الحكومة العراقية الجديدة وتحديات مكافحة الفساد

https://rasanah-iiis.org/?p=39242

أطلقت الحكومة العراقية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي مؤخرًا عملية ”الفجر“، التي نفذت بموجبها سلسلة مداهمات لمكافحة الفساد داخل المنطقة الخضراء في بغداد. وسرعان ما تصدرت هذه الحملة المشهد السياسي، بعدما استهدفت عددًا من الوزراء السابقين وأعضاء مجلس النواب وكبار البيروقراطيين والمسؤولين الحكوميين. وبينما حظيت الحملة بدعم عدد من الكتل السياسية، واجهت أيضًا انتقادات من أطراف أخرى. ومع ذلك، لا يزال من المبكر الحكم على ما إذا كانت ستمثل تحولًا حقيقيًا عن المحاولات السابقة، ولا سيما أن الفساد في العراق أصبح ظاهرة مؤسسية ومتجذرة في بنية الدولة.

ووفقًا لمجلس القضاء الأعلى العراقي، تسعى الحملة إلى تحقيق هدفين رئيسين: محاسبة المتورطين في قضايا الفساد المالي والإداري، واسترداد الأموال والأصول المنهوبة. وأعلن القضاء العراقي مؤخرًا عزمه تطبيق آلية للتسويات المشروطة، بهدف استعادة الأموال المرتبطة بقضايا الفساد. وحتى الآن، أوقفت السلطات عشرات المسؤولين الحكوميين والمستشارين وأعضاء مجلس النواب، كما استعادت أصولًا تتجاوز قيمتها 250 مليون دولار، شملت مبالغ نقدية وذهبًا وعقارات ومركبات. ومن بين الموقوفين وكيل وزير النفط لشؤون التوزيع علي معارج، ووكيل وزير النفط السابق عدنان الجميلي. كما تلاحق السلطات النائب حسين مؤنس المنتمي إلى كتلة حقوق، الذراع السياسية المرتبطة بكتائب حزب الله المدعومة من إيران، والنائب علاء سكر من تحالف الإعمار والتنمية، بعدما أفادت تقارير بأنهما تمكنا من الإفلات من الاعتقال. وتتوقع السلطات تنفيذ مزيد من الاعتقالات ومصادرة مزيد من الأصول مع اتساع نطاق الحملة.

وتواجه الحكومة الحالية مجموعة من التحديات البنيوية والسياسية، التي تعرقل جهودها في مكافحة الفساد. أولًا، يتمثل أحد أكثر التحديات استعصاءً في إصلاح النظام السياسي الذي ترسخ فيه الفساد بوصفه جزءًا من بنيته المؤسسية، فقد ارتبط الاقتصاد السياسي العراقي ارتباطًا وثيقًا بنظام المحاصصة الطائفية الذي نشأ عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. ورغم أن هذا النظام صُمم نظريًا لضمان تمثيل عادل لمختلف المكونات، إلا أنه تحول عمليًا إلى آلية لتقاسم المناصب الحكومية والوزارات والمناصب العليا على أساس الحصص السياسية. ونتيجة لذلك، أصبحت العقود الحكومية والمشتريات العامة تُستخدم في كثير من الأحيان لمكافأة الحلفاء السياسيين، مما جعلها ركيزة أساسية للحفاظ على التحالفات السياسية. كما مهد هذا الواقع الطريق لترسيخ الفساد داخل مؤسسات الدولة. ولذلك، ظل العراق يصنف باستمرار ضمن أكثر دول العالم فسادًا في مؤشر مدركات الفساد (CP[). ففي نسخة عام 2025، حصل على 28 نقطة من أصل 100، وجاء في المرتبة 136 عالميًا. وعلى الرغم من تدفق مليارات الدولارات إلى البلاد عبر عائدات النفط خلال العقدين الماضيين، إلا أن الخدمات العامة والبنية التحتية وكفاءة المؤسسات لم تشهد تحسنًا يوازي تلك الإيرادات.

ثانيًا، غالبًا ما تصطدم أي محاولة جادة لمكافحة الفساد بعقبات سياسية داخلية تعقد المشهد السياسي وتهدد الاستقرار. فكثيرًا ما تنظر قوى المعارضة إلى التحقيقات واتهامات الفساد بوصفها أدوات لتصفية الحسابات السياسية، وهو ما يقوض فرص حشد تأييد واسع للحملة. كما أن الحكومات العراقية المتعاقبة – رغم إطلاقها مبادرات طموحة لمكافحة الفساد – لم تتمكن من معالجة هذه الظاهرة المتجذرة بصورة فعالة. واليوم، يواجه الزيدي المأزق ذاته؛ إذ يتعين عليه إظهار الإرادة السياسية والقدرة على المضي في التحقيقات، حتى عندما تطال قيادات بارزة من مختلف القوى السياسية. وأي تراجع عن ذلك سيضعف مصداقية الحملة ويغذي الاتهامات بأنها تستهدف خصومًا سياسيين دون غيرهم.

ثالثًا، لا تزال الجماعات المسلحة وعلاقاتها بإيران تمثل إحدى أبرز العقبات أمام مكافحة الفساد. فالكثير من هذه الفصائل يمتلك شبكات اقتصادية واسعة، ويمارس نفوذًا مباشرًا على مؤسسات الدولة والمعابر الحدودية والمنافذ الجمركية، مما يفاقم ضعف الحوكمة. وقد عززت الفصائل المنضوية في الحشد الشعبي والمدعومة من إيران – مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة حزب الله النجباء ومنظمة بدر – نفوذها تدريجيًا على أهم المعابر الحدودية بين العراق وإيران. وتشير تقارير إلى أن هذا النفوذ أتاح التهرب من الرسوم الجمركية عبر ترهيب موظفي المنافذ الحدودية، الأمر الذي هيأ بيئة ملائمة لاختلاس الأموال وغيرها من ممارسات الفساد. وتزداد خطورة هذه الظاهرة لأنها توفر أيضًا وسيلة تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات الأمريكية، وهو ما يثير قلق واشنطن ويضعف ثقتها في التزام بغداد بمسار الإصلاح والمساءلة. ومع توجه الحكومة الجديدة إلى توسيع التعاون الاقتصادي والطاقي مع الولايات المتحدة، ستحتاج بغداد إلى اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لمعالجة هذه المشكلة. كذلك، سيجد الزيدي نفسه أمام تحدي استعادة ثقة المستثمرين الأجانب، بعدما أدى سجل العراق الطويل في قضايا الفساد – ولا سيما في قطاع الطاقة – إلى تقويض مصداقيته الاستثمارية، ومن غير المرجح أن تؤدي التحقيقات المحدودة وحدها إلى تعزيز ثقة المستثمرين ما لم تترافق مع إصلاحات مؤسسية مستدامة تحسن بيئة الأعمال بصورة شاملة.

رابعًا، لا يزال ضعف المؤسسات وغياب الشفافية والمساءلة يقوضان جهود مكافحة الفساد في العراق، فقد سمح ضعف استقلال القضاء وقصور آليات إنفاذ القانون لشبكات الفساد بالعمل دون محاسبة، الأمر الذي أدى إلى تآكل ثقة الشارع في مؤسسات الدولة. ووفقًا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فُقد نحو 20% من الأموال العامة في العراق بسبب الفساد، كما صرح الممثل المقيم للبرنامج في العراق تيتون ميترا بأن ما بين 150 و450 مليار دولار من الأصول ربما نُقلت إلى الخارج أو أُخفيت داخل العراق، وهو ما يجعل استعادتها شديدة الصعوبة، بل مستحيلة في بعض الحالات. وجاءت احتجاجات تشرين عام 2019 انعكاسًا مباشرًا لحالة السخط الشعبي المتراكمة تجاه الفساد المزمن وفشل منظومة الحكم، إلا أنها لم تحقق نتائج ملموسة، الأمر الذي يعكس حجم العوائق الهيكلية أمام الإصلاح في العراق. ومن ثم، فإن تحقيق أي تقدم حقيقي يتطلب إصلاحات شاملة، إلى جانب بناء مؤسسات قوية تعمل باستقلال تام عن التدخلات السياسية. كما يستلزم ذلك تخطيطًا بعيد الأمد، ودعمًا محليًا وإقليميًا ودوليًا متواصلًا.

خامسًا، لن يكون من السهل توسيع جهود مكافحة الفساد خارج بغداد، حتى مع دعم الحكومات المحلية، لأن شبكات الفساد في العراق تربط بين المحافظين والمسؤولين المحليين والقيادات العشائرية ودوائر الأعمال. ولذلك، لن تنجح الإصلاحات التي تُنفذ على المستوى المركزي ما لم تُدعم بآليات تنفيذ ورقابة فعالة في المحافظات ومؤسسات الحكم المحلي.

وعلى ضوء هذه المعطيات، سيضطر الزيدي إلى تحقيق توازن دقيق بين مجموعة من الأولويات، فتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة والحفاظ على دعمها يظل عنصرًا أساسيًا في تعافي الاقتصاد العراقي. وقد وافقت بغداد مؤخرًا على تشديد الرقابة على معاملات الدولار الأمريكي، للحد من التدفقات المالية غير المشروعة إلى إيران والفصائل الموالية لها، مقابل استئناف واشنطن شحنات العملة الأمريكية التي علقتها خلال الحرب مع إيران. وأثار توقيت إطلاق حملة مكافحة الفساد – الذي سبق زيارة الزيدي إلى واشنطن  – تساؤلات حول ما إذا كانت تهدف أيضًا إلى تعزيز موقع العراق في المباحثات مع الإدارة الأمريكية بشأن التعاون الاقتصادي الثنائي والحد من النفوذ الإيراني داخل العراق.

وفي المحصلة، لن يُقاس نجاح حملة الحكومة الجديدة لمكافحة الفساد بعدد الاعتقالات أو الأموال المستردة، بل بقدرتها على إحداث إصلاحات مؤسسية بعيدة الأمد. ويتوقف تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة على الحد من نفوذ النخب السياسية، وتعزيز الآليات المؤسسية التي تمنع إساءة استخدام السلطة. وهذا تحدٍ يتجاوز بكثير ملاحقة أفراد متورطين في الفساد. وحتى الآن، نجح الزيدي في فتح نافذة سياسية للإصلاح، لكن الحفاظ على هذا الزخم سيعتمد في نهاية المطاف على قدرته على معالجة الاختلالات البنيوية، التي جعلت الفساد جزءًا طبيعيًا من المشهد السياسي والإداري في العراق.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير