اختتمت إيران في 9 يوليو 2026 مراسم التشييع الرسمية، التي استمرت ستة أيام للمرشد الأعلى علي خامنئي الذي استهدف خلال الحرب، بدفنه في مشهد، وسط مشاركة مئات الآلاف من أنصار النظام في مواكب رفعت شعارات مناهضة للولايات المتحدة، ودعت إلى الثأر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتزامنت مراسم التشييع مع تصعيد عسكري جديد؛ إذ هاجم الحرس الثوري الإيراني سفنًا تجارية على مسار الملاحة العُماني لفرض سيطرة طهران على مضيق هرمز، مما دفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ أوسع حملة جوية ضد أهداف عسكرية إيرانية منذ توقيع مذكرة التفاهم قبل شهر تقريبًا. وفي 12 يوليو، وسّعت إيران نطاق المواجهة بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه البحرين وقطر والكويت وعمان والأردن، بعد ساعات فقط من الجولة الثالثة من الضربات الأمريكية. أظهرت هذه التطورات أن تشييع خامنئي لم يوقف دوامة التصعيد العسكري المتسارعة.
ولذلك، لم يكن التشييع الفصل الأخير لإرث علي خامنئي الممتد لـ 37 عامًا فحسب، بل مثّل بداية مرحلة جديدة يكتنفها الغموض، تجد فيها القيادة الإيرانية نفسها أمام سؤال مصيري: هل تعزز الجمهورية الايرانية موقعها عبر تبني نهج براغماتي يركز على الاستقرار الاقتصادي، أم تصعّد المواجهة للحفاظ على هويتها الثورية؟ والأرجح أنها لن تختار أحد الخيارين دون الآخر، بل ستواصل – كما فعلت طوال تاريخها – الجمع بين المسارين في آن واحد.
ورأى كثيرون خارج إيران أن الحشود الضخمة التي ملأت شوارع قم وطهران ومشهد، دليل على نجاح النظام في تجاوز أزمة خلافة المرشد. غير أن هذه المراسم كشفت في المقام الأول عن قدرة الدولة الإيرانية الاستثنائية على التنظيم والحشد. فعلى مدى عقود، طورت إيران آليات فعالة للتعبئة الجماهيرية عبر مؤسسات الدولة والمنظمات الدينية وشبكات النقل الواسعة، ونقلت آلاف الحافلات المشاركين في مراسم التشييع من مختلف أنحاء البلاد، كما عزز حضور الزوار القادمين من العراق وباكستان والهند وآسيا الوسطى الطابع العابر للحدود للمراسم. وبذلك، أبرز التشييع قدرة النظام على صناعة مشهد يوحي بالوحدة السياسية، أكثر مما عكس مستوى التأييد الشعبي التلقائي.
وكانت الرسالة الأساسية لهذه المراسم موجهة إلى الداخل أكثر من الخارج. فبعد اغتيال علي خامنئي، احتاجت السلطات إلى طمأنة أنصارها بأن الدولة لا تزال متماسكة، وتحوّل التشييع إلى استعراض للاستمرارية السياسية، لتأكيد أن مؤسسات الثورة – وليس قادتها فحسب – ستبقى قائمة. لكن خلف هذا المشهد المنظم بعناية، يدور نقاش إستراتيجي مهم داخل أروقة السلطة الإيرانية.
إذ يرى تيار براغماتي أن بقاء النظام على المدى البعيديتوقف قبل كل شيء على استقرار الاقتصاد. ومن هذا المنطلق، يكتسب الحفاظ على صادرات النفط وكبح التضخم واستعادة قدر من الاستقرار الاقتصادي، أهمية أكبر من الانتقام العسكري الفوري. ويعتقد هذا التيار أن أفضل رد على واشنطن يتمثل في ضمان استمرار الجمهورية الإيرانية وبقائها رغم الضغوط الخارجية غير المسبوقة.
في المقابل، يتبنى تيار آخر رؤية معاكسة تمامًا، فشخصيات نافذة داخل الحرس الثوري ومؤسسات أمنية أخرى، ترى أن اغتيال علي خامنئي غيّر موازين القوى في المنطقة بصورة جذرية، وأن الامتناع عن رد حاسم سيشجع على محاولات جديدة لاستهداف رأس القيادة الإيرانية. ومن ثم، لا يمثل التصعيد الإقليمي مجرد انتقام، بل يشكل أداة ردع لمنع هجمات مستقبلية.
وتفسر هاتان الرؤيتان المتنافستان ما يبدو من تناقض في السياسة الإيرانية، فطهران تتفاوض وتُصعد في الوقت نفسه، وتهدد وتساوم، وتهاجم الدبلوماسية بينما تمارسها في آن واحد. وقد ظل هذا الغموض الإستراتيجي أحد أبرز سمات الجمهورية الايرانية.
وتجسد الضربات الأمريكية الأخيرة هذا النهج بوضوح، فعلى الرغم من أن بعض الضربات الرمزية استهدفت جسورًاللسكك الحديدية على الطريق المؤدي إلى مشهد حيث دُفن علي خامنئي، إلا أن العملية لم ترتبط مباشرة بمراسم التشييع نفسها، بل جاءت امتدادًا للمواجهة العسكرية الأوسع، فقد أعقبت تجدد التوتر في مضيق هرمز بعدما استهدفت القوات الإيرانية سفنًا كانت تعبر المياه الإقليمية العُمانية. وسعت طهران من خلال ذلك إلى منع ظهور مسارات بحرية بديلة تقلص من نفوذها الإستراتيجي، والحفاظ على مضيق هرمز بوصفه أهم أوراقها الإقليمية.
ويقع في صميم هذا الخلاف البند الخامس من مذكرة التفاهم، التي أبرمتها طهران وواشنطن عقب الحرب التي استمرت أربعين يومًا. فالولايات المتحدة تعد استعادة حرية الملاحة الكاملة في مضيق هرمز أحد أبرز إنجازات الاتفاق، بينما تؤكد إيران أن المذكرة لا تمنعها من فرض إجراءات أمنية في المياه المحيطة إذا رأت أن مصالحها العسكرية مهددة.
ويكشف هذا الخلاف أن مذكرة التفاهم ليست اتفاق سلام حقيقيًا، بل هدنة هشة تقوم على تفسيرات متباينة لبنودها، فهي لم تنه المواجهة، وإنما نقلت المنافسة من ساحة القتال إلى ميدان التفسير القانوني والضغط العسكري المحسوب.
كما سيتوقف مستقبل الاتفاق على طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. ويبدو أن ترامب أصبح أكثر ميلًا إلى تهدئة المنطقة بعد أشهر من المواجهات العسكرية المكلفة، إذ تركز إدارته على حماية التجارة البحرية ومنع اندلاع حرب جديدة طويلة في الشرق الأوسط، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أدوات الضغط الأمريكية على طهران.
لكن أولويات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا تتطابق إلا جزئيًا مع هذه الرؤية. فما تزال إسرائيل تنظر بريبةإلى أي ترتيب يسمح لإيران بالتعافي اقتصاديًا مع احتفاظها بقدرات عسكرية كبيرة. لذلك، قد تحاول طهران استغلال أي تباينات تكتيكية بين واشنطن وتل أبيب دون أن تغير نهجها الإستراتيجي. وفي المقابل، قد تؤدي أي زيادة في الهجمات على الملاحة الدولية أو القوات الأمريكية، إلى إعادة توحيد موقفي الولايات المتحدة وإسرائيل بسرعة.
وخلال مراسم التشييع، غاب المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي نجل علي خامنئي وخليفته عن الظهور العلني، مما أثار تكهنات واسعة بشأن حالته الصحية ومدى قدرته على ترسيخ سلطته. وانتشرت الشائعات إلى درجة دفعت الحرس الثوري إلى نشر صورة رسمية جديدة له عبر مكتب المرشد الأعلى، مؤكدًا أنه يتمتع بـ”صحة كاملة“. وعكست هذه الحملة الإعلامية إدراك السلطات أن أي غموض يحيط بالزعيم الجديد قد يقوض سريعًا الانطباع القائم حول استقرار النظام.
لكن نشر صورة لا يحل المعضلة السياسية الأعمق، فمجتبى خامنئي ورث مؤسسات الدولة، وليس المكانة التي صنعها والده. فقد أمضى علي خامنئي نحو أربعة عقود في ترسيخ شرعيته الدينية ونفوذه السياسي وسيطرته الشخصية على الأجهزة الأمنية. ومن المفارقات أنه كان يُنظر إليه هو الآخر عند توليه المنصب عام 1989، عقب وفاة روح الله الخميني باعتباره خليفة ضعيفًا نسبيًا، قبل أن يرسخ سلطته تدريجيًا مع الوقت.
أما اليوم، فتواجه القيادة الإيرانية ظروفًا أكثر تعقيدًا بكثير. فعلى خلاف عام 1989، تعمل القيادة تحت تهديد دائم بضربات أمريكية وإسرائيلية تستهدف رأسها. وتفرض الاعتبارات الأمنية قيودًا على الظهور العلني لشخصيات النظام، مما يصعّب بناء قيادة ذات حضور كاريزمي. ولهذا، يُرجح أن يعتمد مجتبى خامنئي على المؤسسات الجماعية، ولا سيما الحرس الثوري، بدرجة أكبر مما اعتمد عليها والده.
ويعكس أول خطاب علني مهم له بعد التشييع هذا التوازن بين الاستمرارية والتصعيد. فعلى الرغم من أن البيان حمل تاريخ 9 يوليو – يوم دفن علي خامنئي – فإن السلطات نشرته بعد انتهاء مراسم التشييع، لإطالة الزخم العاطفي الذي ولدته فترة الحداد الوطني. ولم يقدم مجتبى خامنئي في خطابه خارطة طريق سياسية، بل جعل من لغة الثأر محورًا لقيادته.
وتعهد بالانتقام ”للدماء الطاهرة“ لوالده ولكل من قُتل في الحروب الأخيرة، مؤكدًا أن الرد سيأتي سواء بقي هو أو غيره في مناصبهم أم غادروها.
وفي الوقت نفسه، بدأ عدد من الأصوات البارزة داخل التيار ”المحافظ“ يركز على تعزيز صمود الاقتصاد بدلًا من التعويل على انفراج دبلوماسي مع واشنطن. ولم يعد كثير من ”المحافظين“ المؤثرين يفترضون أن الحوار مع الولايات المتحدة سيقود سريعًا إلى انتعاش اقتصادي، بل يدعون إلى التكيف الدائم مع العقوباتوالحد من آثاره، عبر إصلاحات هيكلية وتعزيز الاعتماد على الذات اقتصاديًا.
ويبرز هذا النقاش المفارقة التي ترسم ملامح إيران ما بعد خامنئي، إذ لم تعد الشعارات الثورية والواقعية الاقتصادية خيارين متعارضين، بل أصبحتا ركيزتين متكاملتين في إستراتيجية بقاء النظام.
وفي المحصلة، لا ينبغي النظر إلى تشييع علي خامنئي بوصفه بداية مرحلة اعتدال أو انطلاقة نحو تطرف غير منضبط، بل باعتباره افتتاحًا لمرحلة جديدة تتسم بقيادة أكثر جماعية، واعتماد أكبر على المؤسسة الأمنية، وتوازن أكثر تعقيدًا بين الشرعية الأيديولوجية ومتطلبات الاقتصاد.
وتدخل إيران مرحلة ما بعد خامنئي وهي أضعف مما كانت عليه، لكنها ليست بالضرورة أقل قدرة على الصمود. ومن المرجح أن تواصل اختبار حدود مذكرة التفاهم، وأن تحافظ على ضغوط عسكرية محسوبة في مضيق هرمز، مع تجنب حرب إقليمية قد تهدد بقاء النظام نفسه. وفي الوقت ذاته، ستواصل التكيف مع الضغوط الاقتصادية دون التخلي عن هويتها الثورية.
وعليه، لا يكمن السؤال الأساسي فيما إذا كانت إيران ستختار البراغماتية أم التصعيد، بل فيما إذا كانت ستنجح في مواصلة الجمع بين النهجين كما فعلت خلال معظم العقود الأربعة الماضية. فهذا التوازن الدقيق -أكثر من الأيديولوجيا أو القوة العسكرية وحدهما- هو الذي سيُحدد مسار إيران في مرحلة ما بعد خامنئي.