المشهد العراقي بعد الانسحاب العسكري الأمريكي

https://rasanah-iiis.org/?p=39553

يُعدُّ الثلاثون من سبتمبر عام 2026، علامةً فارقةً وفاصلةً بين مرحلتين في تاريخ العراق المعاصر، حيث يمرُّ العراق بتطورٍ أمني كبير يُتوقع أن يلقي بتبعاته على قضاياه وقراراته الداخلية والخارجية. أنهت الولايات المتحدة مهمتها العسكرية «العزم الصلب»، بانسحاب قرابة 2500 جندي أمريكي من إقليم كردستان العراق، كما أنهت العمل في قاعدة أربيل الجوية، بعد مرور نحو 23 عامًا على وصول قواتها للعراق، وذلك التزامًا بتنفيذ بنود الاتفاق الأمني الأمريكي- العراقي الموقع في سبتمبر 2024. وضع هذا التطور، الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي أمام عدة اختباراتٍ مصيريةٍ تتعلق بمستقبل العراق بعد الانسحاب الأمريكي، وفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلةٍ جديدةٍ يعتمد فيها العراق بشكلٍ كاملٍ على قواته وقدراته الأمنية، وسط تحدياتٍ تتعلق بإعادة تعريف سيادة الدولة واستقرارها الداخلي ومستقبل السلاح المنفلت والقرار الأمني والجيوب الإرهابية والعلاقات الخارجية.

 يترك الانسحاب الأمريكي حكومة علي الزيدي في ظل مرحلة السيولة الإستراتيجية الإقليمية أمام أقوى اختبارٍ لقدرتها على استعادة السيادة الكاملة على الأراضي العراقية، وعلى منع الهجمات الميليشياوية على الدول العربية، وقدرتها على حصر السلاح بيد الدولة في ظل توقيتٍ دقيقٍ يمر به العراق خشية تحول ملف السلاح المنفلت إلى مواجهاتٍ داخليةٍ منهكة، خصوصًا أنَّ الميليشيات لا يقتصر تأثيرها على الجانب العسكري فحسب، وإنما تمتلك حضورًا سياسيًا وبرلمانيًا وازنًا ونشطًا في العملية السياسية ومؤسسات الدولة. لذلك، فإنَّ قضية حصر السلاح بيد الدولة لا تبدو أمنيةً فقط، وإنما عملية إعادة ترتيبٍ للعلاقة بين الميليشيات والدولة. وتتحول، وفقًا لذلك، قدرة الحكومة على فرض السيادة والعلم الواحد، وتوحيد قراراتها العسكرية والأمنية والسيادية لكونها المعيار الأكثر وضوحًا لنجاح المرحلة المقبلة، لا سيما في ظل رفض الميليشيات الأكثر قربًا من إيران مثل كتائب «حزب الله» العراقي و«النجباء» تسليم السلاح للدولة، وتأديتها دورًا وظيفيًا لصالح إيران، بانخراطها ضمن معركتها مع الولايات المتحدة، باستهداف الدول العربية.

يكشف الرفض الميليشياوي تسليم السلاح للدولة بعد تحقيق شرط خروج القوات الأجنبية من العراق، تمسكها بأجندة الحرس الثوري الذي يتحكم في القرارات الإيرانية خلال المرحلة الراهنة، والذي يغالط بأنَّ خروج القوات الأمريكية من العراق انتصار للإستراتيجية الإيرانية الإقليمية، رغم كونه خروج مجدول بموجب اتفاقٍ أمريكي- عراقي موقع منذ عام 2024.  ويربط الحرس الثوري بين الملفين العراقي واللبناني تجاه مطالب تسليم السلاح للدولة، ويعتبر تقديم تنازلاتٍ في الملف العراقي بدايةً لتقديم تنازلاتٍ في سلاح «حزب الله» اللبناني، وخطوة متقدمة لإنهيار النفوذ الإيراني بالعراق في ظل تغير الواقع الجديد على الحدود الشمالية للعراق، بسيطرة نظامٍ معادٍ للأجندة الإيرانية على مقاليد الحكم في سوريا.

 يتعارض الرفض الميليشياوي المستمر بتسليم السلاح للدولة بعد الانسحاب الأمريكي مع فرض السيادة الكاملة، ويرسى حالةً من «الفراغ الاستراتيجي» ما لم تكن الحكومة العراقية مستعدةً للقيام بأدوارها الكاملة لتوحيد القرار الأمني، ويحول العراق إلى ساحةٍ جديدةٍ لتصفية الحسابات بين الولايات المتحدة وإيران، ويجبر الولايات المتحدة على العودة لاستهداف العراق. وتزداد فرص فرض العقوبات والضغوط الأمريكية على بغداد بورقة عائدات النفط والاستثناء من العقوبات على إيران، ما من شأنه مفاقمة حدة الأزمات الخدمية والاقتصادية والأمنية التي تعاني منها الدولة بالأساس، ما قد يؤدي بالنهاية إلى تنامي معدلات الاحتقان الشعبي المفضي إلى فوضى عارمة لا تحمد عقباها بالعراق.

ترى إيران في الانسحاب الأمريكي إزالة لأبرز العوامل المؤثرة على طموحها في الاستفراد بالساحة العراقية، وترسيخ قبضتها في ظل مرحلةٍ إقليميةٍ شديدة الاضطراب والضبابية، وقد تستغل إيران الفراغ الناجم عن الانسحاب في تمديد نفوذها، ما من شأنه انهيار التوازن لصالح دولة الميليشيات، وإرساء مرحلةٍ جديدةٍ في العراق عنوانها «تعزيز الهيمنة الإيرانية المنفردة على العراق»، ومد نطاق العسكرة في بقية المناطق الإستراتيجية، في تكرارٍ لنموذج السيطرة الميليشياوية على المدن والمحافظات السنية المحررة من تنظيم داعش، ومزيدٍ من تفشي الفساد الذي تواجهه الحكومة بحملاتٍ مستمرة، لأنَّ تنفيذ الإستراتيجية الإيرانية يعتمد على شخصياتٍ مواليةٍ لتحقيق أهدافها الجيوسياسية، وبخاصةٍ في ظل الاضطرابات الإقليمية شديدة التعقيد الناجمة عن الصراع الأمريكي- الإيراني، وبالتالي مزيدٍ من تعقيد المشهد أمام الحكومة، بمحاولة ضبط البوصلة على إيران، بعدما أمضى العراق بقيادة علي الزيدي خطواتٍ نحو التغيير.

 تُعدُّ قدرة المؤسسات الأمنية على فرض الأمن بعد الانسحاب الأمريكي لفرض السيطرة والأمن دون مساعدةٍ خارجيةٍ، من أبرز الاختبارات القائمة أمام الحكومة العراقية، حيث يخشى العديد من المراقبين إعادة تكرار سيناريو 2014، عندما فرض تنظيم داعش الإرهابي «السيطرة المكانية» على ثلث مساحة الأراضي العراقية تقريبًا، في المرحلة اللاحقة على الانسحاب الأمريكي غير المحسوب من العراق عام 2011. شهدت تلك المرحلة  فوضى أمنية عارمة آلت في النهاية إلى سيطرة التنظيم الإرهابي. وخلال المرحلة الراهنة يشهد العراق أزماتٍ معقدةٍ بفعل الانخراط الميليشياوي في الفوضى الإقليمية، ووجود بيئةٍ أمنيةٍ هشة ومناطق فراغٍ أمني متعددة. يُضاف إلى ذلك وجود خلايا نائمة في بعض مدنه والمدن السورية القريبة من الحدود العراقية، وبخاصة التي تضم مخيمي «الهول» و«روج» اللذان يأويان سكان تجمعهم روابط عائلية بعناصر داعش، وفرص تجنيدهم عالية، خصوصًا مساعي داعش المستمرة ضمن برنامج «أشبال الخلافة» لتجنيد الأطفال في المخيمين للقيام بعملياتٍ إرهابية في العراق وسوريا.

يرى البعض أنَّ الخروج الأمريكي يعزز السيادة لكنه عندما يكون بشكلٍ غير مدروس في ظل بيئةٍ داخلية وخارجية غير مواتية، يُعتبر خطأً إستراتيجيًا، وينذر بعودة سيناريو تسليم العراق لإيران مثلما حدث عام 2003، وبالتالي عودة دورة العنف والفوضى في المنطقة. ويتعين على الولايات المتحدة سرعة معالجة هذه القضية قبل فوات الأوان، ودعم الحكومة العراقية بقوةٍ لتمكينها من القيام بأدوارها. ويردد بعض المختصين أنَّ العراق يُحظى بحواضن فكرية تعزز مشاعر السخط الاجتماعي، بفعل الهيمنة الشيعية على العراق، وربما تعيد تكرار سيناريو الصراعات الطائفية والعِرقية، التي شهدها العراق خلال المراحل الأولى من الغزو الأمريكي للعراق، وذلك بالنظر إلى تنامي حالات السخط في الأوساط السنية والكردية، وحتى الشيعية الشبابية التي ترفض الأيديولوجيا و«العمائم المؤدلجة» في إدارة المصالح العليا للدولة، وكذلك تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين التي ساءت نتيجة إيلاء الأولوية للأجندة الإيرانية على حساب المصالح العراقية والهوية الوطنية الجامعة لبناء العراق الجديد المستند إلى مقدراته وخيراته وكوادره الوطنية وعواملة الحضارية.

  تُعدُّ قدرة الزيدي على إرساء التوازن في العلاقات الخارجية خلال المرحلة المقبلة أحد أقوى الاختبارات المهمة أمامه، حيث يشكل العراق قاعدة الانطلاق الأولى لإيران في مشروعها الجيوسياسي، ويُتوقع أن تسعى إيران من خلاله، في ظل الظروف الإقليمية المعقدة غير المواتية لها في المرحلة المقبلة، إلى تعزيز قوة الميليشيات في العراق، وتزويدها بمزيدٍ من الصواريخ والمسيرات لتفعيلها، للمساهمة في الدفاع عن النظام الإيراني في مشروعه الجيوسياسي، والدفع نحو مزيدٍ من الانخراط في الصراعات الإقليمية لصالح إيران، لا سيما في ظل تجمع غيوم الحرب من جديد بالتحشيد العسكري الأمريكي في المنطقة، ربما لضرب إيران وأذرعها الإقليمية بعد الانتخابات النصفية الأمريكية.

بعد ضعف «حزب الله» اللبناني، والضربات القوية التي يتعرض لها الحوثيون في اليمن، لم يتبقَ للحرس الثوري سوى التفكير في تعزيز قوة الميليشيات في العراق خلال المرحلة المقبلة، وهي نقطةٌ مهمةٌ يجب التنبه لها، خصوصًا أنَّه في هذه الحالة، ربما يخسر العراق القدرة على تحقيق التوازن في علاقاته الخارجية، والتأثير سلبًا على مستقبل الشراكة العراقية العربية والخليجية الإستراتيجية بشكلٍ أساسي، لاستكمال مشروعات الربط الكهربائي الخليجي العراقي، والمضي في المشروعات التنموية العابرة للحدود مع دول الخليج، واستمرارية الطفرة التي تشهدها العلاقات التجارية والاستثمارية الخليجية- العراقية.

وختامًا؛ يمكن القول بأنَّ العراق يقف مؤخرًا على أعتاب مرحلةٍ مفصليةٍ من تاريخه تفرض عليه إعادة تعريف مفهوم الدولة، وعلاقاتها ودوائرها الخارجية، وإعادة النظر في مصفوفة الأولويات، بتقديم السياسي التنموي على العسكري الميليشياوي، والوطني على المؤدلج، والداخل على الخارج الإيراني، حسب مصفوفة المصالح الوطنية العليا للعراق. بينما فقدان القدرة على ضبط المشهد خلال مرحلة السيولة الإستراتيجية التي تمر بها المنطقة، سيزيد من قوة دولة الميليشيات على القرار العراقي، ويزيد من فرص تحول العراق إلى ساحةٍ جديدةٍ لتصفية الحسابات، ومزيدٍ من ضعف مؤسسات الدولة في السيطرة على زمام الأمور في دولةٍ عربيةٍ جارةٍ مهمةٍ ومؤثرة مثل العراق، ومفاقمة معدلات العنف والفوضى في الشرق الأوسط.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد

د. عبدالرؤوف مصطفى الغنيمي
د. عبدالرؤوف مصطفى الغنيمي
باحث سياسي بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية