هيمنت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران على جدول أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامَّة للأُمم المتحدة في سبتمبر 2026، فبعد مرور أكثر من ستة أشهر على اندلاع الصراع، اتّسع نطاق الحرب ليتجاوز استهداف المنشآت العسكرية والنووية، ويشمل حربًا اقتصادية وصراعًا على السيطرة على مضيق هرمز. وفي نيويورك، هدَّد الرئيس دونالد ترامب بمزيد من المواجهة العسكرية، مع توقُّعه أن يبقى التوصُّل إلى اتفاق ممكنًا، وردَّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بإعلان مواجهة أيديولوجية وعرضٍ للحوار، وكشفت كلمتاهما حجم الهوَّة بين الحكومتين، حتى مع استئناف الاتصالات غير المباشرة على هامش الاجتماعات.
استغلَّ ترامب كلمته، التي ألقاها في 22 سبتمبر للدفاع عن الحرب بوصفها ردًّا على طموحات إيران النووية وأنشطتها الإقليمية، متّهِمًا طهران بنشر العنف في أنحاء الشرق الأوسط، وأكَّد أنَّ الضربات الأمريكية ألحقت أضرارًا جسيمة ببنيتها التحتية النووية، وحثَّ الدول الأخرى على الانضمام إلى واشنطن في عزْل إيران اقتصاديًا، كما وصَفَ العمليات البحرِّية الأمريكية بأنَّها ضرورية لضمان استمرار تدفُّق النفط عبر مضيق هرمز. أمّا تصريحاته الأشدّ أثرًا فتعلَّقت بمستقبل إيران؛ إذ خيَّرها بين خيارين حاسمين: إمّا التوصُّل إلى اتفاق نووي يسمح لها بـإعادة البناء البلاد، أو «محوها عن وجه الأرض». ومع ذلك، أشار إلى احتمال التوصُّل إلى اتفاق بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر، وترافقت التصريحات الرسمية مع استئناف الاتصالات الدبلوماسية الأمريكية-الإيرانية، التي كانت معلَّقةً منذ فشل مذكِّرة التفاهم في يونيو 2026.
ومن جانبه، سعى بزشكيان في كلمته إلى إبقاء المجال مفتوحًا للدبلوماسية من دون أن يبدو متراجعًا، لكن تعافي صادرات النفط الإقليمية يعقِّد ادّعاء الحرس الثوري الإيراني قُدرته على التحكُّم في تدفُّق الطاقة عبر هرمز. وتُظهِر البيانات الإجمالية لشركة «كبلر»، التي تشمل الشحنات العابرة للمضيق والصادرات التي تمُرّ عبر خليج عُمان والبحر الأحمر، أنَّ متوسِّط الصادرات على مدى سبعة أيام عاد في أواخر سبتمبر إلى نحو 18 مليون برميل يوميًا، وهو مستواه المرجعي قبل الحرب. ولا يعني ذلك أنَّ حركة الشحن عبر مضيق هرمز قد تعافت بالكامل، أو أنَّ إيران لم تعُد قادرة على تعطيلها، لكنَّه يُشير إلى أنَّ المسارات البديلة وممارسات الشحن تحِدّ من النفوذ الاقتصادي، الذي تستطيع طهران فرضه من خلال التهديد بإغلاق المضيق. وبالنسبة إلى الحرس الثوري، تطرح الفجوة بين خطاب السيطرة واستمرار تدفُّق النفط الإقليمي مشكلة متفاقمة تمَسّ مصداقيته. كذلك اعترض بزشكيان على وضْعٍ تستفيد فيه الدول الأخرى من الممرّ المائي، بينما تواجه إيران قيودًا على وصولها البحري. وتؤكِّد واشنطن أنَّ عملياتها البحرِّية تحمي الملاحة التجارية، في حين ترى طهران أنَّ الحصار الأمريكي المفروض على موانئها يشكِّل عقبةً رئيسية أمام خفْض التصعيد.
ويظل البرنامج النووي العقبة المحورية؛ فقد كرَّر بزشكيان موقف إيران القائل إنَّها لا تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، مع دفاعه عن حقِّها في الاستفادة من التكنولوجيا النووية السِلْمية، لكن في المقابل تريد واشنطن قيودًا صارمة بما يكفي لمنع تطوير أسلحة نووية. وتترك هذه المواقف أسئلةً صعبة بشأن التخصيب والتحقُّق ومستقبل المنشآت، التي استُهدفت خلال الحرب. فأيّ اتفاق يتطلَّب أكثر من مجرَّد إعلان النيات السِلْمية؛ إذ يحتاج إلى بنود تستطيع الحكومتان تقديمها باعتبارها تحمي أمنهما، وإلى أرضية مشتركة بشأن العقوبات الاقتصادية. وهذا ما يفسِّر أهمِّية الحراك الدبلوماسي في نيويورك على الرغم من الخطابات العدائية، فقد أتاحت الجمعية العامَّة فرصة لحوار أمريكي إيراني غير مباشر بعد أشهر من الاتصالات المحدودة، وطرَحَ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خطَّة مدَّتها سبعة أيام، قال إنَّ حركة العبور الطبيعية عبر مضيق هرمز يمكن أن تُستعاد بموجبها إذا استوفت الولايات المتحدة الشروط الواردة في مذكِّرة تفاهُم يونيو. وقدَّم المقترح تسلسُلًا مُحتَملًا لخفض التصعيد، لكنَّه أبقى جوهر الخلاف على حاله: كل طرف ينتظر من الآخر أن يبادر أولًا. ومن دون وقفٍ متّفَق عليه لإطلاق النار وخطوات لتخفيف الضغط في البحر، قد يجُرّ هجومٌ جديد على الملاحة أو البِنية التحتية الإقليمية البلدين سريعًا إلى جولة أخرى من التصعيد العسكري.
وستسهم حكومات أخرى في المنطقة أيضًا في تشكيل فرص التوصُّل إلى اتفاق؛ فدول الخليج تسعى إلى ترتيبات أمنية تردع الهجمات المتجدِّدة، وتضمن في الوقت نفسه حرِّية الملاحة عبر هرمز وغيره من الممرّات المائية الحيوية، التي وصفها وزير الخارجية السعودي بأنَّها أساسية للتجارة العالمية وأمن الطاقة. أمّا الحكومات الأوروبية، فلها مصلحةٌ في الحدِّ من مزيد من الاضطراب في أسواق الطاقة، واستعادة إطار لمراقبة الأنشطة النووية الإيرانية. ولا يستطيع أيٌّ من هذه الأطراف تسوية الصراع نيابة عن واشنطن وطهران، لكن مخاوفها الأمنية ستسهم في تحديد مدى صمود أيّ اتفاق.
وأظهر حضور الرئيسين أيضًا قيمة منبر الأُمم المتحدة وحدوده، فقد سمحت الولايات المتحدة لبزشكيان وعراقجي بالمشاركة في الجمعية العامَّة على الرغم من الحرب؛ ما أتاح لإيران مخاطبة الحكومات الأخرى مباشرةً، لكن الكلمتين لم تُسهِما كثيرًا في تضييق هوَّة الخلافات، فقد قدَّم ترامب الاتفاق بوصفه بديلًا لاستخدام قوَّة ساحقة، فيما رأى بزشكيان أنَّ الحوار لا يكون ممكنًا إلّا في غياب الإكراه. ومنحت الجمعية العامَّة كلًّا من الزعيمين منصَّةً لمخاطبة المجتمع الدولي، بينما جرى العمل الفعلي لاختبار إمكانات التوصُّل إلى حلول وسط في مكان آخر.
ويتمثَّل الاختبار المباشر في قُدرة هذه الاتصالات للتوصُّل إلى إجراءات مُتبادَلة، قبل أن يغلق تصعيد جديد نافذة الفرصة؛ فقد أشارت إيران إلى أنَّ تخفيف الحصار والضغط العسكري قد يغيِّر إستراتيجيتها العسكرية تجاه هرمز، بينما تسعى واشنطن إلى ضمانات بشأن الأمن البحري والأنشطة النووية الإيرانية. وقد يساعد تفاهُم محدود بشأن الملاحة على بناء الثقة، لكنَّه سيُبقي الخلافات السياسية والأمنية الأوسع من دون حل؛ إذ لم يتَفِق ترامب وبزشكيان في الجمعية العامَّة على الكثير، سوى احتمال أن يظل التوصُّل إلى اتفاق ممكنًا. وسيتوقف نجاح الدبلوماسية أولًا على السياسة الداخلية في البلدين؛ فبعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، قد تتّسِع مساحة التحرُّك أمام ترامب للسعي إلى اتفاق تفاوضي أو حل عسكري. أمّا بزشكيان، فيستطيع أن يحتجّ في الداخل الإيراني من أنَّ خطر الانهيار الاقتصادي يجعل التسوية مُلِحَّة، لكنَّه يتعيَّن عليه التغلُّب المواقف المتشدِّدة، التي يتبنّاها الحرس الثوري وشخصيات نافِذة أخرى داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية، التي تؤيِّد استمرار المواجهة. وقد تفتح الأسابيع المقبلة مسارًا تفاوضيًا، لكن القرارات التي تُتَّخَذ في واشنطن وطهران، هي التي ستحدِّد ما إذا كان هذا المسار قادرًا على إنهاء الحرب.