه ذلك حياته، وحدد 30 سبتمبر 2026م، موعدًا نهائيًا وحاسمًا لإنهاء المهمة، والأبرز التلويح بإمكانية تصنيف الأنشطة المسلحة خارج مؤسسات الدولة بعد مهلة الـ30 من سبتمبر، على أنها جرائم إرهابية، يعاقب عليها بموجب قانون مكافحة الإرهاب، بل ووجه بإعداد مشروع قانون لحصر السلاح، وفق الأطر الدستورية للدولة.

2. إعادة ترتيب مواقع القيادات الأمنية والعسكرية: أجرى الزيدي سلسلة تغييرات طالت أجهزة عسكرية وأمنية رئيسية، استبعد خلالها قيادات تابعة لأحزاب وقوى شيعية تتبع بعض قيادات الإطار التنسيقي، مقابل الدفع بشخصيات تُسهم في توحيد القرارين الأمني والعسكري بيد القائد العام للقوات المسلحة، لتسهيل مهمة حصر السلاح بيد الدولة. فقد كلف وزير الداخلية السابق، الفريق الأول الركن عبد الأمير الشمري، برئاسة وإعادة تفعيل مكتب القائد العام للقوات المسلحة، وأعفى أبو علي البصري من رئاسة جهاز الأمن الوطني، مقابل تكليف باسم البدري خلفًا له، وأعفى الفريق الأول الركن كريم التميمي من رئاسة جهاز مكافحة الإرهاب، مقابل تكليف الفريق الركن زيد حوشي، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية خلفًا له، وكلف الفريق الركن محمد قاسم الفهد بقيادة الشرطة الاتحادية، الأمر الذي أثار حفيظة بعض قيادات الإطار التنسيقي، الذين تخوفوا من اتجاه الزيدي نحو مواجهة مع الميليشيات.

3. الاعتقالات وتطويق معاقل الميليشيات: في أبرز مؤشرين على رغبة الحكومة في اختبار قدرتها على فرض قرارها، وقياس حجم التأثير على مستويات التصعيد مع الميليشيات، التي سبق وأن استهدفت شخصيات ومصالح مرتبطة بالدولة عندما شعرت بتهديد نفوذها، الأول؛ اعتقلت القوات الأمنية القيادي بالحشد الشعبي مدير استخبارات حركة النجباء عباس اليعقوبي، على خلفية معلومات تُفيد بالتجهيز لمخطط اغتيال شخصيات عراقية بارزة، وسلمته السلطات لأمن الحشد تحت ضغوط ميليشياوية، وتداول معلومات حول استعداد الميليشيات للعودة إلى سيناريو حصار المنطقة الخضراء، بعد أن اعتبرت بأن اعتقال اليعقوبي رسالة لانتقال المواجهة من البيانات إلى الاعتقالات. الثاني؛ التطويق الأمني لأخطر معقلين للميليشيات: جرف النداف-معقل النجباء، وجرف الصخر-معقل كتائب حزب الله العراقي؛ ولطالما كانت المدينتان معزولتين ومحرمتين على مسؤولي الدولة، بسبب السيطرة الميليشياوية عليها منذ طرد داعش. ودمرت مدينة جرف الصخر وأُفرغت بالكامل من سكانها، خلال الفترة التي سيطر فيها داعش على محافظات سنية قبل نحو 12 عامًا. وتشير التقارير إلى أن المدينة أغلقتها الميليشيات بعد طرد داعش، وتحولت إلى أخطر بؤر الميليشيات، وقاعدة عسكرية متقدمة للحرس الثوري، باحتوائها على مخازن أسلحة ومنشآت عسكرية ومصانع للصواريخ والمسيرات ومراكز تدريب تابعة لفيلق القدس الإيراني.

جدول رقم (1): الخصائص الجيوسياسية لجرف الصخر

المصدر: مركز الدراسات والبحوث، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، أغسطس 2026م.

ثانيًا. أبعاد زيارة قاليباف والملفات العالقة مع العراق

تحمل زيارة قاليباف للعراق رسائل ودلالات إستراتيجية، في ظل تعقيدات معضلة حصر السلاح بيد الدولة، منها:

1. الملف العراقي ضمن ترتيبات إنهاء الحرب: تهدف زيارة قاليباف إلى بثّ الرسائل بأن العراق مركزي في المفاوضات مع الولايات المتحدة، ضمن توجهات خامنئي الابن لإعادة تنشيط ما يسمى بمحور المقاومة، ودمجه ضمن أية ترتيبات لإنهاء الحرب، حيث لم يزُر قاليباف العراق بصفته رئيس البرلمان فقط، وإنما كرئيس الوفد الإيراني المفاوض مع واشنطن. وفي الداخل يُعنى قاليباف منذ بداية عهد خامنئي الابن بالملفات الشائكة التي تتقاطع فيها الأبعاد السياسة والعسكرية والأمنية، لا سيما أجندة الحرس الثوري، والأذرع الإقليمية، والقضايا المؤثرة في إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، مقارنة بمهمة عراقجي التي تقتصر على المسار الدبلوماسي الرسمي. وباعتبار العراق أحد الملفات العالقة مع الولايات المتحدة، فيعتبر قاليباف الشخصية الملائمة لهندسة الخلافات في الداخل العراقي بين الحكومة والميليشيات لإيقاف التصعيد، والحفاظ على النفوذ في العراق، خاصة أن زيارته للعراق تتقاطع مع ملفات الحرس الثوري والميليشيات وترتيبات المرحلة المقبلة.

2. هندسة إيرانية لإدارة السلاح وليس نزعه: قبل أن يلتقي الرئاسات الأربعة بالعراق،استهل قاليباف زيارته بتنظيم مؤتمر صحفي بمقر مقتل سليماني والمهندس، مصرحًا بأن: “المقاومة في العراق هي إحدى ركائز قوة هذه البلد”، في رسالة إيرانية بموقع المقاومة في الإستراتيجية الإيرانية، وبالتالي عملت الزيارة على الدفع نحو نقل الأزمة بين الحكومة والميليشيات من نزع السلاح إلى إدارته، وذلك لإعادة ترتيب الأوراق بعد فشل زيارة قاآني في تليين موقف الحكومة العراقية تجاه مهلة الـ30 من سبتمبر. ويرى بعض المتخصصين أن زيارة قاليباف تأتي ضمن محاولات إيرانية للبحث عن مخرج  للأزمة، وعبور المرحلة الحالية في ظل إدارة الرئيس ترامب دون الدخول في مواجهة جديدة بالعراق، عبر محاولة جديدة لتليين مواقف الحكومة تجاه السلاح المنفلت. وأشارت تقارير إلى أن قاليباف يحمل مقترحات إيرانية لتجنب مواجهة مباشرة بين الحكومة والميليشيات، من بينها تجميد السلاح الثقيل أو إخفائه، أو نقل جزء كبير منه إلى إيران بشكل مؤقت، إلى حين التوصل لتسوية بشأن مستقبله في العراق. فزيارة قاليباف ليست زيارة دبلوماسية عادية، وإنما تحمل رسالة واضحة، على تبعية وولاء الميليشيات لنظام ولاية الفقيه، وما تكريم قاليباف لعوائل قتلى الميليشيات، الذين سقطوا خلال رد السعودية على استهدافات الميليشيات لأراضيها، إلا تأييدًا واضحًا لهجوم الميليشيات المتكرر على الدول الخليجية.

3. السلاح مقابل مرور النفط العراقي من هرمز: مقابل ملف السلاح، كان ملف صادرات النفط العراقي من مضيق هرمز حاضرًا في النقاشات، حيث يطالب العراقيون السماح للنفط بالعبور من المضيق، باعتبار دولتهم من أكثر الدول تضررًا من إغلاقه، في ظل اعتماد صادراتها النفطية قبل اندلاع الحرب على هذا المضيق، فقد كشف وزير النفط العراقي باسم خضير، أن صادرات بلاده النفطية المقدرة بـ 3.5 ملايين برميل يوميًا تراجعت بنسبة 75% بسبب إغلاق مضيق هرمز. وكانت ترفض إيران المطالب العراقية بذريعة تعدد مطالب الاستثناءات المماثلة حال استثناء النفط العراقي. ولكن في حقيقة الأمر، يحمل الرفض هدفًا خفيًا يتمثل في الضغط على الحكومة العراقية للحد من توجهاتها في مواجهة الميليشيات، بدليل أنه بعد توالي المؤشرات على مضي الأطراف العراقية نحو إدارة السلاح، وليس نزعه بعد مغادرة قاليباف للعراق، ترددت الأنباء أن إيران منحت إذنًا خاصًا لعدد من ناقلات النفط العراقية بالعبور من هرمز. أيضًا كان ملف الأموال الإيرانية المجمدة لدى العراق من الملفات الحاضرة في النقاشات، وتقدر قيمتها بنحو 15 مليار دولار، ناتجة عن واردات الكهرباء والغاز الإيرانيين. وإيران في أمسّ الحاجة لتلك الأموال في ظل الاقتصاد المنهك بفعل الحرب والعقوبات، وستزداد وطأتها مع مساعي واشنطن بدء عملية العزل الاقتصادي ضد طهران.  

ثالثًا. إيران والميليشيات ومحاولة تفجير الساحة العراقية

في مواجهة جهود الحكومة العراقية لحصر السلاح وملاحقة الفاسدين، تبنّت الميليشيات اتجاهًا تصعيديًا ضد قرارات الدولة، وسعت لتفجير الساحة، لإفشال الجهود الحكومية، كالتالي:

1. التخطيط لاغتيال شخصيات قضائية وازنة: كشفت معلومات استخباراتية عن مخططات ميليشياوية لاغتيال الشخصية القضائية الأكبر في العراق، وهو رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، بواسطة مسيرات، وذلك على خلفية انضمامه لحملة الحكومة لحصر السلاح ومحاربة الفساد وملاحقة الفاسدين، وفتح ملفات ثقيلة ضد جهات وشخصيات ظلت لسنوات بعيدة عن المساءلة. وتخشى الميليشيات من الاستمرارية في مخطط ملاحقة الفاسدين حتى يطال رؤوسًا ميلشياوية كبيرة، أو استهداف منظومة المصالح من مكاتب وشركات تجارية ميليشياوية.  والأخطر من ذلك تشديده على تطبيق المادة (4) من قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2005م، على كل من يرفض تسليم السلاح بانتهاء مهلة الـ30 من سبتمبر، الأمر الذي أرّق قادة الميليشيات. فلأول مرة يتم الربط بين الميليشيات والإرهاب في الداخل العراقي، وبالتالي سعت الميليشيات لإيصال رسالة ردع لزيدان. وتشير التقارير إلى أن محاولة اغتيال زيدان جزء من مخطط اغتيالات أوسع، ضد شخصيات تسعى لحصر السلاح بيد الدولة بينها الزيدي نفسه، وهذه المحاولات ليست الأولى من نوعها، فقد سبق وأن سعت الميليشيات لاغتيال رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي.

2. استهداف مقرات رسمية في كردستان العراق: كشف رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، أن مسيرتين إيرانيتين استهدفتا مكتبه الخاص، ومقر إقامة رئيس وكالة “باراستن” للاستخبارات بالإقليم، وذلك في سابقة خطيرة تُنذر بملامح مرحلة تصعيدية إيرانية جديدة في المنطقة. وتُشير التقديرات -رغم نفي عراقجي- إلى أن الهجمات الإيرانية تأتي كرسالة ردع استباقية لحكومة الإقليم، بعد تصريحاتها الداعمة لحملة حصر السلاح، وتقويض مساعيها للقيام بأية أدوار محتملة من شأنها تعزيز علاقاتها بالولايات المتحدة، لا سيما في ظل الحديث عن إمكانية توسط مسرور بارزاني في المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، كما يريد الفريق الإيراني المتشدد الذي يسيطر على الحكم في عهد مجتبى، بثّ الرسائل لحكومة الإقليم بأن الضغط سيطالكم مباشرة حالة العمل مع واشنطن ضد إيران خلال المرحلة المقبلة، لا سيما في ظل توقع فشل المفاوضات، وتقدير صناع القرار الإيرانيين بأن الجولة الجديدة من الحرب لن تكون قصفًا متبادلًا كما في الجولات السابقة، وإنما قد تلجأ الولايات المتحدة إلى تحريك الأكراد في الداخل والخارج. وبالتالي فالهجمات رسالة للأكراد بأن الاستهدافات ستكون بمراحل تصعيدية متطورة. وهذا تصعيد نوعي خطير في الإستراتيجية الإيرانية، يبث الرسائل بأن استهداف مراكز صنع القرار وكبار القيادات والمسؤولين، ربما يكون ورقة إيرانية جديدة في مرحلة ما بعد انتهاء مهلة الـ 60 يومًا، وهذه سياسة تصعيدية خطيرة محتملة ستنهي سياسة الدول في الوقوف على الحياد والنأي بالنفس.

3. التهديد باستخدام القوة المسلحة ضد الدولة: تحولت لغة الميليشيات الى التهديد باستخدام القوة المسلحة ضد الدولة، بعد زيارة قاآني لبغداد، ولقائه بقيادات في الإطار والحشد والميليشيات، وإبلاغه الميليشيات بأن الموقف الإيراني يتمحور حول رفض تسليم السلاح للدولة في الوقت الراهن، في ظل تقديرات باحتمال اندلاع جولة جديدة من الحرب في المنطقة، وهو دليل جديد على انتهاك سيادة العراق والتدخل في القرارات السيادية العراقية. فبعد زيارة قاآني، صعدت النجباء والكتائب وسيد الشهداء ضد القائد العام للقوات المسلحة العراقية-التي تخضع بعض ألويتها المنضوية تحت لواء الحشد لسلطته مباشرة-لكن جاء التصعيد الأخطر من كتائب حزب الله العراقي ضد الحكومة على لسان مسؤولها الأمني، أبو مجاهد العساف، حيث هدد العساف باستخدام القوة المسلحة حال مضي الزيدي في خطته لحصر السلاح، وأن التعامل مع  الحكومة سيكون وفقًا لمبدأ: “العين بالعين”، وطرح شروطًا جديدة لتسليم السلاح للدولة:

  • الخروج الكامل والحقيقي للقوات الأمريكية من الأراضي والأجواء العراقية وضمان عدم عودتها، إلى جانب ما وصفه بتحرير القرار السياسي والاقتصادي العراقي من الهيمنة الأمريكية.
  • انسحاب القوات التركية من شمال العراق.
  • حل قوات البيشمركة (رغم أنها قوات رسمية دستورية).

تكشف الشروط التعجيزية للكتائب، أن ملف السلاح بيد الدولة مرتبط لدى الميليشيات بإعادة تعريف العلاقة بين بغداد وواشنطن وأنقرة، وتعكس أن الميليشيات قد تذهب إلى أبعد من سيناريوهات المواجهة، وأنها لا تتعامل مع حصر السلاح باعتباره قرارًا سياديًا أمنيًا داخليًا، وإنما تربطه بملفات إقليمية، ما يجعل التوصل إلى تفاهم مع الحكومة قبل نهاية مهلة الـ30 من سبتمبر، بات أكثر تعقيدًا.

رابعًا. مآلات واتجاهات قضية حصر السلاح بيد الدولة

على ضوء المعطيات السابقة، تنتظر جهود الحكومة لحصر السلاح، ثلاثة سيناريوهات جوهرية بانتهاء مهلة الـ30 يومًا أمام الميليشيات:

السيناريو الأول، حسم ملف السلاح المنفلت: بمعنى أن تتكلل جهود الحكومة بالقدرة على حصر السلاح، إما من خلال صفقة مع الإطار التنسيقي، تحتوي على تقديم ضمانات لقادة الميليشيات بعدم الملاحقات، أو بمنحهم مزايا ومناصب حكومية..الخ، أو من خلال الاستثمار في الفرص الداخلية والخارجية المتاحة بالعمل العسكري المحدود لنزع السلاح، لكنه خيار محفوف بالمخاطر، حيث إن الاشتباك مع المقاتلين المدربين على حرب الشوارع والمدن، سيؤدي إلى الدخول في السيناريو الكارثي. ومن بين الفرص الداعمة للسيناريو: 

  1. الدعم الشعبي الكبير لحملة الزيدي ضد السلاح والفساد، من مختلف الأطياف الأثنية والمذهبية في المحافظات الشيعية والسنية والكردية.
  2. التأييد السياسي الواسع لجهود الحكومة، من مختلف القوى الشيعية المؤثرة في المعادلة، وفي مقدمتها التيار الوطني الشيعي بقيادة مقتدى الصدر، والقوى السنية مثل تحالفي تقدم والسيادة، والقوى الكردية مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
  3. مطالب المرجعية النجفية المتكررة لتحكيم سلطة القانون وحصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد على جميع المستويات، وتكررت تلك المطالب النجفية لتبلغ نحو 15 مطلبًا منذ 2003-2025م.
  4. معضلة النظام الإيراني الراعي للميليشيات، بفعل استمرارية التوترات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتفكك ما يسمى بمحور المقاومة، بخروج الجغرافيا السورية من المشروع الإيراني، الأمر الذي غيّر الواقع على الحدود الشمالية للعراق.
  5. الضغوط والتهديدات الأمريكية والإسرائيلية المكثفة لإزالة التهديد الإيراني الميليشياوي من العراق، ضمن إستراتيجية أمريكية-إسرائيلية أوسع، لتحجيم دور إيران وإلزامها بمعادلة ردع إقليمية جديدة.

السيناريو الثاني، استمرارية السلاح المنفلت: بمعنى أن تخفق جهود الزيدي في مهمة حصر السلاح بيد الدولة، نتيجة تعقيدات المشهد العراقي وتوازناته، ويتم ذلك عبر طرق التفافية على مهلة الـ30 من سبتمبر، وفيما يلي أبرز شواهد تحقيق السيناريو:

  1. التحفظات المتصاعدة من قوى الإطار التنسيقي على الضمانات والتوقيت وطريقة تنفيذ خطة الحكومة لحصر السلاح، حيث دعا رئيس تحالف دولة القانون نوري المالكي، إلى تأجيل ملف حسم السلاح إلى ما بعد الانسحاب الأمريكي، كما أعلنت منظمة بدر بقيادة هادي العامري، رفضها القاطع لأي توجه لاستخدام القوة، لإجبار الميليشيات على تسليم سلاحها. ويتشكل داخل الإطار التنسيقي توجه يفضل التمديد والتدرج والتسوية بدلًا من الإجراءات القسرية محفوفة المخاطر.
  2. ارتباط الميليشيات بالتحالفات السياسية داخل البرلمان ومؤسسات الدولة ضمن المنطق الميليشياوي السائد بالعراق، فالميليشيات ليست مجرد تشكيلات عسكرية منفصلة عن النظام السياسي، وإنما هي أحد مرتكزاته، وتمتلك التحالفات المؤيدة للميليشيات نحو 80 مقعدًا في البرلمان، إلى جانب نفوذ أمني واقتصادي واجتماعي واسع. وبالتالي، فالمضي في نزع السلاح بالقوة سيتحول من ملف أمني إلى أزمة داخل البيت السياسي الذي تستند إليه الحكومة ذاتها.
  3. قدرة الميليشيات ذاتها على خلط الأوراق وتفجير الساحة، بسبب الأعداد الكبيرة للمقاتلين، وقدراتها التسليحية من الصواريخ الباليستية والمسيرات الانتحارية، والانتشار الواسع في مناطق السلع الإستراتيجية والمعابر الحدودية، والعلاقة الوثيقة بالحشد الشعبي الذي سينحاز إليها بالطبع في أية معركة داخلية محتملة.
  4. القرب الجغرافي للراعي الإيراني من العراق مقارنة بلبنان واليمن، بما يتيح لإيران سرعة وسهولة تقديم المدد المالي والعسكري والتسليحي للميليشيات، وسهولة وسرعة دخول المقاتلين وخروجهم من وإلى إيران، بما يضمن الحفاظ على النفوذ في العراق.
  5. البعد الإقليمي لتسوية ملف الميليشيات بالعراق، حيث يرتبط ملف سلاح الميليشيات بالعراق بملف سلاح حزب الله في لبنان، وبالواقع الجديد على الحدود الشمالية للعراق، حيث تدرك إيران أن تقديم تنازلات في ملف سلاح الميليشيات بالعراق بالطبع سيتبعه تقديم تنازلات في ملف سلاح حزب الله في لبنان والعكس.
  6. انتقال القوى الكبرى من مرحلة القدرة على حسم الصراعات مع القوى الأقل قوة إلى مرحلة إدارة الصراعات، نتيجة تداخلها وتشابكها واتساعها إلى العديد من الدول في المنطقة، وبروز تأثير الجغرافيا السياسية والتحول في البيئة الإستراتيجية.

السيناريو الثالث، الحلول الرمادية وتمديد المهلة (إدارة السلاح): وهو السيناريو المرجّح، ويُقصد به أن تركن الأطراف العراقية إلى الاستيعاب التدريجي كمخرج يحفظ للحكومة احتكار استخدام القوة، من دون دفع الميليشيات إلى مواجهة مباشرة معها، وذلك عبر فتح قنوات التفاهم والحوار المفضية إلى تسويات مقبولة، تجنب العراق مخاطر الانزلاق إلى السيناريو الكارثي. ويدعم هذا السيناريو ترنح مهلة الـ30 من سبتمبر بعد زيارة قاليباف، والتي أعقبها قيادة العامري وعمار الحكيم والسوداني لتفاهمات بين الحكومة والميليشيات، وتغيرت لغة خطاب الرئاسات الثلاث إلى لغة دبلوماسية مرنة. فقد صرح الرئيس نزار أميدي في 22 أغسطس 2026م، بأن الميليشيات حاربت داعش وبذلت دماءها، ويطلب منها تسليم السلاح والاندماج مع القوات الأمنية، وأظهرت الحكومة شيئًا من التراجع عن لغة القوة وعن الموعد النهائي لحصر السلاح، بنفي الزيدي وجود أية نوايا لمواجهة الميليشيات عسكريًا، وتأكيد رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، بأن حصر السلاح بيد الدولة سيبدأ بعد نهاية سبتمبر المقبل، ولا صدام مع الميليشيات. أما المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي، فقد أكد أن 30 سبتمبر، هو موعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وليس آخر مهلة للميليشيات لحصر السلاح. ما يعني الإقدام واقعيًا على: تمديد المهلة للوصول إلى تسوية سياسية مرضية لجميع الأطراف، ومن بين الأفكار المطروحة من قبل مختلف الأطراف، بما فيها الميليشياوية:

  1. تسليم السلاح كوديعة لدى الحشد الشعبي أو لدى الدولة، كما فعلت العصائب وسرايا السلام، أو إخفائه عن أعين الدولة والمجتمع.
  2. سحب السلاح الثقيل وإيداعه في مخازن خاصة، مقابل بقاء السلاح المتوسط والخفيف بحوزة الميليشيات.
  3. الاقتصار على تسليم السلاح التقليدي: سلاح المدفعية والدبابات والأسلحة الصغيرة، للدولة، مقابل الاحتفاظ بالمسيرات والصواريخ الإيرانية (نقطة قوة الميليشيات وتدعمها إيران).
  4. توسيع مشاركة الفصائل في العملية السياسية، وإدماج بعض من العناصر الميليشياوية ضمن الأطر الرسمية أو تنظيم وضعها القانوني، مقابل التخلي التدريجي عن الخيار العسكري، وإنهاء أي قرار مستقل باستخدام السلاح خارج مؤسسات الدولة.
  5. اعتماد فاصل زمني بين موعد انسحاب القوات الأمريكية، وموعد البدء بإجراءات حصر أو إدارة السلاح؛ لمنح فرصة للتفاهم والضمانات المتبادلة بين الأطراف.
  6. اتباع طرق تفكيكية تدريجية، عبر الحصار واستهداف خطوط الأمداد وتقييد التحويلات وإحكام السيطرة على المنافذ والمعابر الحدودية، وفتح أبواب مؤسسات الدولة لاستيعاب المقاتلين، ودمجهم في تشكيلات وزارة الدفاع وأجهزة الشرطة والدوائر الحكومية المدنية أو إحالة بعضهم للتقاعد؛ مما يؤدي بالتالي إلى تآكل تدريجي في القدرات البشرية للميليشيات.

الخاتمة:

تُشير المعطيات السابقة، وبخاصة بعد زيارة قاليباف، إلى أن المسار الأقرب أمام مختلف الأطراف العراقية خلال المرحلة المقبلة، يتمثل في الذهاب إلى التهدئة لا التصعيد، والانتقال من صيغة “نزع السلاح” إلى “إدارة السلاح”، ضمن مسار تدريجي طويل الأمد لإعادة تنظيم الميليشيات لا حلها. وذلك عبر الاحتواء والإبقاء على هامش تفاهمات يجنب العراق الاقتتال، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، بالقدر الذي يسمح للحكومة بتحقيق تقدم في ملف حصر السلاح في ظل الضغوط الأمريكية، تجنبًا لدفع الزيدي نحو تقديم استقالته. فقد تدفع استمرارية الضغوط الداخلية والخارجية، نحو مزيد من الإجراءات التدريجية لتقييد حركة الميليشيات وضبط مصادر تمويلها وتثبيت مبدأ خضوع استخدام السلاح لقرار القائد العام للقوات المسلحة، لا سيما في ظل تحول قضية السلاح في العراق إلى قضية خارجية بين الولايات المتحدة وإيران، بحيث تريد طهران تثبيت معادلة السلاح في العراق، وتريد واشنطن تحقيق نصر في قضية إنهاء الأذرع الإيرانية الإقليمية قبل إتمام أية صفقات مع إيران، وإدراك الميليشيات لحجم تكلفة عدم الاستجابة للضغوط الأمريكية، والتي ربما تصل إلى استخدام القوة المسلحة ضد تمركزاتها. كما تُشير المعطيات أيضًا، إلى أن إيران تدفع بالالتفاف على جهود الحكومة العراقية لتعطيل مهمة حصر السلاح، لحين إيجاد مخرج يناسب إيران للاحتفاظ بالساحة العراقية كورقة ضغط إستراتيجية إقليمية، حيث إن مسألة تسليم السلاح في العراق، تتعارض مع توجهات الإدارة العسكرية الإيرانية الجديدة في عهد خامنئي الابن، التي تريد إعادة تنشيط ما يسمى بمحور المقاومة الإيرانية.


*  كتائب حزب الله العراقي، حركة النجباء، كتائب سيد الشهاء.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير