مآلات التصعيد العسكري الأمريكي-الإيراني وتداعياته على المسار الدبلوماسي

https://rasanah-iiis.org/?p=39258

 مع انطلاق فصلٍ جديدٍ من المواجهات المسلحة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تكون مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين في 18 يونيو الماضي، قد فقدت مفعولها نتيجةً لعودة التصعيد، فبدلًا من تمهيد المذكرة لتوقيع اتفاقٍ شامل ينهي الحرب بكافة أشكالها، تحولت إلى وثيقةٍ تتآكل بنودها تحت وطأة تصعيد العمليات القتالية المتبادلة، والتي على ما تبدو تتوسع من استهداف المواقع العسكرية لتطال بُنى تحتية ومواقع حيوية وتهديدات باستهداف منشآت الطاقة واستهداف القوات الأمريكية بالمنطقة، مما يعيدها برمتها إلى دائرة التصعيد من جديد، ويطرح تساؤلاتٍ حول أسباب انهيار الاتفاق بهذه السرعة. وعلى من تقع مسؤولية انهياره؟ وهل يعني ذلك انهيار المفاوضات بشكلٍ كامل أم أنَّ هناك فرصًا للعودة رغم اتساع الفجوة بين الطرفين الأمريكي والإيراني؟ وإلى أين ستمضي الأمور بين الطرفين: إلى حربٍ شاملةٍ أم العودة إلى مائدة المفاوضات؟ وما العوامل التي تؤدي إلى أيٍّ من الخيارين؟

أولًا: دوافع وأهداف تجدد الأعمال القتالية بين الطرفين

 استمرت المفاوضات في ظل بيئةٍ تفاوضيةٍ إكراهية متبادلة شديدة التعقيد، وذلك بسبب أزمة الثقة الراسخة وحدود توازن القوى واعتمادهما على منطق المزج بين الخيار الدبلوماسي والعسكري في تحسين الشروط التفاوضية، وتمسك إيران بالتفاوض من دون فقدان أوراق الضغط التي راكمتها خلال الحرب، وعلى رأسها القدرة على رفع تكلفة الحرب على واشنطن عبر توظيف ورقة هرمز، وتمسك الولايات المتحدة بعدم إعاقة الملاحة في مضيق هرمز، ليدخل الصراع فصلًا جديدًا من المواجهات المسلحة بعد إعلانهما تعليق العمل بالتزاماتهما في مذكرة التفاهم، والمضي نحو التصعيد المسلح، وفيما يلي أبرز دوافع تجدد المواجهات:

1. الانسداد في المسار الدبلوماسي

 تعتبر البنود الخلافية بين الطرفين في المذكرة وهي السيطرة على مضيق هرمز (عقدة هرمز) والأصول الإيرانية المجمدة، والتراخيص الممنوحة لبيع النفط الإيراني، من الأسباب الرئيسية الدافعة لانهيار المسار الدبلوماسي، حيث دخل المسار التفاوضي مرحلة الانسداد على خلفية التباين حول ثلاثة بنود رئيسية تكشف عما اعتبرته واشنطن مماطلة وتباطؤ إيراني مُتعمَّد لكسب الوقت وعدم الانتقال إلى المراحل التفاوضية التالية:

أ. البند الخامس: فسَّرت إيران البند الخامس المتعلق بالسيطرة على مضيق هرمز في المذكرة على أنَّه اعترافٌ أمريكي بحقها في صلاحيات إدارة المضيق بشكلٍ كامل وتحديد مسارات العبور فيه، حيث تعتبره طهران ورقتها الرادعة والرابحة الكبرى، وتعويضًا عن تراجع نفوذها الإقليمي ورافعةً تفاوضية بديلة عن ملفها النووي ونفوذها الإقليمي اللذين تعرضا لضرباتٍ غير مسبوقة. في المقابل تتمسك واشنطن بأنَّ البند يمنح إيران فقط تسهيل المرور الآمن للسفن. وبالتالي، شكَّلت استمرارية إيران في فرض القيود في المضيق واستهداف ناقلات النفط، الشرارة التي أشعلت تجدد المواجهات بعدما لجأت واشنطن إلى إنشاء ممرٍّ بديل بمحاذاة الساحل العماني خارج السيطرة الإيرانية استهدفته إيران أيضًا، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي ترامب إلى الإعلان عن إنهاء اتفاق وقف إطلاق النار، حيث تعززت لديه قناعةٌ بأنَّ طهران غير مستعدة للتخلي عن ورقة هرمز.

ب. البند العاشر: تعتبر طهران إلغاء واشنطن التراخيص التي تسمح لها بالاستمرارية في بيع النفط مخالفةً جوهريةً للبند العاشر الذي يلزمها بإصدار إعفاءاتٍ من العقوبات لإيران، وتحرمها من أبرز انتصار حققته في مذكرة التفاهم لإعادة إنعاش اقتصادها الذي يعاني منذ سنواتٍ طويلة، لكن في المقابل تربط واشنطن إلغائها منح التراخيص بالتصرفات الإيرانية الأحادية وغير المقبولة في المضيق ضد الملاحة الدولية.

ج. البند الحادي عشر: هناك اختلافٌ بين الطرفين حول البند الحادي عشر المتعلق بآلية إدارة الأصول الإيرانية المفرج عنها، ومن الذي سيتحكم فيها بعد الإفراج عنها. فمن ناحيةً، كشف نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في يونيو 2026، أنَّ بلاده وقطر ستسيطران على الأموال الإيرانية بعد الإفراج عنها، وإنفاقها على شراء صادراتٍ أمريكية من السلع الأساسية للشعب الإيراني مثل الذرة والقمح وفول الصويا، وربما ذلك لهواجس أمريكية من توجيه طهران الأموال المفرج عنها لأنشطتها العسكرية لا للاحتياجات الشعبية، في المقابل تتمسك إيران بشدة بأنَّها المتحكم الوحيد في تلك الأموال ومسارات صرفها بعد الإفراج عنها.

وربما أدركت الولايات المتحدة أنَّ إيران تسعى لتثبيت وحماية قاعدة توازن القوى عبر تفسيراتها المنفردة لصياغة البنود، الأمر الذي يُعدُّ من الأسباب الجوهرية التي دفعت واشنطن لتجديد الأعمال القتالية لتغيير تلك القاعدة وتحديد فارق القوة بين الطرفين. فالولايات المتحدة بدأت الحرب بالأساس لإسقاط النظام أو إجبار إيران على القبول بالإملاءات الأمريكية، بينما منحت الحرب إيران نصرًا إستراتيجيًا بالسيطرة على مضيق هرمز، الأمر الذي شكَّل انتكاسةً دفعت واشنطن نحو القبول بالمذكرة، وهو ما تريد واشنطن تغييره هذه المرة.

2. عدم دخول الصراع في «طور النضوج»

 يشير «طور النضوج» في الصراع إلى حسابات الأطراف للفوائد التي تعود عليهم من وراء الدخول أو الاستمرارية في المفاوضات مقابل الاستمرار في الصراع، ولذلك تعتبر الصراعات قد نضجت وآن أوان تسويتها عندما يصل أحد أطراف الصراع إلى مرحلة النصر المطلق أو تصل أطراف الأزمة إلى حالة الجمود الضار، أي عندما تصل الأزمة مستوى يدرك عنده كل طرفٍ أو أحد أطرافه نفاد أوراق الضغط المتاحة والمؤثرة، أو عدم جدوى استخدامها في جلب المزيد من المكاسب. وبالتالي لا تنطبق تلك القاعدة على الصراع الأمريكي- الإيراني عند هذا المستوى، حيث لم يدخل الصراع «طور النضوج»، ولا يزال كل طرفٍ منهما يرى امتلاكه أوراق ضغطٍ يلجأ إليها لتعظيم المكاسب وتحسين الشروط التفاوضية عند العودة للجلوس إلى مائدة المفاوضات، وإجبار الطرف الثاني على النزول عند إرادته والقبول باشتراطاته، ما يفسِّر سرعة إقدامهما على تعليق العمل بموجب مذكرة التفاهم والعودة للقتال.

ترى الإدارة الأمريكية أنها قدمت الكثير لإيران في مذكرة التفاهم دون أن تجد التزامًا إيرانيًا بالبنود المنصوص عليها تجاه العبور في مضيق هرمز الإستراتيجي، ما يؤثر على موقفها التفاوضي واشتراطاتها تجاه القضايا الخلافية خلال المدة التفاوضية المتبقية من الـ60 يومًا لتوقيع الاتفاق النهائي. وتجد في ذاتها القوة العظمى التي تمتلك أوراق ضغطٍ كافيةٍ لإجبار إيران على الالتزام ببنود المذكرة وفتح المضيق. في المقابل، ترى إيران أنها غير مضطرة لتقديم التنازلات وهي تمتلك أوراق ضغطٍ كافية- ورقة ممرات العبور الدولية للسلع الإستراتيجية والصواريخ الباليستية- لرفع التكلفة على الولايات المتحدة لا سيما في ظل ترويجها لسردية الانتصار في الداخل الإيراني رغم ما تعرضت له من خسائر فادحة، حيث يرى بعض النخبة في إيران أنَّ السيطرة على هرمز يُعدُّ أحد غنائم النصر حسب تصورهم، وقد صرح مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي بهذا الزعم في 15 يوليو 2026، بقوله: «هرمز صار خاضعًا لسيادتنا بقرارٍ من المرشد كإنجازٍ لحرب الـ40 يومًا»، كما اعتبر رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان إبراهيم عزيزي السيطرة على هرمز بمثابة «تأميم نفط جديد»، في إشارةٍ واضحةٍ إلى عملية تأميم النفط الإيراني عام 1951.

3. المساعي الإسرائيلية التخريبية

لم يكن سيناريو إنهاء الحرب على إيران والدخول في الخيار الدبلوماسي ضمن السيناريوهات الإسرائيلية المطروحة، حيث كانت تقتضي مصلحة إسرائيل استمرارية الحرب ضد إيران لحين الإطاحة بالنظام الإيراني، بل وربما التفكير في وصول نظام حكمٍ حليفٍ يغير بوصلة سياسة إيران تجاه تل أبيب، ضمن إستراتيجية «يمينية متطرفة» تهدف إلى تأسيس نظامٍ إقليمي جديد تكون فيه إسرائيل قوة مهيمنة تعيد هندسة الشرق الأوسط لصالحها أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا وجيوسياسيًا، بل تهيئة البيئة الإستراتيجية الإقليمية لتنفيذ المشروع الجيوسياسي التوسعي على حساب الأراضي العربية (إسرائيل الكبرى)، بما يضمن لها في النهاية موقع القيادة في الشرق الأوسط، وإحكام السيطرة المجالية والأمنية. يفسر ذلك امتعاض إسرائيل من الخيار الدبلوماسي، وهو ما يجعل أي تسويةٍ ناشئةٍ بين واشنطن وطهران عرضةً للتقويض، حيث كانت تل أبيب تطمح في تحقيق هدفها الإستراتيجي من بوابة الحرب بغض النظر عن دخول المنطقة في حالة سيولةٍ إستراتيجية.

 تشير المعطيات إلى أنَّ الطرفين لا يهدفان إلى المضي نحو الحرب المفتوحة بالنظر إلى عامل التكلفة بكافة أشكالها، وإنما يهدفان إلى تقوية الموقف التفاوضي وتعزيز  الشروط التفاوضية عند استئناف المفاوضات، حيث تهدف الولايات المتحدة من استئنافها العمليات القتالية إلى تبديد الجمود التفاوضي بما يعيد ضبط إيقاع مساراته وتجريد إيران من ورقة هرمز وإجبارها على تقديم تنازلاتٍ إستراتيجيةٍ في القضايا النووية والباليستية. في المقابل، تهدف إيران إلى تثبيت ما تحصلت عليه من مكاسب إستراتيجية من المذكرة ورفض التخلي عن ورقة هرمز، لكونها تعتبرها في مقدمة أوراق ضغطها الرابحة في أي مفاوضاتٍ مقبلة، وضمانة لالتزام واشنطن بأية اتفاقاتٍ محتملة، ما يجعلها تقاتل في توسيع رقعة هجماتها رغم إدراكها حجم الخسائر الواسعة لمقدرات شعبها، وذلك لإظهار أنَّ واشنطن لن تتمكن أبدًا وحدها من تحديد مستوى الحرب ضمن إستراتيجية أوسع لرفع تكلفة الحرب، تراهن خلالها طهران على حجم الضغط على الاقتصاد العالمي بورقة هرمز، وربما بورقة باب المندب، في دفع الرئيس ترامب نحو التراجع.

ثانيًا: أوراق الطرفين في تحقيق الأهداف

يمثل حصار الموانئ الإيرانية ومنعها من تصدير النفط أهم الأوراق التي تمتلكها الولايات المتحدة ضد إيران، بما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية باعتبار أنَّ النفط هو المصدر الأساسي لمداخيل إيران التي تمكنها من إدارة البلاد وتمويل الحرب، ورغم تكيف إيران مع هذا الوضع الذي بات القاعدة حيث تعيش البلاد في ظل العقوبات منذ عقود؛ إلَّا أنَّه مع ذلك يبقى من أخطر العوامل التي قد تقود إلى احتجاجاتٍ شعبيةٍ ضد النظام، إذ إنَّه يمكن في مرحلةٍ من المراحل أن يبلغ المواطنون مرحلة اليأس التام لإدراكهم عجز التيار «المحافظ» عن الانتصار في الحرب على الولايات المتحدة في المحصلة الأخيرة. يضاف إلى ذلك استهداف البنية التحتية والتي وإن انحصرت في المناطق الجنوبية القريبة من مضيق هرمز في هذه الأيام، إلَّا أنَّها يمكن أن تتوسع بشكلٍ أكبر مما يضاعف من التأثيرات السلبية على الشعب الإيراني. ويمكن لإدارة ترامب التي رفضت عرض حكومة بنيامين نتنياهو المشاركة في الهجمات بعد التصعيد الجديد أن تتراجع عن هذا القرار وتسمح لإسرائيل بالمشاركة في الحرب، والذي سيسرِّع من خطط إحداث القطيعة بين الشعب والنظام عبر ضرب أجهزته الأمنية وقياداته السياسية والعسكرية استكمالًا للخطة التي فشلت فيها خلال فبراير الماضي. وبغض النظر عن مدى النجاح في تحقيق الأهداف المحدودة إلَّا أنَّ هذا الاحتمال يثير هواجس النظام الإيراني حول تكلفة التصعيد، خاصةً إذا ما استمرت النجاحات الأمريكية والإسرائيلية في تقويض قوة وكلاء إيران في المنطقة عبر الأدوات السياسية والعسكرية، مما يجعل إيران تفقد الكثير من عناصر قوتها.

على الطرف الآخر يأتي مضيق هرمز في مقدمة الأوراق التي توظفها إيران في هذه الحرب ضد الولايات المتحدة، وذلك نظرًا لتأثيراته المركبة، فعلى المستوى الدولي أدى غلق المضيق إلى ارتفاع أسعار الطاقة في العالم، وتراجعت أسعار النفط لأيامٍ معدودة فقط بعد توقيع مذكرة التفاهم لتعود للارتفاع من جديد مع عودة المواجهة العسكرية وتنصل الطرفين من مذكرة التفاهم. وهذا يدفع بحلفاء الولايات المتحدة المتضررين إلى الضغط لوقف الحرب ومراجعة سياساتهم مع واشنطن، كما يقود هذا الوضع تبعًا لذلك إلى احتمال حصول تحولاتٍ على مستوى النظام الدولي، تؤدي إلى تراجع مركزية القوة الأمريكية فيه. والتركيز الإيراني على استهداف دول الخليج لا يخرج عن هذه القراءة؛ حيث تعمل طهران على خلخلة التحالفات الأمريكية في المنطقة ورفع تكلفتها، ومحاولة دفع دول الخليج إلى مراجعة علاقاتها بالولايات المتحدة، ومن هذا المنطلق لا يستبعد توسع الحرس الثوري الإيراني في بنك أهدافه بضرب البنية التحتية المدنية الخليجية، سعيًا منه لتحييد البنية التحتية الإيرانية من معادلة الحرب، وأيضًا المصالح الأمريكية في المنطقة فضلًا عن القواعد العسكرية، إضافةً إلى تهديد قادة الحرس الثوري بإغلاق مضيق باب المندب عبر الحوثيين. ومن ناحيةٍ أخرى، تدرك إيران اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، وفي ظل الوضع الحالي فإنَّ ورقة مضيق هرمز وعامل الوقت يخدمان طهران أكثر من واشنطن، لأنَّ التداعيات الاقتصادية طالت الاقتصاد الأمريكي وانعكست على القدرة الشرائية للمواطنين الأمريكيين، وبكل تأكيد سيكون ذلك من بين العوامل الأساسية المؤثرة على سلوك الناخبين، وهي الورقة التي تؤمل طهران أن يستثمرها الديمقراطيون بشكلٍ كبير ضد إدارة ترامب، كونه سبق له أن هاجم الديمقراطيين بسبب الاتفاق النووي، ورفضه للحروب المفتوحة، بينما أخفق في الحالتين، وتسبب في استحداث مشكلة مضيق هرمز التي لم تكن مطروحةً أساسًا في السابق.

لكن تُعدُّ الحسابات الإيرانية في مسألة التعويل على توسيع رقعة الحرب بالاعتداءات المستمرة على دول الخليج العربي لرفع التكلفة وتكثيف الضغط على الإدارة الأمريكية لوقف الحرب، حساباتٌ وقراءاتٌ إيرانيةٌ خاطئة بكل المقاييس، حيث أنَّ هذه الاعتداءات السابقة والراهنة لم تشكل ضغطًا على واشنطن بنفس القدر الذي لم تجرُّ فيه دول المنطقة للدخول في المواجهة، وإنما تُعدُّ استنزافًا لما تبقى من العلاقات بين إيران ودول الجوار العربي، مما ينعكس سلبًا على موقف إيران والعلاقة معها أثناء وبعد الحرب.

ثالثًا: التداعيات والمواقف الداخلية والإقليمية والدولية للتصعيد

 تُظهر جولة التصعيد الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران تداعياتٍ متشابكةٍ تمتد من البنية الداخلية للنظام الإيراني إلى البيئة الإقليمية والدولية، حيث تتنوع المواقف بين اصطفافٍ داخلي واستهدافٍ إقليمي وحساباتٍ دولية متباينة، لتكشف هذه التداعيات أنَّ المواجهة تجاوزت حدود اللحظة العسكرية إلى إعادة تشكيل معادلات الأمن والاقتصاد والسياسة في المنطقة. وتبرز أهم المواقف والتداعيات فيما يلي:

1.التداعيات والمواقف الداخلية في إيران

مثَّل التصعيد الإيراني الأمريكي الأخير اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الإيراني على الحفاظ على تماسكه الداخلي في ظل ضغوطٍ غير مسبوقة داخلية وخارجية. ويمكن تناول التداعيات الداخلية على عدة مستويات:

أ. المستوى الديني: أظهرت المؤسسة الدينية الرسمية بمختلف توجهاتها قدرًا كبيرًا من الاصطفاف خلف الدولة، إذ صدرت مواقف من كبار المراجع والهيئات الدينية تؤكد ضرورة الدفاع عن البلاد ورفض أي اعتداءٍ خارجي، مع التأكيد على أنَّ الحفاظ على أمن «الجمهورية الإسلامية» يمثل واجبًا شرعيًا. إلَّا أنَّ هذا الاصطفاف لم يمنع بروز نقاشاتٍ داخل الحوزات العلمية حول كيفية إدارة الأزمة، وحدود التصعيد، ومدى توافق استمرار المواجهة المفتوحة مع مبدأ حفظ مصالح الأمة وتجنب استنزاف مقدرات الدولة. وقد كشفت الأزمة مجددًا عن التمايز القائم داخل المؤسسة الدينية بين تيارٍ يمنح الأولوية لمنطق المقاومة، وآخر يركز على الاعتبارات الواقعية والبراغماتية وإدارة التوازنات السياسية.

ب. المستوى السياسي: عزز التصعيد من حضور المؤسسات الأمنية والعسكرية داخل منظومة القرار الإيراني، سيما الحرس الثوري، الذي برز باعتباره الفاعل الأكثر تأثيرًا في إدارة الأزمة. في المقابل، تراجعت مساحة الحركة أمام التيارات «الإصلاحية» و«المعتدلة»، التي وجدت نفسها مضطرةً إلى تبني خطابٍ وطني داعم للدولة خشية اتهامها بإضعاف الجبهة الداخلية أو الخيانة والعمالة للغرب على نحو ما حدث معهم طيلة عقود.  ومع ذلك، فإنَّ استمرار الضغوط الخارجية قد يعيد إحياء الجدل الداخلي حول كلفة السياسات الإقليمية، وأولويات الإنفاق العام، وحدود الاستمرار في إستراتيجية المواجهة مع الولايات المتحدة. ومن ثمَّ، فإنَّ حالة الوحدة التي فرضتها الأزمة قد تكون مؤقتةً إذا طال أمد التصعيد دون تحقيق مكاسب سياسية واضحة.

ج. المستوى الاقتصادي: كان القطاع الاقتصادي هو الحلقة الأكثر هشاشةً وتأثرًا؛ فقد أدى التصعيد إلى زيادة الضغوط على العملة الإيرانية، وارتفاع معدلات التضخم، واتساع حالة عدم اليقين في الأسواق، فضلًا عن تراجع الاستثمارات وتعثُّر العديد من الأنشطة الإنتاجية. كما انعكس التصعيد على قطاع الطاقة، سواء من خلال المخاوف المتعلقة بتصدير النفط أو بتراجع الإيرادات الحكومية، وهو ما زاد من الضغوط على الموازنة العامة وأضعف قدرة الحكومة على تنفيذ برامجها الاقتصادية والاجتماعية. وفي الوقت نفسه، استثمرت الحكومة خطاب «اقتصاد المقاومة» لتبرير السياسات التقشفية، والدعوة إلى تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، غير أنَّ نجاح هذا النهج يبقى مرهونًا بقدرة الدولة على معالجة الاختلالات الهيكلية المزمنة في الاقتصاد الإيراني.

د. على مستوى الرأي العام: أفرز التصعيد حالةً تجمع بين الشعور الوطني الرافض لأي تدخلٍ خارجي، وبين تنامي القلق الشعبي من تداعيات استمرار الصراع على الأوضاع المعيشية والأمنية. فبينما التفَّت قطاعاتٌ واسعةٌ من المجتمع حول الدولة خلال اللحظات الأولى للأزمة، فإنَّ استمرار الضغوط الاقتصادية قد يؤدي إلى عودة الاحتجاجات الاجتماعية بصورةٍ أكثر حدة، خاصةً في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القوة الشرائية واتساع الفجوة بين المطالب الشعبية والإمكانات الاقتصادية للدولة. 

2. التداعيات والمواقف الإقليمية والدولية للتصعيد

لم تقتصر تداعيات التصعيد على الساحة الداخلية الإيرانية، بل امتدت لتشمل البيئة الإقليمية والدولية، على النحو التالي:

أ. بقاء دول المنطقة تحت حالة التأهب الأمني: أعادت جولة التصعيد الأمريكية– الإيرانية الأخيرة البيئة الأمنية في الشرق الأوسط إلى حالةٍ من التأهب المرتفع، بعد فترةٍ قصيرةٍ اتجهت خلالها دول المنطقة إلى التركيز على التعافي الاقتصادي والاستفادة من التهدئة النسبية التي أعقبت وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. إلَّا أنَّ استئناف العمليات العسكرية المتبادلة، واتساع نطاقها ليشمل منشآتٍ حيويةٍ ومرافق مدنية، أظهر أنَّ تداعيات الصراع لم تعد تنحصر في حدود المواجهة المباشرة بين الطرفين، وإنما باتت تمتدُّ بصورةٍ متزايدة إلى البيئة الأمنية لدول المنطقة، بما يفرض عليها الاستعداد المستمر لمخاطر التصعيد وتداعياته.

يعكس هذا التطور تحولًا في طبيعة الصراع، إذ لم تعد الضغوط المتبادلة تقتصر على الأهداف العسكرية، بل أصبحت المنشآت الحيوية والبنية التحتية المدنية تمثل أحد أبرز ميادين التصعيد غير المباشر التي باتت تنتهجه إيران على وجه الخصوص. فمع كل جولةٍ جديدةٍ من المواجهة، تتزايد احتمالات تعرض قطاعات الطاقة، ومحطات الكهرباء وتحلية المياه، والموانئ، والمطارات لضغوطٍ أمنيةٍ متصاعدة، الأمر الذي يوسع نطاق التداعيات ليشمل الاقتصاد الإقليمي وسلاسل الإمداد، وليس فقط التوازنات العسكرية.

تؤكد هذه التطورات أنَّ البيئة الأمنية الإقليمية أصبحت أكثر عرضةً للاهتزاز مع كل جولةٍ جديدةٍ من التصعيد الأمريكي–الإيراني، وأنَّ دول المنطقة باتت مطالبةً بإدارة حالةٍ ممتدة من المخاطر الأمنية، في ظل انتقال الحرب بين الطرفين من ساحات المواجهة العسكرية التقليدية إلى فضاءاتٍ أوسع تشمل المنشآت المدنية والبنية التحتية الحيوية، الأمر الذي يزيد من تعقيد معادلات الأمن الإقليمي ويجعل حماية المرافق الاقتصادية والخدمية أولوية إستراتيجية خلال مراحل التصعيد المتكررة.

ب.  تنشيط ساحات الضغط الإقليمية: تشير تطورات التصعيد الراهن إلى أنَّ إيران عادت إلى تفعيل ساحات نفوذها الإقليمية باعتبارها أدواتٍ لإدارة المواجهة مع الولايات المتحدة، ولكن بصيغة تختلف عن دورات التصعيد السابقة. فبدلًا من فتح جبهاتٍ إقليمية واسعة، تبدو التحركات الحالية أكثر انتقائية، وتركز على الحفاظ على أوراق النفوذ وإعادة تنشيطها بالقدر الذي يسمح برفع كلفة الضغوط الأمريكية دون الانزلاق إلى حربٍ إقليمية شاملة. ويكتسب هذا المسار أهميةً خاصةً لأنه يأتي في وقتٍ كانت فيه عدة ساحاتٍ عربية قد دخلت منذ توقف الحرب في أبريل 2026، مساراتٍ عدة لإعادة ترتيب أوضاعها الأمنية والسياسية، بما يجعل عودة النشاط المرتبط بالمحور الإيراني عاملًا ضاغطًا على هذه الترتيبات.

وتعكس التطورات الأخيرة هذا الاتجاه في أكثر من ساحة؛ ففي العراق، تزامنت عودة التصعيد الأمريكي–الإيراني مع تصاعد تمسك الفصائل المسلحة بسلاحها، واستمرار الخلافات حول جهود الحكومة لإعادة تنظيم وضعها الأمني، وهو ما يشير إلى أنَّ ملف الفصائل عاد ليكتسب بعدًا إقليميًا يتجاوز النقاش الداخلي، باعتباره أحد أهم أوراق الضغط الإيرانية في مواجهة واشنطن.

أما في سوريا، فقد برزت محاولة تهريب شحنة كبيرة من الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة عبر الحدود العراقية-السورية، وما أعقبها من إعلان إيراني عن استهداف لمنطقة التنف، بما يعكس استمرار السعي للحفاظ على خطوط الإمداد وشبكات النفوذ العابرة للحدود، رغم التحولات التي شهدتها الساحة السورية خلال الأشهر الماضية. كما تكشف هذه التطورات أنَّ الأراضي السورية لا تزال تمثل ساحةً رئيسيةً في معادلة الصراع الإيراني–الأمريكي، حتى في ظل سعي دمشق إلى تحييد نفسها عن المواجهة الإقليمية.

وفي لبنان، جاءت عودة التصعيد في لحظةٍ تشهد بدء تنفيذ الترتيبات الأمنية المنبثقة عن الاتفاق الإطاري مع إسرائيل، والتي تتضمن تسلم الجيش اللبناني مسؤولياتٍ أمنيةٍ في مناطق جنوبية، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الداخلية والدولية بشأن ملف سلاح «حزب الله». وأدى تجدد المواجهة الأمريكية–الإيرانية إلى إعادة ربط هذا المسار بالسياق الإقليمي، بعدما كان الاتجاه يميل إلى فصله عن الصراع بين واشنطن وطهران، الأمر الذي يهدد بإبطاء ترتيبات ما بعد الحرب ويعيد إدخال الملف اللبناني في حسابات المواجهة الأوسع.

وفي اليمن، أظهرت التطورات الأخيرة تزايد الترابط بين الملف اليمني والمواجهة الأمريكية–الإيرانية، سواء من خلال أزمة الطائرة الإيرانية أو عودة التوتر حول مضيق باب المندب والمجال الجوي، بما يعكس استمرار توظيف الساحة اليمنية والبحر الأحمر كورقة ضغطٍ ضمن إدارة الصراع الإقليمي، ويؤكد أنَّ التهدئة التي أعقبت توقف الحرب أصبحت أكثر هشاشةً مع اتساع دائرة المواجهة بين واشنطن وطهران. 

بذلك، لا تقتصر تداعيات التصعيد على إعادة تفعيل ساحات النفوذ الإيرانية، بل تمتد إلى إبطاء أو تعقيد ترتيبات ما بعد الحرب في عددٍ من الدول العربية، من خلال إعادة ربط الملفات الداخلية بحسابات الصراع الأمريكي–الإيراني.

ج. تصاعد الضغوط على أمن الطاقة والممرات البحرية: أعاد التصعيد الأمريكي–الإيراني، عودة أمن الممرات البحرية إلى صدارة معادلات الصراع الإقليمي، لكن بمنطقٍ يختلف عن جولات المواجهة السابقة. فلم يعد التهديد يقتصر على احتمال إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة في باب المندب، بل بات يتمثل في توظيف حالة عدم اليقين ذاتها كأداة ضغطٍ إستراتيجية. فاستمرار احتمالات الاستهداف، وتذبذب مستويات التهدئة، وغياب الضمانات بشأن حرية الملاحة، أصبحت عوامل كافية لرفع تكاليف التأمين البحري، وإرباك تدفقات التجارة والطاقة، حتى في ظل استمرار الملاحة وعدم إغلاق الممرات بصورةٍ كاملة. وبذلك تحولت الممرات البحرية من ساحاتٍ للمواجهة العسكرية إلى أدواتٍ لإنتاج الضغوط الاقتصادية وإعادة تشكيل حسابات الأسواق العالمية.

وقد تجسد هذا التحول بوضوح في مضيق هرمز خلال يوليو 2026؛ فبعد مرحلةٍ قصيرةٍ من التهدئة أعقبت مذكرة التفاهم المؤقتة بين واشنطن وطهران في يونيو، انهارت التفاهمات مع تجدد الضربات العسكرية، وإعلان إيران إغلاق مضيق هرمز في 11 يوليو، أعقبه فرض الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على الساحل والموانئ الإيرانية اعتبارًا من 14 يوليو. ولم يعد جوهر الصراع يتمثل في فتح المضيق أو إغلاقه فحسب، وإنما في التنافس على من يمتلك سلطة تحديد قواعد الملاحة داخله. ففي حين سعت إيران إلى ربط إعادة فتح المضيق بتنفيذ التفاهمات السابقة والقبول بشروطها لتنظيم حركة السفن، أصرت الولايات المتحدة على ضمان حرية الملاحة وفق القواعد الدولية ورفض أي قيودٍ أو رسومٍ تفرضها طهران.

تكشف هذه التطورات عن انتقال المنافسة الأمريكية–الإيرانية من الصراع على السيطرة المادية على الممرات البحرية، إلى الصراع على إدارة استخدامها وقواعد المرور فيها. فالقوة لم تعد تقاس فقط بالقدرة على إغلاق المضيق، وإنما أيضًا بالقدرة على رفع كلفة العبور، وزيادة مخاطر التأمين، والتأثير في قرارات شركات النقل والطاقة، وفرض ترتيباتٍ جديدةٍ لحركة التجارة الدولية. ومن ثم، أصبح أمن الملاحة ذاته جزءًا من أدوات الردع المتبادل، وليس مجرد انعكاسٍ للمواجهة العسكرية. وانعكس هذا الواقع مباشرةً على حركة النقل وأسواق الطاقة. فمع انهيار التهدئة تراجع عدد السفن العابرة لمضيق هرمز، كما ارتفعت أسعار النفط بصورةٍ ملحوظة عقب إعادة فرض الحصار البحري الأمريكي على إيران.

د. استمرار التوافق الدولي على أولوية الحل السياسي مع تباين مقاربات إدارة الأزمة: كشفت جولة التصعيد الحالية عن استمرار توافق القوى الدولية على ضرورة احتواء الأزمة والحيلولة دون تحولها إلى مواجهةٍ إقليميةٍ شاملة، مع توافقها كذلك على أهمية الحفاظ على المسار السياسي. غير أنَّ هذا التوافق لم يلغِ استمرار التباين في مقاربة إدارة الأزمة وتحديد مسؤولية التصعيد. ففي حين اعتبرت الدول الغربية الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية والمنشآت الحيوية في المنطقة عاملًا رئيسًا في تقويض الاستقرار الإقليمي، وأكدت دعمها لحق الولايات المتحدة وشركائها في الدفاع عن أنفسهم، شدَّدت في الوقت ذاته على ضرورة أن يقترن الرد العسكري بضبط التصعيد والعودة إلى المفاوضات. وفي المقابل، جدَّدت الصين دعوتها إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية واستئناف الحوار السياسي، مع تجنب تحميل أي طرفٍ مسؤولية مباشرة عن انهيار التهدئة. ويعكس هذا التباين اختلافًا في أدوات إدارة الأزمة أكثر منه اختلافًا في أهدافها؛ إذ يلتقي الطرفان عند أولوية منع اتساع الحرب والحفاظ على المسار الدبلوماسي، بينما يختلفان في ترتيب الأولويات والوسائل الكفيلة بإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض.

إجمالًا، تكشف هذه التداعيات أنَّ المشهد الإيراني بعد التصعيد أصبح أكثر تعقيدًا من ذي قبل؛ إذ نجحت القيادة الإيرانية في تحقيق قدرٍ من التماسك السياسي والأمني في المدى القصير، لكنها تواجه في المقابل تحدياتٍ إستراتيجية طويلة الأمد تتعلق بإعادة التوازن بين متطلبات الأمن القومي والاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن إدارة العلاقة بين المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية داخل النظام. ومن ثم، فإنَّ مستقبل الداخل الإيراني لن يتحدد فقط بنتائج المواجهة مع الولايات المتحدة، وإنما بقدرة النظام على تحويل حالة التعبئة المؤقتة إلى مشروع استقرار مستدام يستجيب لمطالب المجتمع ويحافظ في الوقت ذاته على ثوابته الإستراتيجية.

 أما إقليميًا ودوليًا، فإنَّ استمرار التصعيد بين الطرفين يُبقي دول المنطقة في بيئةٍ تتصاعد فيها المخاطر، ويدفع بأمن الطاقة والممرات المائية نحو منطقة الخطر. غير أنَّ الأخطر مما سبق هو أنَّ هذه الجولة من التصعيد لم تترك مساحةً للتهدئة المستقرة، بل أوجدت واقعًا جديدًا تُعاد فيه تعريف قواعد الاشتباك، وتُختبر فيه قدرة الجميع على تحمُّل كلفة المواجهات الممتدة.

رابعًا: اتجاهات ومستقبل التصعيد

مع عودة التصعيد الأمريكي في العمق الإيراني، يبدو أنَّ إدارة ترامب بصدد إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وتدمير البنى التحتية، وفرض معادلاتٍ جديدةٍ في ملف التفاوض المرتبط بالبرنامج النووي، والصواريخ، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، في خطوةٍ لدفع طهران إلى العودة للمفاوضات من موقعٍ أكثر ضعفًا والقبول بشروطٍ جديدة، لكن الرد الإيراني على الهجمات باستهداف القواعد الأمريكية بالمنطقة والتهديد باستهداف الدول الإقليمية،كشف عن استعداد طهران لمواجهةٍ طويلةٍ تقوم على الرد المحسوب، مع الحفاظ على هامشٍ للمفاوضات غير المعلنة، وذلك بهدف رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وإجبارها على وقف التصعيد، ما يجعل المنطقة أمام سيناريوهاتٍ مفتوحة تبدأ من العودة إلى طاولة المفاوضات لكن مع استمرار الضربات الأمريكية، مرورًا بالتوقف التام للحرب وعودة الولايات المتحدة وإيران الى التفاوض، وصولًا إلى سيناريو دخول البلدين في مواجهةٍ مباشرةٍ وحربٍ واسعة النطاق.

  1. السيناريو الأول: العودة إلى المفاوضات مع استمرار الضربات الخاطفة

في هذه الحالة، سيعود البلدان إلى طاولة المفاوضات، لكن تحت خط النار والضربات الخاطفة إلى حين التوصل إلى تفاهماتٍ بين البلدين بشأن القضايا الخلافية، بمعنى أنَّ الولايات المتحدة ستواصل شنّ غاراتها الجوية الموجهة دون الانزلاق إلى حربٍ شاملةٍ أو غزوٍ بري، بهدف تحسين شروطها التفاوضية وتدمير القدرات العسكرية للحرس الثوري. وقد توسِّع الولايات المتحدة من بنك أهدافها لإيقاع المزيد من الخسائر بشرايين الاقتصاد الإيراني، فيما ستحاول إيران الحفاظ على قدرتها على الردع المحدود والمتناسب مع الهجمات الأمريكية لتجنب خروج الوضع عن السيطرة والتفاعل الإيجابي مع المفاوضات ومبادرات الوسطاء على غرار زيارة وزير الداخلية الإيراني لباكستان.

  • السيناريو الثاني: توقف الحرب والعودة إلى التفاوض

في هذا السيناريو قد تنجح الجهود الإقليمية لا سيما من باكستان التي قادت البلدين في 18 يوليو 2026 للتوقيع على مذكرة التفاهم، في إقناع الطرفين مرةً أخرى بوقف الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات لكن بشروطٍ جديدة. يدعم هذا السيناريو، ما نقلته وكالة «رويترز» عن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قوله إنَّ واشنطن لا تزال منفتحةً على حلٍّ دبلوماسي مع إيران، وتأكيده أنَّ طهران ترسل إشاراتٍ برغبتها في التفاوض. بالإضافة لذلك كشف مسؤولون أمريكيون يوم الاثنين 20 يوليو 2026، عن مقترحٍ قدمه وسطاء إقليميون لوقف الحرب لمدة 10 أيام تمهيدًا لفتح مضيق هرمز، وقد تشكل هذه الجهود بدايةً لوقف التصعيد وعودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، وسيكون هذا السيناريو بعد فشل الطرفين في تحقيق نتائج كبيرة عبر الضربات العسكرية، وإدراكهما خطورة مواصلة التصعيد الذي قد يقود لحربٍ شاملة.

  • السيناريو الثالث: مواجهة مباشرة وحرب واسعة النطاق

يستند هذا السيناريو إلى احتمالية تصاعد التوتر وخروجه عن السيطرة بالإضافة إلى إعلان دونالد ترامب عن استعداد بلاده الدخول في مواجهةٍ طويلة الأمد وحرب استنزاف حيث يعتزم البنتاغون إرسال المزيد من مقاتلات F-16 وF-35  وطائرات التزود بالوقود جوًا إلى الشرق الأوسط، في خطوةٍ تشير إلى استعداد واشنطن لمواصلة أو توسيع عملياتها الجوية ضد طهران، واتساع رقعة الضربات الأمريكية في إيران لتشمل أهداف إيران الإستراتيجية، وبنيتها التحتية للطاقة، ومنشآتها النووية. أما إيران فقد هدَّدت باستهداف البنية التحتية للطاقة والموانئ في دول الخليج، محذرةً من أنها ستوسع دائرة الرد لتشمل محطات توليد الكهرباء، وتحلية المياه، والمطارات التجارية الرئيسية، في حال تعرضت بنيتها التحتية لأي هجماتٍ عسكرية من قِبل الولايات المتحدة. ويتضمن هذا السيناريو استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، ومواجهة عسكرية مباشرة عبر إنزالٍ بري أمريكي على الجزر المطلة على مضيق هرمز، مع احتمال دخول أطرافٍ إقليميةٍ إضافية إلى المواجهة إذا استمر التصعيد. يدعم هذا السيناريو مقربون من ترامب وكذلك إسرائيل، حيث يرون أنَّ إيران لن تقبل بحلولٍ وسط وأنَّ مذكرة التفاهم الموقعة في 18 يونيو الماضي كانت بمثابة انتصارٍ كبير لها وتخبطٍ في السياسة الخارجية الأمريكية، وفي المقابل تصريحات القادة الإيرانيين التي ترفض أن تبقى الحرب في دائرة الاستنزاف وسعيهم للعودة إلى التفاوض أو الحرب الشاملة.

وفي ضوء المعطيات الراهنة للتصعيد الأمريكي- الإيراني، وظهور مؤشراتٍ على رغبة البلدين في عدم الانزلاق إلى حربٍ شاملة، يمكن ترجيح سيناريو التفاوض تحت النار(السيناريو الأول). فالولايات المتحدة ترسل إشاراتٍ تؤكد على رغبتها في ضبط مسارات التفاوض عبر إضعاف النظام وإجباره على تقديم تنازلاتٍ وليس الدخول في حربٍ شاملة معه، أما إيران، فقد أعلنت صراحةً على لسان المتحدث باسم خارجيتها إسماعيل بقائي أنَّها تلقت خلال الأيام الأخيرة رسائل عبر وسطاء المفاوضات مع الولايات المتحدة، لكن طهران ستواصل مساري الحرب والدبلوماسية بما يخدم مصالحها الوطنية، أما وزير الخارجية عباس عراقجي فقد أكَّد بأنَّ طهران تقيّم باستمرار ما إذا كان تواصل القتال سيحقِّق مكاسب إضافية أم سيؤدي إلى خسائر أكبر.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير