حزمة التحفيز المالي الجديدة تطرح أسئلةً حول قوة اقتصاد إيران

https://rasanah-iiis.org/?p=23094

أثارت حزمة التحفيز الجديدة لحماية الفئات الضعيفة في إيران في ظلِّ تفشّي جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) تساؤلاتٍ حول جدواها، إذ تَعِد بتقديم إعاناتٍ وقروض فيما تُخفي حكومة إيران معلوماتٍ مهمة عن كيفية تمويلها لهذه الحزمة.

وتواجهُ إيران عجزًا كبيرًا في الميزانية في ظلِّ التضاؤل السريع لعائدات النفط وصادراته بسبب العقوبات الأمريكية؛ ووفقًا لما أوردتهُ «منظمة التخطيط والميزانية الإيرانية» فإن البلاد لم تُحقّق سوى أقل من 6% من عائدات النفط المتوقعة هذا العام، وخلال هذا الربيع تقلَّص اقتصاد إيران بنسبة 3% جزئيًا؛ بسبب التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الجائحة، وقد فرضت إيران مؤخرًا حظر تجولٍ آخر لمدة أسبوعين، ولذا فإن الحكومة الإيرانية تحاول إيجادَ سبلٍ لتمويل حزمة التحفيز الجديدة.

ويُصرُّ البرلمان الإيراني على أن الحكومة غامضة بشأن كيفية تمويلها للحزمة، ومعظم الخبراء في إيران يعتقدون أن الحكومة تدير الميزانية من خلال تعريض نفسها لمخاطر أكبر، ويُتيح مشروع قانون ميزانية إيران للحكومة مواجهةَ مخاطرَ كبيرة، إذ يمكّنها من بيع سندات الدولة لشركات القطاع الخاص، وقد أصدر مجلس التنسيق الاقتصادي (وهو هيئة أنشئت لمواجهة أحدث التحديات الاقتصادية في إيران) سندات حكومية لتمويل حزمات التحفيز السابقة التي تبلغ قيمتها 62000 مليار تومان.

وقد اشترت صناديق الاستثمار سندات حكومية معروضة في المزاد العلني من أجل توفير «التدفقات النقدية الداخلة» التي تشتدُّ الحاجة إليها، وحدّدت الحكومة ثلاثةً من تلك الصناديق لهذا الغرض، وقد قدّمت هذه الصناديق حتى الآن 117000 مليار تومان لمساعدة الشعب الإيراني أثناء تفشي الوباء، وتصرُّ حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني على أن لهذه الصناديق دورٌ  أساسي في تنفيذ حزمة التحفيز الأخيرة، ممّا يُشير إلى أنّ الحكومة الإيرانية تسعى إلى بيع المزيد من السندات التي تملكها الدولة لتمويل الحزمة الجديدة، ولكنها تواجهُ هذه المرَّة تحدياتٍ في بيع السندات.

وحتّى تمّول حزمةَ التحفيز الجديدة يتعين على الحكومة الإيرانية تحريكُ بعض الأموال، فعلى سبيل المثال 62% ممّن حصلوا على معونات البطالة عادوا إلى العمل، ممّا يوفِّر أموالًا مهمّة لتمويل حزمة التحفيز، كما أنّ الحكومة تُشجّع المستثمرين على ضخِّ الأموال إلى سوق الأسهم.

وقد حُذّرت الحكومة الإيرانية من تزعزُع استقرار ميزانيتها إذا ما استمرَّت في تقديم حُزم التحفيز، وجنت إيران هذا العام 32000 مليار تومان في الأشهر الستة الأولى من 2020م من خلال نقل الأصول الحكومية إلى عددٍ من الصناديق الاستثمارية والمصارف والجهات الحكومية الدائنة، وجنت العام الماضي 6000 مليار تومان، ثم رفض مجلس صيانة الدستور -الذي يشرف على سياسات الحكومة- زيادةً مقترحة في الدعم الحكومي للسِّلع الأساسية؛ بسبب احتمال تسبُّبها في زعزعة استقرار الميزانية، وجاءت هذه الخطوة بعد فشل البرلمان الإيراني في إقناع الحكومة الإيرانية بصرف إعاناتٍ لـ 60 مليون إيراني، وقد ناقش البرلمان في وقتٍ سابق إصدارَ كوبونات لتوزيع الأغذية والسلع، وستكون هناك حاجةٌ إلى حوالي 30000 مليار تومان لتمويل مقترحات البرلمان.

وستوفر حزمة التحفيز الجديدة مليون تومان في شكل قروض إلى 10 ملايين شخص مؤهل للحصول عليها، مع إمكانية سداد القرض في غضون 30 شهرًا، ومن المقرر تقديم 100 ألف تومان أخرى في شكل مساعدة مالية لـ 30 مليون شخص، وستودعُ الأموال في الحسابات المصرفية المؤهلة، ولن تأخذ الحكومة الإيرانية أي فوائدٍ عليها، بل ستدفع الفوائد على القروض للمصارف.

ويُقدّر -عندما تُصرف أموال حزمة التحفيز – أنَّ ما يقرُب من ثلث سكان إيران سوف يحصلون على مساعدةٍ مالية، وستذهب الأموال إلى ذوي الإيرادات الثابتة فقط، بمن فيهم موظفي الشركات والحكومة، ولم تقدّم الحكومة الإيرانية أي تفاصيل أخرى عن المستفيدين الآخرين من حزمة التحفيز.

وكان عدم الشفافية في هذا الصدد محلَ انتقاد، إذ يقول المنتقدون إن أصحاب الأعمال بحاجة إلى معرفة ما إذا كانوا مؤهلين للتَّقدم بطلب للحصول على المعونة المالية، بالنَّظر إلى أنهم يواجهون تقلبات في الأرباح، ومن غير الواضح أيضًا ما إذا كان عمّال المصانع، الذين خسروا وظائفهم مؤخرًا بسبب التداعيات الاقتصادية الناجمة عن فيروس كورونا وإجراءات حظر التجول، مؤهلون للتَّقدم بطلب للحصول على المعونة المالية، بمن فيهم العمال المسرّحين مؤقتًا لمدة أسبوعين خلال فترة محاولة السيطرة على تفشّي الوباء .

وفي نفس الوقت يبدو أنَّ الرئيس الإيراني حسن روحاني قد أدلى بتصريحاتٍ أخرى حولَ حزمة التحفيز، إذ قال: إنّ ذوي الرواتب المنتظمة غير مؤهلين للتَّقدم بطلب للحصول على المعونة المالية، مما يعني أنَّ العمال المسرّحين من العمل مؤقتًا؛ بسبب حظر التجول الناجم عن فيروس كورونا قد لا يكونون مؤهلين أيضًا للاستفادة من حزمة التحفيز.

 ويعتقد منتقدو  روحاني أنَّ انعدامَ الشفافية متعمّد، لأنَّ جيوبَ الرجل خالية ولا يملك ما يموّل به حزمة التحفيز، وقد تسبب ذلك بإثارة الهلعِ بعضَ الشيء داخلَ إيران، إذ يقترحُ البرلمان الإيراني قانونًا جديدًا لوقفِ ارتفاع الأسعار، كما يسعى مجلس التنسيق الاقتصادي -الذي يرأسُه روحاني ورؤساء الهيئات التشريعية والقضائية في إيران- إلى منع روحاني هذه المرة من بيع سندات النفط المملوكة للدولة في سوق الأسهم لتوليد أموالٍ تدعمُ حزمةَ التحفيز الجديدة، ومن الواضح أنَّ ثقةَ المجلس في قُدرة روحاني على إنقاذ الاقتصاد باتت تتدهورُ سريعًا بالرّغم من موافقة المجلس السابقة على حُزم التحفيز السابقة، إذ يشكُّ أعضاءُ المجلس في قُدرة حزمة التحفيز الأخيرة التي اقترحها روحاني على تعزيز الاقتصاد بالرَّغم من تأييد المرشد الأعلى الإيراني لبيع السندات العامة بغرضِ دعمِ اقتصاد البلاد المنهار.      

وسوفَ تُعيق هذه التدابير الأخيرة التي اتّخذها البرلمان ومجلس التنسيق الاقتصادي خطةَ الحكومةِ الإيرانية للنّهوض بحزمة التحفيز، وغيرها من البرامج المالية؛ والأهمّ من ذلك أنَّ ارتفاعَ مستوياتِ الرقابة البرلمانية والمؤسّسية يعني أنَّ الحكومةَ الإيرانية على الأرجح سوفَ تُناضل في سبيل الحصول على التمويلِ اللازم لدعمِ حُزمة التحفيزِ الأخيرة.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير