القمة الأمريكية-الصينية: الانتقال من التصعيد إلى إدارة التنافس

https://rasanah-iiis.org/?p=39520

في ظل تحولات استراتيجية عالمية عاصفة، وقضايا مركزية متشابكة، أجرى الرئيس الصيني شي جين بينغ زيارة دولة للعاصمة الأمريكية واشنطن دامت لثلاثة أيام من 23-25 سبتمبر 2026، بعد نحو أكثر من عقد من الزمان على آخر زيارة له لواشنطن، وقبل أقل من شهرين من انتهاء الهدنة التجارية بين الجانبين، وذلك للتباحث حول الملفات الشائكة الأكثر تعقيدًا: تايوان، والتجارة، والذكاء الاصطناعي، وإيران، والمعادن النادرة، وضبط مسارات التصعيد والتنافس ومنعها من الانزلاق نحو المواجهة الشاملة، ومدى إمكانية الاستمرارية في خفض التصعيد بين أكبر اقتصادين في العالم ضمن مسار واضح بدأ من زيارة الرئيس الأمريكي لبكين في مايو 2026، وسط مراسم استقبال أمريكية نادرة واستثنائية لم تشهدها العاصمة الأمريكية منذ عقود، وتؤشر على إدراك أمريكي للقوة الصينية الصاعدة والمؤثرة في مجريات الشؤون الدولية.

حظيت القمَّة باهتمام عالمي لافت، لكونها تجمع بين رئيسي أكبر قوتين واقتصادين يتزاحمان في ميادين عدَّة حول العالم، وتجرى في لحظة فارقة يمر فيها النظامان الإقليمي والدولي بمرحلة إعادة تشكل، وأن ما يترتب عليها من تفاهمات واتفاقات لا يقتصر على حدود الدولتين فحسب، وإنما يؤثر على العالم، الأمر الذي يطرح العديد من التساؤلات، أبرزها: ماذا يريد كل طرف من الآخر؟ وما أهداف كل طرف؟ وما أهم النتائج التي تمخَّضت عن القمة: استراتيجية أم تكتيكية؟ وهل أحدثت اختراقًا في الملفات الأكثر تعقيدًا بين الطرفين؟ أو هل تمكَّنت القمة من تعزيز الاتجاه نحو إدارة التصعيد؟ أم أن الطرفين سيتجهان نحو التصعيد من جديد على ضوء مركزية القضايا العالقة؟ وما دلالات كسر ترامب التقاليد الدبلوماسية الراسخة بلقائه نظيره الصيني على أرض المطار؟ فما الذي تبدَّل وتغيَّر بالنسبة لإدراك الرئيس ترامب للقوة الصينية من ولايته الأولى حتى ولايته الثانية؟ وما التغيير المنتظر الذي حقَّقته القمَّة ولاقت اهتمامًا أمريكيًا استثنائيًا؟

أولاً. مراسم القمة والرغبة في إدارة التنافس

تكشف القمة الثانية للرئيسين خلال 2026، عن رغبة أمريكية-صينية متبادلة للانتقال نحو إدارة التنافس الاستراتيجي بالرغبة في استمرارية الحوار المباشر. فعلى الصعيد الأمريكي، حرص الرئيس ترامب على استقبال نظيره الصيني شخصيًا بمراسم عسكرية ضخمة في رسالة ترحيب واضحة بالاستمرارية في قنوات التواصل، وأعدَّ له مراسم استقبال استثنائية في قاعدة أندروز الجوية، حيث كسر الرئيس ترامب تقليدًا أمريكيًا راسخًا منذ عقود (*)، باستقباله الرئيس شي عند نزوله من الطائرة. وهي من التقاليد التي يندر أن يحظى بها رؤساء الدول عندما يصلون لواشنطن، حيث يقضي العُرف الدبلوماسي الأمريكي باستقبال قادة الدول عبر نائب الرئيس أو وزير الخارجية أو مسؤولين بروتوكوليين. وتتم مراسم الاستقبال الرسمية في البيت الأبيض حسب العرف الدبلوماسي. كذلك حلَّقت القاذفة الاستراتيجية الشبحية “بي-2″، برفقة أربع مقاتلات من طراز “إف-22 رابتور” بعد نزول الرئيس الصيني من طائرته، ونشرت واشنطن نحو 479 عسكريًا من مختلف قطعات الجيش، وأطلقت المدفعية 21 طلقةً كتحية للرئيس الصيني.

دمجت مراسم الاستقبال بين رسالة القوة العسكرية الأمريكية والتكريم السياسي للضيف الصيني، في لفته دبلوماسية، تعكس مدى أهمية الزيارة بالنسبة للرئيس ترامب شخصيًا، وحرصه الشديد على الترويج للاستقبال الضخم في الداخل قبل انتخابات التجديد النصفي، ورغبته في إظهار مستوىً أكبر من الفخامة والتقدير عند استقبال نظيره الصيني بشكل يمكِّنه من جذبه واستمالته بما يلين المواقف تجاه القضايا البينية المعقَّدة لتحقيق مكاسب تُعزز من شعبيته، لا سيما أن تنظيم الرؤساء الأمريكيين لإقامة مراسم استقبال في المطار اقتصر تاريخيًا على شخصيات قليلة تحظى بمكانة بروتوكولية تتجاوز موقع الرؤساء مثل الباباوات الذين توجَّه في الماضي لاستقبالهم رونالد ريجان وجورج بوش الابن، وباراك أوباما.

كذلك تغيرت نبرة تصريحات الرئيس ترامب عن نبرته الحادة المعروفة إلى نبرة دبلوماسية هادئة، تحمل معانٍ أكثر وديةً تجاه الصين، متحدثًا عن “صداقة عظيمة” تجمعُه بالرئيس الصيني، وأهداه تمثالاً للنسر الذي يرمز إلى قوة الولايات المتحدة، واصطحبه في جولة نادرة للمروحية الرئاسية. وجمعت مأدبة العشاء التي أعدت تكريمًا للرئيس شي وزوجته بنغ لي يوان، تحت إشراف السيدة الأولى، نكهات ومكونات ومأكولات مشهورة من المطبخ الصيني، كما اصطحبت السيدة الأولى ميلانا نظيرتها الصينية لزيارة “متحف سميثسونيان الوطني للفن الآسيوي”، لاطلاعها على الروابط الثقافية التي تجمع بين البلدين، وذلك ضمن رغبة أمريكية في كسب ود الرئيس الصيني.

وعلى الصعيد الصيني، ركز الرئيس شي -منذ أن وطئت قدماه الأراضي الأمريكية- على رسالة واضحة مفادها أن البلدين يجب أن يكونا “شريكين لا خصمين“، مع ضرورة إدارة التنافس البيني بطريقة سلمية، واستكشاف نهج جديد لتعايش الدول الكبرى معًا، وعلى البلدين التصرف كقوتين عظميين مسؤولتين، رابطًا بين المسارين الصيني: “النهضة العظيمة للأمة الصينية”، والأمريكي “أمريكا عظيمة مجددًا”، معتبرًا أنه يمكن أن يتوازيا لتعُم الفائدة على العالم، وقدَّم تصورًا علميًا لضرورة وجود “علاقة صينية-أمريكية بنَّـاءة ذات استقرار استراتيجي”، بأن يكون التعاون هو المتغير المستقل، والمنافسة هي المتغير التابع، والتباينات تحت السيطرة وقابلة للإدارة والضبط، والسلام قابلاً للاستمرار. مع رفض الصين بأن تُدار العلاقات باعتبارها اختبارًا لتفوق طرف وهزيمة الثاني، وإن كان هناك تنافس استراتيجي بين الطرفين. كما قدَّم الرئيس الصيني دعوات لـ100ألف طالب أمريكي للدراسة في الصين خلال السنوات الخمس المقبلة.

في أعقاب القمة، أعادت الصين بتوجيهات رئاسية، إرسال زوجين من حيوانات الباندا العملاقة لواشنطن ضمن برنامج الإعارة المعروف باسم “دبلوماسية الباندا”، حيث وصفها الرئيس شي على أنها “سفيرة للصداقة بين الصينيين والأمريكيين”، في إشارة إلى حرصه على بناء علاقة مدارة ومستقرة مع الولايات المتحدة. ويُعد إرسال الباندا الصينية لدولة ما، تقليدًا صينيًا راسخًا في الدبلوماسية الصينية عندما تريد القيام بمحاولة لخفض التوتر، وبناء علاقات أكثر انضباطًا، وعندما تسحبها من تلك الدولة، سيكون مؤشرًا على تأزم العلاقات الدبلوماسية، وسبق أن استعادت بكين حيواني باندا من الولايات المتحدة عام 2024، عندما اندلعت الحرب التجارية، ومن اليابان، عقب تلميح للحكومة اليابانية بإمكانية تدخل طوكيو عسكريًا إلى جانب تايوان، حال تعرَّضت لهجوم صيني.

ثانيًا. محددات الاتجاه المتبادل نحو إدارة التنافس

يقف وراء تفضيل الطرفين الأمريكي والصيني خيار إدارة التنافس الاستراتيجي، جملةٌ من العوامل المؤثرة، على النحو التالي:

1. تأثير الأزمات الداخلية في البلدين

تشهد الدولتان تطورات داخلية ضاغطة على صناع القرار فيهما. فالداخل الأمريكي يشهد احتدامًا للخلافات بين الجمهوريين والديمقراطيين للتأثير في اتجاهات مؤسسات الحكم لا سيما المؤسسة التشريعية، وعلى عملية صنع القرار؛ لذلك يسعى الرئيس ترامب لبناء مناخ سياسي يُكسبه الانتخابات النصفية المقبلة. ويقدِّر الرئيس الأمريكي أن مخرجات الزيارة يمكن أن تُعزز من شعبيته المتراجعة في الداخل، بسبب تداعيات الحرب مع إيران على الداخل الأمريكي، حيث تسبَّبت الحرب في ارتفاع تكاليف الطاقة، ومعدلات التضخم وتكاليف المعيشة. في المقابل تشهد الصين أزمةً عقارية أضعفت الإنفاق المحلي، ما جعل الاقتصاد الصيني يعتمد بشكل أكبر في تصريف إنتاجه على قطاع التصدير الخارجي للحفاظ على النمو. وبذلك، التقت المصالح الاقتصادية للطرفين على ضرورة ضبط التنافس، فواشنطن تريد تخفيف الأسعار وخفض الضغوط على المواطنين، وبكين تريد فرصة أكبر لمعالجة تداعيات ضعف الإنفاق المحلي، وأزمة العقارات.

2. إدراك تأثير أوراق الضغط المتبادلة

يشكِّل إدراك الزعيمين لحدود تأثير أوراق الضغط المتبادلة في التنافس الدولي دافعًا لقبولهما بإدارة التنافس، حيث اختبر كل زعيم حدود تأثير أوراق ضغط الزعيم الآخر على أرض الواقع في الملفات الشائكة، واكتشف الطرفان صعوبة لي ذراع الآخر. تمتلك الصين أوراقًا مؤثرة على الولايات المتحدة أبرزها: السيطرة الاحتكارية للمعادن النادرة (*) التي تدخل في صميم الصناعات العسكرية والتكنولوجية الأمريكية الحساسة، وتمس الأمن القومي الأمريكي مباشرة، ويمكنها إرباك قطاعات أمريكية استراتيجية. تسيطر بكين على نحو 80-90% من إنتاج ومعالجات المعادن النادرة عالميًا. كما تتحكَّم في سلاسل الإمداد العالمية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة بشكل كبير، مما يُتيح للصين إمكانية إلحاق الضرر الواسع بالاقتصاد الأمريكي حال التصعيد. كذلك تعتمد الولايات المتحدة على تصدير فول الصويا للصين، فضلاً عن العلاقات الاستراتيجية الصينية مع طهران. الأمر الذي تسبَّب في تراجع ترامب عن نسب العقوبات العالية المفروضة على الصين، وتعطل توقيع صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار-حتى تاريخ كتابة التقدير. كما أن الصين تعتبر ضمن الحائزين على السندات الأمريكية، لكنها لم تعُد تتصدر الترتيب العالمي لحائزي للسندات الأمريكية، حيث يسبقها في الترتيب كلٌ من اليابان والمملكة المتحدة. كما توجد دولٌ كثيرة في العالم تستثمر في السندات الأمريكية، بما يمكنها من تعويض أي تأثير لتراجع الاستثمار الصيني في السندات الأمريكية.

في المقابل، تدرك الصين حجم أوراق التأثير الأمريكية على اقتصادها المتمثلة في: الرسوم الجمركية على الصادرات الصينية للولايات المتحدة، وتعد الولايات المتحدة سوقًا واسعة أمام المنتجات الصينية، والرقائق الاليكترونية المتقدمة، حيث تتفوق الولايات المتحدة على الصين في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تستخدم في الصناعات الصينية؛ وبالتالي يمكنها التأثير في اتجاه الصين نحو الحصول على التكنولوجيا المتطورة، ومنع الشركات الصينية من الوصول إلى المعدات الحيوية لصناعة الرقائق، لإبطاء سرعة التطور العسكري والتكنولوجي الصيني، والمسألة التايوانية، وإمكانية دعم انفصالها عن الصين، وحجم السوق الأمريكية المهمة أمام النموذج التصديري الصيني.

3. كلفة الانفصال بين الاقتصادين

يدرك الطرفان مخاطر الانفصال بين أكبر اقتصادين في العالم، نتيجة حالة الاعتماد المتبادل المستندة إلى التشابك بين الاقتصادين، إلى حدٍ يجعل الانفصال الكامل بينهما بالغ الخطورة والتكلفة، ليس فقط عليهما بل على الاقتصاد العالمي برمته. حيث يمثل إجمالي الاقتصادين نحو 42.8% من الاقتصاد العالمي (الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة قرابة 28.75 تريليون دولار، وللصين نحو 18.74 تريليون دولار) من إجمالي الاقتصاد العالمي الذي بلغ حجمه نحو 110.98 تريليونات دولار خلال 2025، بحسب أرقام البنك الدولي، كما أن الأرقام تشير إلى أن العلاقة التجارية بين البلدين تُعد حجر زاوية في الاقتصاد العالمي، حيث تُعد تدفقات السلع والخدمات بين واشنطن وبكين من أكبر التدفقات الثنائية في تجارة البضائع عالميًا، فقد استوردت الولايات المتحدة من الصين 463 مليار دولار، بينما استوردت الصين من الولايات المتحدة 165 مليار دولار خلال 2024، بحسب أرقام منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، وبلغ إجمالي تجارة السلع بين البلدين نحو 414.7 مليار دولار خلال 2025، منها 106.3 مليارات دولار صادرات أمريكية للصين، ونحو 308.4 مليارات دولار واردات أمريكية من الصين، وكذلك تتشابك أسواقهما واستثماراتهما وسلاسل إمدادهما بدرجات كبيرة حول العالم؛ وبالتالي يؤدي الانفصال بينهما إلى انكماش أو تباطؤ النمو العالمي، وحدوث اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج والسلع الاستهلاكية.

4. التغير في النظرة الأمريكية تجاه الصين

تشهد المواقف الشعبية والنخبوية والرسمية الأمريكية تقاربًا من الصين، حيث أظهر استطلاع للرأي أجراه مجلس شيكاغو للشؤون العالمية انخفاض نسبة الأمريكيين الذين يرون أن الطموحات الإقليمية للصين تهديدًا للولايات المتحدة من 52% إلى نحو 41% من الأمريكيين خلال 2026، ويؤيد نحو 57% من الأمريكيين التعاون والتفاعل مع بكين ضمن اتجاه يحظى بتأييد طيف نخبوي واسع من أطياف المشهد السياسي الأمريكي، ويكشف الاستطلاع عن تأييد النسبة الأكبر من الجمهوريين الذين لا يتبنون شعار (لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا) المعروفين اختصارًا بمسمى (ماغا) التعاون مع الصين، وتأييد النسبة الأكبر من الديمقراطيين للتقارب مع الصين. كما أن الرئيس ترامب ذاته بات على النقيض من موقف القاعدة الجماهيرية الموالية له المناهضة لتعزيز العلاقات الأمريكية مع الصين، بدليل مستوى الاحتفاء الدبلوماسي الذي خصَّ به نظيره الصيني.

ثالثًا. مطالب الطرفين تجاه القضايا الشائكة

جاء الرئيس الصيني إلى القمَّة من مركز قوة، متعكزًا على سلسلة صادرات عالمية ضخمة تجاوزت القيود والرسوم الأمريكية، في المقابل، دخل ترامب القمَّة مثقلاً بتداعيات الحرب مع إيران، وعدم القدرة على حسم المعركة في الشرق الأوسط، والحرب الأوكرانية التي تُلقي بظلالها على علاقات الولايات المتحدة مع حلف الناتو، وتراجع شعبيته في الداخل نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والطاقة؛ ولذلك جاءت مطالب الرئيسين تجاه القضايا الشائكة كالتالي:

1. التجارة والاستثمارات

تباحث الطرفان حول تمديد الهدنة التجارية التي تنتهي في أكتوبر 2026. وطلب ترامب من نظيره الصيني الاستمرار في فتح السوق الصينية أمام كبريات الشركات الأمريكية؛ لذلك حضر الاجتماعات كبار عمالقة المال والأعمال والتكنولوجيا الأمريكيين مثل رئيس شركة “إنفيديا” جنسن هوانغ، ورئيس شركة “تسلا” إيلون ماسك، ورئيس شركة “بوينج” كيلي اورتبرغ. ويريد ترامب من الصين الالتزام بالنسبة المتفق عليها من استيراد فول الصويا الأمريكي في قمة مايو 2026، حيث تعهَّدت الصين حينها بشراء نحو 25 مليون طن من فول الصويا الأمريكي سنويًا حتى عام 2028، لكنها نفَّذت فقط نحو نصف الالتزام حتى تاريخه، كما يريد أيضًا من الصين إتمام صفقة شراء الـ 200 طائرة من طراز بوينغ، في المقابل أراد الرئيس شي من واشنطن تمديد الهدنة التي ساهمت في خفض الحرب التجارية، وأدَّت لخفض الرسوم الجمركية المتبادلة، وعدم فك الارتباط بالاقتصاد الأمريكي، وإنما تقليل حجم المخاطر التي يمكن أن يفرضها ذلك الارتباط.

2. الصراعات الجيوسياسية

فرضت الصراعات في الشرق الآسيوي عند مضيق تايوان، وفي الشرق الأوروبي بين روسيا وأوكرانيا، وفي الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران، نفسها بقوة على جدول أعمال القمَّة، لاعتبارات تتعلَّق بحجم تأثير الطرفين في تعقيدها وتسويتها؛ ولذلك أراد كلُ رئيس من نظيره ما يلي:

أ. تايوان: الأزمة الأكثر تعقيدًا وحساسيةً بالنسبة للصين. وتقدِّر واشنطن القضية على أنها جزء من توازن القوى في الإندو باسفيك. وأعلن الرئيس ترامب أنه ناقش مع الرئيس الصيني صفقات الأسلحة إلى تايوان، ما أثار مخاوف تايبيه من تحول الجزيرة إلى ورقة مساومة أمريكية-صينية يمكن التنازل الأمريكي عنها. لكن في الواقع يصعب تقديم واشنطن تنازلات جوهرية بشأن التزاماتها الدفاعية تجاه تايبيه، لكونها تدرك مدى رمزيتها على التحول في النظام الدولي، كما تدرك أيضًا تأثير تقديم أية تنازلات على مصداقيتها في الإندو باسفيك. في المقابل أراد الرئيس الصيني تأخير أو إلغاء صفقة الأسلحة المقدرة بنحو 14 مليار دولار للجزيرة، وإبداء موقف أكثر وضوحًا بشأن استقلال الجزيرة، حيث تعتبر بكين القضية خطًا أحمر صيني، لكنها بالوقت ذاته تعلم أنه لا يمكنها تغير الموقف الأمريكي تجاه تايوان. فالصين عامة تُعلي من قيمة القضايا التجارية وتؤجل القضايا الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مع إبقاء الخلاف في القضايا الاستراتيجية قيد السيطرة.

ب. إيران: هي الملف الأكثر حساسيةً بالنسبة للولايات المتحدة. ويريد ترامب من بكين عدم التعاون العسكري مع إيران، لا سيما بعدما تداولت تقارير استخباراتية غربية تزويدَ الصين لإيران بتقنيات عسكرية متطورة ساعدت صواريخها ومسيراتها في إصابة الأهداف الأمريكية في الدول العربية بدقة، ويريد أيضًا من بكين ممارسة الضغط على طهران لإعادة فتح مضيق هرمز، لا سيما أن الصين تعتبر أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، ومن أكبر شركائها التجاريين، لكن على ما يبدو أن بكين غير مستعدة لتقليص علاقاتها بإيران بدون ثمن أمريكي مناسب في تايوان والتجارة والتكنولوجيا، وما لم يكن هناك ثمن أمريكي كبير ستظل الصين داعمةً لإيران، كما أن إنهاءها بالشروط الأمريكية قد يضعف شريكًا مهمًا للصين في الشرق الأوسط؛ ولذلك يُستبَعد أي دور صيني في الاستجابة للمطلب الأمريكي. في المقابل تريد الصين إنهاء الحرب ضد إيران ضمن معادلة صينية تضمن حماية نفوذها ومصالحها، لكونها من أوائل المتضررين من إغلاق المضيق، حيث يمر عبر هرمز ما يقارب من نصف إجمالي وارداتها من النفط الخام، وبخاصة إذا ما تزامن ذلك مع إغلاق باب المندب. لكنها في الوقت ذاته تعتبر الحرب بمثابة استنزاف استراتيجي لواشنطن، وإشغالها عن منطقة الإندو باسفيك؛ لذلك تعتبر الحرب الأمريكية-الإيرانية بالنسبة للصين تهديدًا اقتصاديًا، وفرصةً استراتيجية في ذات الوقت، وتحاول المناورة بينهما.

3. المعادن النادرة

من الملفات شديدة الحساسية بالنسبة للطرفين معًا. فإذا كانت التجارة والزراعة تسمحان بالمساومات وعقد الصفقات، فإن الصورة تتغير عندما يصل الأمر إلى التكنولوجيا المتطورة، لكونها لم تعد مجرد صناعة اقتصادية، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن القومي للدولتين؛ لذلك أراد ترامب من نظيره الصيني توسيع إمدادات المعادن النادرة إلى الأسواق الأمريكية ضمن مساعٍ أمريكية لكسب معركة الهيمنة على قطاع الذكاء الاصطناعي عالميًا، خاصةً بعدما أشعلت بكين حرب المعادن النادرة بفرضها قيودًا على صادرات أخطر المعادن النادرة التي تمتلكهاللولايات المتحدة. وتكمن خطورة الإجراء الصيني في كونه يمس الأمن القومي الأمريكي مباشرةً؛ لأنه يستهدف الجيش الأمريكي الذي يعتمد في تفوقه على أسلحته المتطورة التي تعتمد بدورها على المعادن النادرة، فضلاً عن تحكم الصين في نحو 70% من إمدادات المعادن النادرة المستخرجة عالميًا، وإنتاجها أكثر من 90 % من المعادن النادرة المعالجة في العالم؛ وبالتالي وفَّرت المعادن النادرة الصينية ورقة ضغط استراتيجية لبكين ضد واشنطن. في المقابل أراد الرئيس الصيني من ترامب تخفيف القيود على تصدير الرقائق الأمريكية المتقدمة، ومعدات تصنيعها للصين، والتراجع عن مسألة محاولة إبطاء تقدمها في الذكاء الاصطناعي. لكن لم يثبت أن أجبرت هذه الورقة الصين يومًا على تغيير سلوكها. فبكين تمتلك نفوذًا في المواد الخام من المعادن الاستراتيجية، بينما تملك واشنطن نفوذًا في التكنولوجيا المتقدمة.

رابعًا. نتائج ودلالات الزيارة وتأثيرها على القضايا الخلافية

رغم مراسم الاستقبال الاستثنائية للرئيس الصيني، لم تحدُث في القمَّة اختراقات في الملفات الشائكة باستثناء الهدنة التجارية لشهرين فقط، وطغى عليها المظاهر الاحتفالية، ورغبة الرئيسين في إظهار صورة إيجابية للتعايش بين خصمين استراتيجيين تتعارض مصالحهما حول العالم؛ وفيما يلي ملامح نتائج الزيارة:

1. هدنة قصيرة لا تسوية تجارية

المكسب الوحيد الذي أسفرت عنه القمَّة هو مجرد اتفاق تكتيكي يتمثل في تمديد الهدنة التجارية (*) التي ستنتهي في 10 أكتوبر 2026، لشهرين. أي ستمتد إلى 10 يناير 2027، بدلاً من فترة الـ6 أشهر التي كانت مطروحةً سابقًا، وكانت الصين تريد تمديدها إلى نهاية ولاية ترامب. كما أن التمديد، وإن أشار إلى إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، غير أنه لا يعني إنجاز تسوية تجارية تعيد رسم العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين، لم تسفر الزيارة عن أي التزامات حول صفقة شراء الصين لطائرات البوينغ، أو كميات فول الصويا الأمريكي للصين، أو العجز في الميزان التجاري الذي تعاني منه الولايات المتحدة لصالح الصين.

2. لا اختراقات في الملفات الشائكة

لم يحدث في القمَّة أي اختراقات في الملفات الشائكة، ما عدا طرح الرئيس ترامب فكرة استخدام تعبير “الذكاء الفائق” بدلاً من “الذكاء الاصطناعي”، ودار الحديث عن اتفاق الرئيسين على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا وإنهاء الحرب مع إيران، وهذا متفق عليه بالأساس، لكن كيف؟ وتحت أي شروط؟ هنا تكمن المشكلة. وقد أبلغ ترامب نظيره بوضوح بأن أيَّ مساعدة عسكرية صينية لإيران، أمرٌ غير مقبول بالنسبة لواشنطن. مع التأكيد على إمكانية عقد لقاءين إضافيين قبل نهاية 2026: الأول سيكون بدعوه من الرئيس الصيني لترامب وزوجته لحضور قمَّة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي “أبيك” بمدينة شنتشن الصينية في نوفمبر 2026، والثاني، في الولايات المتحدة خلال قمَّة مجموعة العشرين في ديسمبر 2026. وبالتالي تعتبر القمَّة أقرب إلى نموذج إدارة الاعتماد المتبادل بين الطرفين لا إنهائه. فكل طرف سعى لتخفيف الضغوط التي تواجه اقتصاده بدون التخلي عن أوراقه الاستراتيجية، ليتَّفـق الرئيسين على هدنة مؤقتة، وتبقى القضايا الأثقل من التجارة والاستثمار إلى الرقائق إلى المعادن النادرة دون أي اختراقات.

3. الإقرار بندية الصين ومكانتها

قدَّر الخبراء الاستراتيجيون الاحتفاء البروتوكولي للرئيس شي على أنه إقرار بندية الصين ومكانتها، وإقرارًا بقبول “شي” كشريك وكند لترامب لا كزعيم صاعد فحسب. ففي مقابل امتلاك الولايات المتحدة لتفوق عسكري واسع، وشبكة تحالفات عالمية، ومراكز مالية وتكنولوجية ضخمة؛ تحوَّلت الصين إلى قوة اقتصادية وصناعية وتجارية وعسكرية هائلة، ولديها أوراق ضغط وأدوات تأثير عالمية، ما يعني أن زمن العقوبات والإملاءات والهيمنة من طرف واحد قد ولى إلى غير رجعة، وأننا مقبلون على عصر إعادة هيكلة موازين القوي العالمية، حيث لم تستطع الولايات المتحدة ممارسة الضغط على الصين لاتخاذ موقفٍ معادٍ لإيران، أو لإجبارها على تحقيق تنازلات في الملفات الشائكة. وباتت الصين تقدِّم نفسها على أنها قطبٌ دوليٌ مؤثر في مجريات الشؤون العالمية، مقابل تحول الولايات المتحدة إلى دولة أكثر تقلبًا واضطرابًا في عهد ترمب الذي ساهمت سياساته بشكل غير مباشر في تعزيز موقع الصين عالميًا، وبدا الرئيس الصيني أكثر ثباتًا وهدوءًا أثناء القمَّة، بينما بدا الرئيس ترامب أكثر التزامًا للبروتوكول، رغم مخالفة ذلك لشخصيته، وأقل حدةً في مواقفه، حتى في القضايا الحساسة مثل تايوان، مع تزايد الانطباع بأن الرئيس شي يتحرَّك بثبات استراتيجي أكبر، في حين يتبنى ترامب مقاربة وقتية قائمة على مفهوم الصفقة والارتجال. وفي مقابل تركيز ترامب على إبراز العلاقة الشخصية بينه وبين شي، ظهر الزعيم الصيني أكثر حزمًا وثقة، مستغلاً القمة لتحديد الخطوط الحمراء التي لا تقبل بكين تجاوزها، وفي مقدمتها قضية تايوان.

خامسًا. القمَّة ومستقبل التنافس الأمريكي-الصيني

تكشف المعطيات أن الهدف الرئيسي للطرفين من القمَّة يتمثَّـل في الاستمرارية في التهدئة المؤقتة، وليس حسم القضايا الاستراتيجية، وضبط مسارات التنافس. كما تكشف أيضًا أننا أصبحنا أمام قوتين: إحداهما تنكر أنها تتراجع نحو الانحسار، والأخرى تعديلية يُتـَخوَّف من انطلاقها الصاروخي نحو القمَّة. وأنه رغم القمَّتين اللتين انعقدتا بين الرئيسين خلال 2026، لكن الملفات الشائكة ظلَّت بلا حسم، ولذلك، فإن زيارة الرئيس الصيني لواشنطن لا ينبغي قراءتها على أنها بداية صداقة صينية-أمريكية، ولا نهاية للتنافس بينهما، وإنما باعتبارها اتفاقًا شبه ضمني على: نعم للتنافس والمناورة المنضبطة بجانب الدبلوماسية، ولا للصراعات المنهكة، بأن يكون الصراع بين القوتين العظميين أكبر من مستوى السلام، ولكن أقل من مستوى الحرب، وعلى ضوء ذلك ينتظر مستقبل التصعيد البيني الاتجاهات التالية:

الأول: العودة للتصعيد: يدعم تحقق هذا السيناريو انتهاء القمَّة بلا اختراقات في الملفات الشائكة، كما أن المنجز الوحيد ليس تسوية تجارية، وإنما هدنة تجارية قصيرة. وبالتالي بقيت مصادر التوتر الرئيسية دون حل. وكافة القضايا الشائكة قضايا مركزية، وليست هامشية تتعلق بمستقبل النظام الدولي والقيادة الدولية، أضف إلى ذلك إدراك الولايات المتحدة أن الصين قوة تعديلية تسعى إلى إرساء نظام دولي يفقد الولايات المتحدة هيمنتها المنفردة على النظام الدولي، لا سيما في ظل تقارب القوة مع الصين، مع الإصرار الأمريكي على استمرارية الهيمنة المنفردة على القيادة الدولية. لكن يحد من ذلك الاتجاه إدراك الطرفين ثمن وكلفة التصعيد غير المحسوب على الداخل في كليهما، وأيضًا حجم التكلفة المتوقَّعة للانزلاق نحو صراع يُفضي للحرب.

الثاني: تراجع التصعيد: ليس المقصود التراجع لمستوى يسمح بتسوية الملفات الشائكة، وإنما ضبط التصعيد والتنافس، بالابتعاد عن التصعيد المفضي للحرب، وذلك لصعوبة تقديم التنازلات المطلوبة للتسوية في قضايا النفوذ والقوة والمصالح والقيادة والمكانة الدولية، وتمسُّك الولايات المتحدة بمعادلة المهيمن الدولي ورفضها معادلة الصين لتوازن القوى الدولية، مقابل صعوبة قبول الصين بمعادلة الموازن أو حتى المهيمن الإقليمي لمقدَّراتها فوق الإقليمية. ويتحقق ذلك الاتجاه لعدة اعتبارات تتعلق بإدراك ترامب تحولَ القوة الصينية من واقع احتفاله البروتوكولي الاستثنائي بنظيره الصيني، والاحتياج الاستراتيجي للطرفين للهدنة التجارية، ووعي كل طرف بأدوات تأثير الطرف الآخر، والتشبيك المعقَّد بين اقتصاديهما، والحاجة الملحة المتبادلة لاستقرار الاقتصاد العالمي.

الثالث: التجميد والتأرجح: الاتجاه الأكثر واقعية، حيث يتوقع تجميد مؤقت للتصعيد، على أن يعقبه العودة للتأرجح من جديد ما بين التصعيد والتهدئة، حسب مستجدات الملفات الشائكة، والتحولات في البيئة الاستراتيجية العالمية. وقد يتحقق ذلك الاتجاه لاعتبارات تتعلق بعدم امتلاك كل طرف من الطرفين لأوراق الضغط الكافية لحسم الصراع لصالحه، واتجاه الصين لتقليص فارق القوة بشكل كبير مع الولايات المتحدة، لإقناع الولايات المتحدة بصعوبة كسب الصراعات مع الصين من خلال القوة العسكرية، والتركيز على طريقة الكسب بالنقاط في القضايا العالقة، والبراجماتية والمزاجية الحاكمة لعقلية الرئيس ترامب، وفقدانه لاستراتيجية واضحة في تعامله مع الصين، وتأرجُح مواقفه ما بين تصريحات وديه تارة، وعدائية تارةً أخرى ضد الصين؛ الأمر الذي يخصم من رصيد القوة والدبلوماسية الأمريكية العالمية، ويعزز من القوة والدبلوماسية الصينية أمام القوى الدولية.

وختامًا، لقاء ترامب-شي، لا يشبه لقاء ريجان-جورباتشوف في ثمانينيات القرن المنصرم، الذي أنتج تسويةً كبرى خفَّضت التوتر وأنهت الحرب الباردة. فهذا اللقاء تكتيكي لضمان استمرارية الهدنة التجارية، وضبط التنافس والصراع القائم؛ حتى لا يتدحرج لحرب منهكة بين الطرفين.


* الأولى من نوعها في قاعدة أندروز منذ استقبال الرئيس جون كينيدي لرئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان عام 1962.

* الساماريوم، والغادولينيوم، والتربيوم، والديسبروسيوم، واللوتيتيوم، والسكانديوم، والإتريوم، بالإضافة إلى الثوليوم والهولميوم والإيربيوم والإيتربيوم واليوروبيوم.

* تعهدت بموجبها الولايات المتحدة بعدم فرض رسوم جمركية جديدة على الصين، في مقابل التزام الأخيرة بالسماح بتزويد الولايات المتحدة وغيرهــا مــن المستهلكين بالعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. وفي إطار هذه الهدنة تم خفض الرسوم الجمركية الأمريكية على السلع الصينية، وفي المقابل قامت بكين بإلغاء قيودها على تصدير المعادن النادرة التي تسيطر على الجانب الأكبر من صادراتها عالميا، وتمثل مكونات أساسية لكثير من الصناعات الأمريكية الهامة في قطاعات التكنولوجيا والطائرات والأسلحة.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير