تعكس موجة الاحتجاجات التي تنتشر في أنحاء أوروبا خلال خريف 2026 تراكُم ضغوط متشابكة تطال مستويات المعيشة وجودة الخدمات العامة والثقة في المؤسسات السياسية، فقد تحوّلت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا إلى مراكز بارزة للحراك الشعبي رغم أن دوافع كل حركة انطلقت من شكاوى مختلفة، ففي فرنسا خرج الطلاب احتجاجًا على تدهور ظروف التعليم وفي إسبانيا طالب المتظاهرون بتوفير السكن الميسّر أما في إيطاليا فقد امتزجت المطالب التعليمية بالاعتراض على سياسات الحكومة وارتفاع أسعار الوقود، ولا ينبغي النظر إلى هذه التحركات باعتبارها انتفاضة موحّدة ذات قيادة مشتركة بل تكمن أهميتها في الروابط التي تجمع بين أزماتها الوطنية: فالمشكلات التي كانت تُعالج سابقًا كقضايا منفصلة باتت تُفهم اليوم بوصفها أعراضًا لعجز الحكومات عن حماية أمن الحياة اليومية للمواطنين.
وتتداخل هذه الأزمات مع سياق جيوسياسي أوسع، إذ تُفاقم الحربان في أوكرانيا وإيران هشاشاتٍ بنيوية قائمة منذ سنوات وتزيد مخاطر التضخم عبر اضطراب إمدادات الطاقة والتجارة العالمية، كما تضغط مستويات الدّين العام المتصاعدة – خصوصًا في فرنسا وإيطاليا – على قدرة الحكومات على المناورة المالية، وفي الوقت نفسه، تُثقل الشيخوخة الديموغرافية كاهل المالية العامة، ما يعزز لدى الأجيال الشابة شعورًا بأن الإنفاق العام يُوجَّه نحو معاشات التقاعد على حساب الاستثمار في التعليم والسكن ومستقبلهم، وتعمل هذه الضغوط مجتمعة على تعميق السخط الداخلي وتفاقم التوترات بين الأجيال حول كيفية توزيع الموارد وأي مستقبل تهتم به الحكومات فعليًا.
وتُجسّد فرنسا كيف يمكن لنزاع قطاعي أن يتحول إلى مواجهة أوسع حول العقد الاجتماعي، فمنذ سبتمبر بدأت الاحتجاجات بسبب نقص المعلمين واكتظاظ الصفوف وتردي المرافق وصعوبات القبول الجامعي، لكنها سرعان ما جذبت دعمًا يتجاوز المدارس الثانوية، فقد أدرك أولياء الأمور والمعلمون والطلاب والعمال أن هذه المخاوف تتجاوز حدود التعليم، وأظهرت تقارير أوائل أكتوبر مطالب بإضافة موظفين وتقليص أعداد الطلاب في الصفوف وإصلاح نظام باركورسوب (منصة القبول الجامعي الفرنسية) إلى جانب غضب متزايد من أساليب الشرطة، وأصبح التعليم نقطة تجمّع لأنه يربط بين الظروف اليومية والفرص المستقبلية: فالمدرسة المحرومة من الموارد تمثل في آن واحد معاناةً يومية وتحذيرًا من تقلّص إمكانية التقدم الاجتماعي.
ومثّلت مظاهرات 17 أكتوبر توسعًا إضافيًا للحراك، فقد أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية مشاركة نحو 550 ألف شخص، مقارنة بـ287 ألفًا في ذروة احتجاجات السترات الصفراء، بينما قدّر المنظمون العدد بـ800 ألف مشارك، وسار الطلاب إلى جانب النقابات ونشطاء السترات الصفراء احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة، ورغم أن معظم التحركات كانت سلمية إلا أن أعمال عنف ونهب وحرق قد طالت عدة مدن، وهذه الفوارق مهمة، فتصوير الحركة بأكملها من خلال أكثر لحظاتها عنفًا يُغفل جذورها الاجتماعية، بينما يقلل تجاهل الهجمات على المتاجر والمباني العامة من حجم الأضرار التي لحقت بالمجتمعات المحلية ومن التحديات التي تواجه السلطات في حماية المتظاهرين والسكان.
وتُظهر تنازلات الحكومة الفرنسية فعالية الاحتجاج وحدودها في الوقت نفسه، فقد شملت الإجراءات المعلنة في أواخر أكتوبر تحديد أحجام الصفوف وتمويلًا لتجديد المدارس وتعديلات على نظام القبول الجامعي، ولكن المعلمين وممثلي الطلاب شككوا في قدرة هذه الالتزامات على معالجة نقص الكوادر التعليمية وعدم المساواة البنيوي، وسيُموَّل هذا البرنامج عبر تخفيضات في مجالات أخرى، ما يبرز المعضلة المالية المركزية: فالتنازل لقطاع عام قد يخلق استياءً في قطاع آخر، كما أن الوعود الممتدة إلى ما بعد العام الدراسي الحالي لا تكفي لاستعادة ثقة الطلاب الذين يقيمون أداء الحكومة من خلال المعلمين والصفوف والفرص المتاحة لهم اليوم.
وتُضيف شدة الاحتجاجات في فرنسا ضغطًا متزايدًا على قدرة السلطات على الحفاظ على النظام العام ما يضفي بُعدًا أمنيًا على حالة السخط الاجتماعي الأوسع في أوروبا، فقد احتُجز أكثر من 6,800 شخص خلال أقل من شهر وأصيب أكثر من 1,000 شرطي ودركي خلال ثلاثة أسابيع، ويحذّر فريديريك لوز الأمين العام لنقابة مفوضي الشرطة الوطنية من أن نشر ما بين 60 و70 ألف عنصر كل عطلة أسبوعية لا يمكن استمراره دون الإضرار بالراحة والتدريب والجاهزية العملياتية، فالتعب الناتج عن التعبئة الطويلة يقلل من القدرة على أداء مهام الشرطة الروتينية بينما تزيد الاحتياجات في الأقاليم الفرنسية ما وراء البحار من الضغط على الموارد، كما تُعقّد البنية اللامركزية للحراك واستخدام الرسائل المشفرة جهود التنبؤ بالتحركات، وتؤكد هذه الضغوط الحاجة إلى استجابة سياسية قادرة على معالجة السخط الاجتماعي وحماية الاحتجاج السلمي ومنع العنف، ووفقًا لغرفة التجارة والصناعة (CCI)، فقد تعرض 2,488 متجرًا للتخريب خلال مظاهرات 17 أكتوبر من بينها 1,161 متجرًا تعرض لأضرار جسيمة شملت نهبًا وتدميرًا أو حرقًا بينما لحقت أضرار طفيفة بـ993 متجرًا، وكانت متاجر السلع الفاخرة والملابس من أبرز الأهداف إلى جانب محلات السجائر والنبيذ، كما طالت الأضرار بعض المتاجر الكبرى ومحلات الأغذية العضوية.
وفي حين أبرزت احتجاجات فرنسا صعوبة معالجة السخط الاجتماعي وسط اضطرابات واسعة، شهدت إسبانيا موجة من الاحتجاجات السكنية عقب إخلاء ماريا ديل كارمن أباسكال المعروفة باسم ماريكارمن في 23 سبتمبر 2026، فقد نشأت التعبئة الإسبانية أساسًا من انعدام الأمن السكني، وحوّل إخلاء أباسكال تجربة فردية إلى رمز سياسي وطني، ثم زاد موتها في أكتوبر من غضب الرأي العام، وبعد رفض البرلمان مقترحات الحكومة المتعلقة بالسكن، دعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى انتخابات في 29 نوفمبر 2026، وكشف هذا الحدث عن الفجوة بين الاعتراف الشعبي بأزمة السكن وبين قدرة المؤسسات على تقديم استجابة متفق عليها، كما أظهر كيف يمكن لقصة شخصية أن تمنح رؤية واضحة لضغوط تؤثر بالفعل على عدد كبير من الأسر.
يمتلك السكن قدرة تعبئة سياسية واجتماعية لأنه يربط بين الأجيال عبر أشكال متباينة من الهشاشة، فالشباب يجدون صعوبة في مغادرة منازل أسرهم أو تأمين سكن قريب من أماكن العمل أو متابعة دراستهم الجامعية، أما المستأجرون الأكبر سنًا فيخشون فقدان منازل عاشوا فيها طويلًا مع تغيّر الملكية أو ارتفاع الإيجارات، وحتى الأسر العاملة يمكن أن تواجه انعدام الأمن السكني عندما يلتهم السكن جزءًا متزايدًا من دخلها، وتُقوّض هذه الضغوط الافتراض القائل إن التعليم والعمل يؤديان تلقائيًا إلى الاستقلالية كما تُعقّد مقاييس النجاح الاقتصادي التقليدية: فالنمو وخلق الوظائف لا يقدمان ضمانًا كافيًا عندما يعجز الناس عن الحصول على سكن مستقر في المناطق التي تتركز فيها الفرص.
ويعكس استمرار الاعتصام في ساحة بويرتا ديل سول في مدريد هذا الإحباط الأوسع، فمثل هذه الاعتصامات تُحوّل انعدام الأمن السكني إلى حضور مرئي ودائم في الفضاء العام، وتكمن قوتها السياسية في الاستمرارية وسهولة الوصول إليها بينما تكمن هشاشتها في صعوبة تحويل مطالب متنوعة إلى مسار تفاوضي قابل للتحقيق، وقد تُضخّم المنافسة الانتخابية المقترحات المتعلقة بالسكن ولكن تغيير الحكومات لا يمكنه معالجة النقص المزمن، أو المسؤوليات المتداخلة أو الخلافات حول حماية المستأجرين والاستثمار والتوازن المناسب بين التنظيم والبناء في وقت قصير.
وفي حين يهيمن السكن على الجدل الانتخابي في إسبانيا، تجمع احتجاجات الطلاب في إيطاليا بين السخط المتعلق بالتعليم وتكاليف المعيشة وأولويات الإنفاق الحكومي، فقد شهد يوم 16 أكتوبر 2026 مظاهرات واسعة تحت شعار “يوم لا ميلوني” طالبت بزيادة الاستثمار في التعليم العام ونددت بتدهور مرافق المدارس وعارضت القيود المفروضة على الطلاب الأجانب والإصلاحات الخاصة بالتعليم الفني والمهني، كما احتج المشاركون على ارتفاع تكاليف المعيشة والإنفاق العسكري وأعرب بعضهم عن تضامنهم مع فلسطين، وهكذا جمع الحراك بين مطالب مادية ومعارضة لسياسات الحكومة التعليمية والأمنية، وقد صيغت الدعوات لتمويل المدارس بدلًا من الأسلحة بوصفها صراعًا على الأولويات السياسية، دون إثبات أن الإنفاق الدفاعي هو السبب المباشر لنقص الموارد التعليمية، ولكن بالنسبة للمشاركين يصبح الإنفاق العسكري قضية خلافية عندما يُقارن بتدهور مرافق التعليم.
وبالتوازي مع تعبئة الطلاب كشفت احتجاجات قطاعي النقل والزراعة هشاشة إيطاليا أمام ارتفاع أسعار الوقود، فقد عطّل تحرك سائقي الشاحنات إنتاج الغذاء وتسليمه في الجنوب ما أثر على مصانع الألبان والمعكرونة والمنتجين الزراعيين، وأفادت صحيفة فايننشال تايمز بحدوث توقف في الإنتاج ونقص في السلع، إلى جانب عروض حكومية لدعم تكاليف الديزل، وتُظهر هذه الاضطرابات كيف تتحول صدمة الطاقة إلى أزمة اقتصادية أوسع: فارتفاع تكاليف التشغيل يهدد أعمال النقل، والاعتصامات تعطل عمليات التسليم، والمنتجون يخسرون الدخل، والمستهلكون يواجهون نقصًا في السلع، ويمكن للاحتجاج أن ينقل معاناة اقتصادية حقيقية، لكنه قد يزيد في الوقت نفسه من سوء الظروف بالنسبة لفئات أخرى قد تكون ضرورية لاستمرار حركة احتجاجية واسعة.
وتُظهر البرتغال واليونان أن الضغوط تتجاوز المراكز الكبرى للاحتجاج في أوروبا، فقد تبادل نشطاء السكن في البرتغال استراتيجيات مع نظرائهم في إسبانيا، بينما تشير النقاشات حول تعبئة منسقة إلى إمكانية تحول التضامن العابر للحدود إلى تعاون تنظيمي، وفي اليونان احتج الطلاب والمعلمون على تكاليف المعيشة ونفقات السكن وضعف الاستثمار في التعليم، وتُعزز هذه الحالات صلة مركزية: فالحصول على التعليم يعتمد بشكل متزايد على القدرة على الحصول على السكن، فالمقعد الجامعي لا يوفر فرصة عملية إذا كان السكن غير متاح أو باهظ التكلفة، وبالمثل قد لا تكفي المساعدات المالية المحدودة لطمأنة الطلاب عندما تصل متأخرة أو تغطي جزءًا ضئيلًا من نفقاتهم.
وفي أماكن أخرى من أوروبا، تركزت الاحتجاجات حول قضايا وطنية محددة: سياسات التعليم والميزانية في بلجيكا وسياسات الخدمة العسكرية في ألمانيا وقضايا الحوكمة والفساد في ألبانيا وصربيا، وتختلف هذه التحركات في مطالبها وسياقاتها المؤسسية، ورغم أن المشاركين قد يعبرون عن تضامن عابر للحدود، فإن ذلك لا يعني بالضرورة وجود أهداف مشتركة أو برنامج سياسي موحد، وتربط الحربان في أوكرانيا وإيران بين التوترات الاجتماعية في أوروبا وهشاشتها الطاقية، فقد أعاد الغزو الروسي لأوكرانيا ومساعي أوروبا لتقليل اعتمادها على الطاقة الروسية تشكيل علاقات الإمداد، بينما زادت الحرب في إيران من حالة عدم اليقين والتكاليف، وكانت شركة قطر للطاقة قد مددت تعليق شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى شركة “إديسون” الإيطالية حتى نهاية ديسمبر، وهكذا تتحمل الدول الأوروبية تبعات اقتصادية كبيرة للحرب في إيران رغم محدودية تأثيرها على مسارها فهي في هذا المعنى أطراف متضررة لكنها في الغالب مجرد متفرجين.
وقد تستفيد الأحزاب اليمينية المتطرفة من هذه الضغوط عبر توجيه الغضب الناتج عن تكاليف المعيشة نحو معارضة الحكومات القائمة والسياسات الخارجية الأوروبية، ففي ألمانيا يقدم حزب البديل من أجل ألمانيا استعادة الوصول إلى الطاقة الروسية وتعزيز العلاقات مع موسكو بوصفهما طريقًا للتعافي الاقتصادي وخفض التكاليف، وقد يسعى التجمع الوطني في فرنسا أيضًا إلى استثمار السخط المتعلق بفواتير الطاقة رغم أن ابتعاده الأخير عن موسكو يجعل موقفه أقل وضوحًا، ويتمثل الخطر السياسي في أن تلقى الوعود بتخفيف سريع للأعباء عبر الانكفاء الوطني أو التفاهم مع روسيا قبولًا شعبيًا رغم عدم وضوح قدرتها على تحقيق خفض مستدام في فواتير الأسر، ومع ذلك، لا تفسر أي من الحربين بالكامل الاحتجاجات المتجذرة في نقص السكن المزمن وعدم المساواة التعليمية، وتراجع الثقة في المؤسسات.
وتؤثر أسعار الطاقة المرتفعة على الأسر والشركات عبر تكاليف النقل والتدفئة والكهرباء والإنتاج، فارتفاع أسعار الوقود يزيد تكلفة التنقل والشحن والعمليات الزراعية، بينما يؤدي ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء إلى زيادة فواتير الأسر ونفقات الشركات، وقد تنقل الشركات جزءًا من هذه التكاليف إلى المستهلكين، وقد تقلل الأسر إنفاقها على سلع وخدمات أخرى، كما قد تواجه الحكومات طلبًا أكبر على الدعم المالي، وتختلف مستويات التعرض لهذه الضغوط بحسب الدخل والاعتماد على المركبات الخاصة وعزل المنازل ومتطلبات الطاقة في المهن والصناعات المختلفة، ويمكن أن تخفي المتوسطات الوطنية فروقات كبيرة بين الأسر والقطاعات والمناطق.
ويرتبط مستوى ثانٍ من الروابط بين الاضطرابات الاجتماعية والمالية العامة للدولة، فقد أكد وزير المالية الفرنسي أن أي التزامات إضافية يجب أن تُعوَّض بتخفيضات في مجالات أخرى، في وقت تواجه فيه الحكومة ارتفاعًا في تكاليف الاقتراض وصعوبات في تمرير الموازنة، وتُضيّق هذه القيود هامش المناورة أمام تقديم تنازلات، لكنها لا تلغي الحاجة السياسية إلى الاستجابة، ويمكن لهذا التوتر أن يتحول إلى حلقة ذاتية التعزيز: فضعف الثقة يعقّد إدارة السياسة المالية، بينما تؤدي سياسات التقشف إلى تعميق السخط تجاه الخدمات العامة، وفي فرنسا، فرضت الاحتجاجات وما صاحبها من عنف تكاليف اقتصادية عبر الأضرار التي لحقت بالأعمال التجارية والإغلاقات المؤقتة وتراجع المبيعات، ما يضيف عبئًا جديدًا إلى توقعات النمو الضعيفة أصلًا، وقد تُضعف حالة عدم الاستقرار الاجتماعي الممتدة ثقة المستثمرين عبر جعل تبني وتنفيذ إجراءات خفض العجز أكثر صعوبة، ويتمثل الخطر المباشر في ارتفاع تكلفة الاقتراض وزيادة عبء خدمة الدين لا في فقدان الوصول إلى الأسواق المالية بشكل كامل، ومع ذلك، أبقت وكالة موديز في 23 أكتوبر التصنيف السيادي لفرنسا عند “Aa3” ( أي درجة ائتمانية عالية مع مخاطر محدودة، لكنها ليست ممتازة بالكامل) مع نظرة مستقبلية سلبية، ويعتمد تقييمها على افتراض تمرير موازنة خفض العجز لعام 2027 وعلى تراجع تكاليف التمويل والتوترات الاجتماعية خلال الأشهر المقبلة، ويوفر القرار بعض الهدوء المؤقت دون أن يزيل المخاطر المالية المرتبطة باستمرار عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.
ويرتبط المستوى الثالث بالبُعد الجيلي، هذا على الرغم من أن الاحتجاجات ليست شبابية بالكامل، فالطلاب يدخلون الحياة السياسية وهم يواجهون مجموعة من الهشاشات المتزامنة: مسارات تعليمية غير مستقرة وسكنًا باهظ التكلفة وآفاق عمل مضطربة وقلقًا من النزاعات الدولية وقلقًا بيئيًا متزايدًا خصوصًا ما يتعلق بالاحتباس الحراري وتداعياته على مستقبلهم، ويواجه القادة السياسيون الذين تعتمد إعادة انتخابهم بدرجة كبيرة على دعم المتقاعدين مطالب متنافسة، فحماية المعاشات والقوة الشرائية للأسر الأكبر سنًا قد يحدّ من القدرة المالية والسياسية على تبني إجراءات تلبي احتياجات الأجيال الشابة، بما في ذلك التعليم والسكن والعمل المناخي، وهذا يخلق تحديًا للحكومات الساعية إلى التوفيق بين دعم الناخبين الأكبر سنًا وبين مطالب التغيير الأوسع التي يرفعها المحتجون الشباب، وقد تجد الإصلاحات التدريجية صعوبة في كسب القبول عندما تبدو فوائدها بعيدة أو غير مؤكدة بالنسبة لمن يرون الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والبيئية كتهديدات فورية، وتعتمد مصداقيتها جزئيًا على قدرة الحكومات على إظهار تقدم ملموس وشرح كيفية توزيع التكاليف والفوائد بين الأجيال.
كما يعكس انتشار الاحتجاجات عملية تعلّم عبر الحدود، فالصور والشعارات وروايات التنازلات تساعد النشطاء على تحديد التكتيكات وصياغة المطالب، ويمكن لحصار مدرسة في فرنسا أن يشجع طلابًا في دول أخرى دون أي تنسيق مركزي، وقد يتبادل نشطاء السكن دعمًا عمليًا مع الحفاظ على تنظيماتهم الوطنية وأهدافهم المحلية، ومن الأفضل فهم هذا الانتشار بوصفه عملية “انتشار أفكار” لا دليلاً على وجود قوة توجيهية واحدة، وقد يحاول فاعلون خارجيون استغلال الاضطرابات خطابيًا، فعلى سبيل المثال أصبحت الاضطرابات الاجتماعية في فرنسا مادة بارزة في الرسائل الإعلامية الإيرانية، فقد ركزت قناة “برس تي في” الممولة من الدولة الإيرانية على الاشتباكات والاعتقالات وانتشار الشرطة، مقدمةً استجابة السلطات بوصفها قمعًا لمطالب شعبية، وعزز مسؤولون إيرانيون هذا الخطاب باتهام باريس بازدواجية المعايير في ما يتعلق بحق الاحتجاج، ويمكن فهم هذا التناول الإعلامي باعتباره محاولة لتقويض مصداقية فرنسا في ملف حقوق الإنسان وتحويل الانتباه نحو صعوباتها الداخلية.
وقد تُفضي الاحتجاجات إلى نتائج انتخابية لا تتوافق مع مطالبها الأساسية، فالدعوات إلى تعزيز الخدمات العامة، وتوفير السكن الميسّر وتوزيع أكثر عدالة للموارد الاقتصادية تعكس أولويات ترتبط عادة باليسار، ومع ذلك، قد تستفيد الأحزاب اليمينية المتطرفة في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا إذا تحوّل النقاش العام من هذه المطالب إلى قضايا الفوضى وانعدام الأمن وفقدان الثقة بالمؤسسات القائمة، ويقدم تركيز هذه الأحزاب على استعادة النظام ومنح المواطنين المحليين أولوية في السكن والدعم الاجتماعي تفسيرًا منافسًا للضائقة الاقتصادية، ويجسد اقتراح حزب فوكس بمنح المواطنين الإسبان أولوية في السكن الاجتماعي هذا النهج، كما قد تلقى الدعوات إلى إعادة تقييم الالتزامات الخارجية صدى لدى الناخبين القلقين من تكاليف النزاعات الدولية، رغم أن هذه الأحزاب لا تتبنى موقفًا موحدًا تجاه روسيا أو أوكرانيا أو الأمن الأوروبي.
ولا يتطلب هذا التناقض أن يتحول المحتجون أنفسهم نحو اليمين، فالحركات المطالبة بإعادة توزيع الموارد يمكن أن تتعايش مع تنامي الدعم لليمين المتطرف بين شرائح أخرى من الناخبين، خصوصًا إذا هيمنت مشاهد العنف على التغطية الإعلامية أو فشلت الحكومات في تقديم تحسينات ملموسة، وتُظهر فرنسا هذا التعايش بين دعم قوي لليسار بين الشباب ودعم كبير لليمين المتطرف، فقد وضع استطلاع أُجري بين 17 و19 أكتوبر 2026 جان لوك ميلونشون في المرتبة الأولى بين الفئة العمرية 18–24 عامًا بنسبة 40% من نوايا التصويت، مقابل 30% لمارين لوبان في سيناريو يكون فيه إدوار فيليب المرشح الوسطي الوحيد، أما بين الناخبين دون 35 عامًا، فقد تساوى ميلونشون ولوبان عند 31%، وتُبرز هذه النتائج الانقسامات داخل الناخبين الشباب بدلًا من وجود توجه سياسي موحد، وتقدم إيطاليا صورة مختلفة: إذ يقود اليمين الحكومة بالفعل، ما يعني أن التركيز على النظام العام قد يعزز موقف الحكومة القائمة بدلًا من دعم منافس معارض.
ويضيف هذا الارتباط غير المستقر بين التعبئة الشعبية والتمثيل الانتخابي طبقة جديدة من الضبابية السياسية في الدول الثلاث، وستختبر الانتخابات الإسبانية في 29 نوفمبر 2026 والانتخابات الرئاسية الفرنسية في ربيع 2027 ما إذا كانت المطالب الصادرة من الشارع ستتحول إلى دعم انتخابي والتزامات سياسية، كما ستُظهر ما إذا كانت الأحزاب الداعية إلى إعادة توزيع الموارد قادرة على الحفاظ على السيطرة على النقاش، أو ما إذا كانت المنصات القومية والأمنية ستنجح في اقتناص المكاسب السياسية الناتجة عن حالة السخط.