ما وراء صعود الدور الدبلوماسي لشمخاني في إيران

https://rasanah-iiis.org/?p=30872

بعد توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني بوساطة الصين، في 10 مارس 2023م، كثفت إيران من نشاطها الدبلوماسي على الصعيد الإقليمي بصورة لافتة، لكن المستغرب أن وزارة الخارجية الإيرانية لم تكن هي التي تقود هذه الجهود، بل إنّ المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وأمينه العام الأدميرال علي شمخاني، هو من مثَّل الدبلوماسية الإيرانية في هذا الصدد. وقد أعاد ذلك جدلًا قديمًا جديدًا إلى الساحة السياسية في إيران حول التنافس بين وزارة الخارجية والمجلس الأعلى للأمن القومي، ودورهما في السياسة الخارجية الإيرانية في ظل الازدواجية التي يتسم بها النظام السياسي الإيراني. وقد استدعى هذا الجدل الرد من جانب وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، الذي قال إنَّ ما جرى من جهود، سواء ما تعلق باتفاق المصالحة مع السعودية أو زيارات شمخاني في ما بعدُ إلى الإمارات والعراق، كان بتنسيق كامل، وله صلة بالبعد الأمني في هذه الأنشطة. لكن على أي حال، تعطي هذه التحركات مؤشرات على دور أكبر لمجلس الأمن القومي وأمينه العامّ في سياسة إيران الخارجية. وبالتالي، نكون هنا أمام تساؤل رئيسي يحتاج إلى إجابة حول مغزى صعود دور المجلس الأعلى للأمن القومي وقيادته في عملية صنع السياسة الخارجية.

أولًا: طبيعة وهيكلية صنع القرار

ثمة عوامل لها صلة بطبيعة النظام، لعبت دورًا في صعود الدور الخارجي لمجلس الأمن، أهمها:

1. أن المجلس الأعلى للأمن القومي يضطلع بدور بارز في صناعة السياسة الخارجية، فمنذ نشأته كان المجلس من المؤسسات الرئيسية التي تجري فيها مناقشة السياسة الخارجية، وكانت المهمة الأكثر أهمية للمجلس منذ عام 2003م هي إدارة برنامج إيران النووي. يهيمن المرشد علي خامنئي على المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يتولى مسؤولية رسم سياسات إيران الدفاعية والأمنية، والرد على التهديدات الداخلية والخارجية. على الرغم من حقيقة أن «رئيس الجمهورية» هو الرئيس الفعلي للمجلس، فإن الأمين العامّ، الذي يُعَدّ كذلك الممثل الشخصي للمرشد في هذا المجلس، هو الذي يقود بالفعل مداولاته.

2. أن وزارة الخارجية تُعَدّ الأداة التنفيذية لسياسة إيران الخارجية، وبالتالي لها دور ضئيل في تحديد الأهداف وتصميم السياسات، ويعتمد مدى تأثير هذه الوزارة في السياسة الخارجية إلى حد كبير على شخصية ونفوذ الوزير، الذي يُعتبر مسؤولًا عن تسيير سياسة إيران الخارجية وتنفيذ القرارات التي يوافق عليها المرشد الأعلى، لكن دوره محدود للغاية في تحديد السياسات والإستراتيجيات. لكن نظرًا إلى هيكل السلطة متعدد الطبقات، والازدواجية التي يتمتع بها النظام، فإنّ الجناح التنفيذي -أي وزارة الخارجية- كان مجرد منفذ للسياسات التي تفرض عليه من المرشد والمؤسسات التابعة له، وذلك حسب تصريحات وزير الخارجية في حكومة روحاني محمد جواد ظريف، الذي أفاد فيها بأنه لم يكن يملك أي سلطة في إقرار سياسة إيران الخارجية.

3. أن بين أجهزة صنع القرار الخارجي في إيران إشكالية وتناقضات، وقد أكد كلام ظريف ما جري على خلفية الفيديو المسرب له في أبريل 2021م، الذي انتقد فيه تدخلات الحرس الثوري في السياسة الخارجية، إذ قال المرشد الإيراني إنَّ وزارة الخارجية «منفذة» للسياسة التي يحددها المجلس الأعلى للأمن القومي، لكن تحركات المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الأخيرة واضطلاع شمخاني بمهمة التفاوض والتوقيع على الاتفاقيات المهمة تكشف أن الخارجية الإيرانية لم تعُد فقط غير مسؤولة عن صناعة القرار في السياسة الخارجية الإيرانية، بل ليست المؤسسة الوحيدة المنفذة للسياسة الخارجية.

4. أن أداء وزارة الخارجية يعتمد على كاريزما الوزير وقدراته، في الواقع قلَّما لعبت وزارة الخارجية الإيرانية دور المبادر في سياسة إيران الخارجية، لكن كانت من المرات القليلة التي جرى فيها ذلك في فترة «الإصلاحي» حسن روحاني ووزير خارجيته ظريف، إذ كانت كاريزما ظريف مؤثرة في انتزاع الملف النووي من مجلس الأمن القومي، وتنشيط دور الوزارة في صناعة القرارات الخارجية، وتهميش دور مجلس الأمن القومي. لكن بعدما رحل روحاني وتولى رئيسي السلطة أُعيدت مفاوضات الملف النووي لمجلس الأمن القومي، وأصبح يلعب دورًا أكبر في صياغة سياسة إيران الخارجية إلى جانب المرشد ورئيسي. ومن الواضح أن صعود دور مجلس الأمن القومي في صناعة السياسة الخارجية الإيرانية ارتبط بهيمنة «المتشددين» على السلطة، فبالأساس نشأ المجلس بناءً على مراجعة الدستور في عام 1989م، وهي التعديلات التي جاءت لتكريس السلطة في يد المرشد، بما في ذلك صناعة السياسة الخارجية. وقد كان لسيطرة «المتشددين» على البرلمان و«رئاسة الجمهورية» وإقصاء «الإصلاحيين» دور في إعادة المجلس إلى الواجهة.

ثانيًا: أولويات المرحلة وأهمية شمخاني

بعد أن تولى رئيسي السلطة وشكَّل حكومته والأجهزة التابعة له، فإنه تبنى برنامجًا خارجيًّا أُعيد فيه تأكيد مبادئ السياسة الخارجية الراسخة التي تستند إلى عدم الثقة بالغرب عمومًا، ومن ثم بدأ الحديث يتواتر على لسان قيادات النظام حول سياسة خارجية تعتمد على: مقاومة الضغوط، وعدم التعويل على الخارج في حل الأزمات، والعمل على إفشال العقوبات بتأكيد الدبلوماسية الاقتصادية، والاعتماد على القدرات الداخلية، وتعزيز التوجه شرقًا، والتركيز بشكل خاص على آسيا ودول جوار إيران، ومقاومة نظام الهيمنة، وتوسيع تعاون إيران مع البلدان الإسلامية. وكان للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني دور بارز في صياغة هذا البرنامج، واضطلعت وزارة الخارجية خلال هذه المرحلة بالتنفيذ.

في الواقع، تواضعت جهود وزارة الخارجية في تحقيق برنامج حكومة رئيسي، وتفاقمت الأزمات في الداخل، وزادت عزلة النظام في الخارج، وأصبح النظام أمام تحديات جسيمة تستلزم تغييرات جوهرية ودقيقة في سياسة إيران الخارجية، وذلك لأن أصل الأزمات التي يواجهها النظام هي في علاقاته المتوترة مع دول المنطقة والعالم.

في هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى صعود دور مجلس الأمن القومي، وإلى صعود دور أمينه العامّ شمخاني، إذ إنّ هذا الصعود يمكن قراءته في ما يأتي:

1. رغبة المرشد في صياغة سياسة خارجية متوازنة لمواجهة التحديات مع عدم تحمُّل المسؤولية: إذ إنّ الظروف التي تمرّ بها إيران تطلبت تغييرات جوهرية في سياسة إيران الخارجية، هذا التحول لم يكن من الممكن أن يحدث دون مباركة المرشد. ومن أجل خلق إجماع بشأن هذا التحول، كان لا بد أن يجد المرشد جهة يثق بها وتتبعه مباشرةً لقيادة هذا التحول، لإكسابه شرعية، وفي نفس الوقت تكون جهة تتحمل المسؤولية في حال الإخفاق. وقد كان مجلس الأمن القومي هو الجهة المؤهلة لهذه المهمة، لطبيعة تكوينه وعناصره الموثوقة.

2. أصول شمخاني العربية وخبرته ودوره السابق في التقارب السعودي-الإيراني: وُلِدالأدميرال علي شمخاني في مدينة الأحواز، وهو من العرب الإيرانيين، ويتمتع بمكانة مهمة داخل تركيبة النظام، فقد كان قائدًا بالحرس الثوري خلال الحرب الإيرانية-العراقية، ثم عُيِّن ثانيَ وزير للحرس الثوري، ثم قائدًا للبحرية بالجيش الإيراني، ثم شغل منصب وزير الدفاع في حكومة محمد خاتمي خلال الفترة من أغسطس 1997م حتى أغسطس 2005م. كما أن لغته وثقافته العربية ستتركان بالتأكيد آثارًا كبيرة وملوسة في التفاوض وتقريب وجهات النظر مع الدول العربية. ويمتلك شمخاني سابقة مضيئة في التفاوض، إذ لعب دورًا بارزًا في تقريب وجهات النظر بين إيران والسعودية في تسعينيات القرن الماضي، مما أسفر عن مشاركة الملك عبد الله، الذي كان حينها وليًّا لعهد المملكة العربية السعودية، وتمثيله للسعودية في المؤتمر الثامن لرؤساء الدول الإسلامية، الذي عُقِد في طهران في ديسمبر 1997م. ويقول بعض الروايات الإيرانية إنَّ شمخاني لعب دورًا لا غنى عنه في التواصل والتقارب مع الوفد السعودي في تلك الأيام، ووصل هذا التقارب إلى درجة أن الملك عبد الله زار المنزل الشخصي لآية الله هاشمي رفسنجاني. وبعد اختتام مؤتمر رؤساء الدول الإسلامية، وفي خطوة غير مسبوقة، توجَّه الأدميرال شمخاني، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير الدفاع الإيراني، إلى الرياض، وجرى توقيع اتفاقية الدفاع والأمن بين البلدين، وقد حصل حينها على وسام سعودي رفيع، هو وسام الملك عبد العزيز.

3. ضعف أداء وزارة الخارجية: إذ تشير تقارير إيرانية إلى أن أسباب التعويل على الأدميرال شمخاني تعود إلى توصل الرئيس إلى نتيجة مفادها أن الفريق التفاوضي بوزارة الخارجية غير كفؤ بما يكفي للتوصل إلى اتفاق مع السعودية.

4. الطبيعة الأمنية لقضايا المفاوضات: بما أن المفاوضات مع السعودية ودول الخليج تتمحور حول القضايا الأمنية، لذلك كان لا بد من تكليف مسؤولين أمنيين للتفاوض مع السعودية، وكان شمخاني، الذي سبق له العمل قائدًا في الجيش والحرس، الأنسب لهذه المهمة.

5. البحث عن وجه مقبول لدى الأذرع الإقليمية: يرى بعض الأطراف الإيرانية أن خبرات شمخاني الطويلة في العمل العسكري والأمني، والمناصب العديدة التي تقلدها في النظام الإيراني، تؤهله ليكون الخيار الأفضل لخلافة قاسم سليماني، لا سيما في ما يتعلق بإدارة التطورات في العراق.

ثالثًا: دور خارجي أكبر بقيادة شمخاني وإشراف المرشد

بعد جولاته الخارجية المتعددة، التي بدأها من بكين ثم أبوظبي وبغداد، أصبح شمخاني الرجل الأول في المشهد الدبلوماسي والسياسة الخارجية للنظام الإيراني، إذ تمحورت مهامُّه حول خفض التوتر مع دول المنطقة. هذه المهمة الجديدة التي يضطلع بها شمخاني هذه الأيام لم تلفت الأنظار فحسب، بل من وجهة نظر عديد من المراقبين السياسيين من الممكن أن يكون لها عديد من التداعيات على مستوى العلاقات الإيرانية-العربية، إذ ترى إيران أن النجاح الذي حققه شمخاني أثبت أن انتخابه لهذه المهمة كان ضروريًّا في اتجاه تقصير مسار المفاوضات، وسرعة إنجاز التفاهمات مع الدول العربية.

وعلى الرغم من أن وزارة الخارجية ترى أن ما يقوم به مجلس الأمن القومي وأمينه العامّ من نشاط دبلوماسي من صميم مهامِّها، ويجري من خلال تنسيق كامل معها، فإنّ الواقع يُفيد بأنّ هناك تهميشًا لدور الوزارة، وأنه قد يجري تكليفها بالمهامّ التي سوف يوكلها المجلس إليها. وتعطي هذه التطورات مؤشرات في المستقبل على أن لمجلس الأمن القومي دورًا أكبر في رسم السياسة الخارجية الإيرانية، بل وتنفيذها، ودورًا أكبر لشمخاني تحديدًا، الذي أصبح حديث الطبقة السياسية في إيران بعدما كان معرضًا للانزواء عقب اعتقال وإعدام مستشاره علي رضا أكبري، المتهم بالتجسس لصالح بريطانيا. ولا شك أن شمخاني قد استغلَّ الفرصة ليثبت جدارته بعد سنوات من التهميش منذ تولّيه منصب الأمين العام لمجلس الأمن القومي، ويُعيد تأهيل نفسه بوصفه دبلوماسيًّا بارعًا.

مع ذلك، ليس من المعلوم ما إن كانت مهامّ مجلس الأمن القومي ستتسع لتشمل ملفات أخرى كالمفاوضات النووية أم لا. لكن بينما كانت السياسة الخارجية الإيرانية مجالًا لانتقادات واسعة خلال السنوات الأخيرة، باعتبار تعدد الجهات التي تلعب دورًا في تشكيلها وصياغة قراراتها، فإنه من الواضح أن إيكال مهام دبلوماسية إلى المجلس يحدّ من التناقضات. وهنا يمكن القول إنّ المرشد ربما أراد منح مجلس الأمن القومي دورًا أكبر، وتحت إشرافه، من أجل إزالة التناقضات النظامية التي يمكن أن تعرقل مسارعة إيران لسياسة إقليمية تنزع نحو التهدئة والاستقرار.

وفي الأخير يمكن القول إنّ السياسة الخارجية الإيرانية خضعت خلال العقد الأخير لهيمنة الحرس الثوري وتوجهاته الراديكالية، وقد أدى هذا الدور إلى إحباط كل الجهود الدبلوماسية من أجل مواجهة التحديات التي تواجهها إيران في الداخل والخارج. ويعود ذلك إلى عدد من الدوافع، أهمها: أنّ الحرس كانت له وجهة نظر بأن هناك فرصة لدفع مشروعه الخارجي قدمًا، في ظل التوترات التي شهدتها المنطقة بعد عام 2011م، وأنّ أيّ تفاهمات مع الغرب أو مع دول المنطقة سوف تقوّض مكانة الحرس الاقتصادية والسياسية. وبينما أصبح النظام يواجه أزمة وجودية، فإنّ إعادة الاعتبار للدبلوماسية بعيدًا عن العسكرة تطلبت تدخلًا من المرشد، ولم تكن وزارة الخارجية والرئيس باستطاعتهما كبح جماح الحرس دون تدخُّل المرشد والمؤسسات التابعة له، بما فيها المجلس الأعلى للأمن القومي. لقد أمسك المرشد بزمام الأمور، ودفع بالمؤسسات التابعة له والشخصيات الموثوقة إلى لعب دور أكبر لتنفيذ توجهاته الخارجية، ومواجهة تحديات المرحلة.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير