لم تعد الضربات الأمريكية خلال الأيام الأخيرة تقتصر على حماية الملاحة في مضيق هرمز، أو استهداف القدرات الإيرانية المنتشرة على الشريط الساحلي. فمنذ بداية الموجة الأخيرة من العمليات، تركزت الغارات على بندر عباس، والجزر المطلة على المضيق، ومنظومات الدفاع الجوي والرادارات الساحلية، ومواقع الصواريخ والطائرات المسيّرة، قبل أن تنتقل إلى نطاق أوسع شمل مواقع داخل إقليم الأحواز، ولم يكن هذا التحول مجرد توسّع في بنك الأهداف، بل بدا انتقالًا من استهداف أدوات التهديد البحري إلى ضرب البنية العسكرية واللوجستية التي تحمي جنوب إيران، وتربط الساحل بعمقه الإستراتيجي.
واللافت أن الضربات التي طالت إقليم الأحواز جاءت -وفق ما أعلنته الولايات المتحدة وما أوردته وسائل إعلام إيرانية- من بين أكثر الضربات كثافة التي شهدها الإقليم منذ اندلاع الحرب، سواء من حيث عدد المواقع أو طبيعة الأهداف العسكرية. كما وصف مسؤولون أمريكيون هذه العمليات بأنها جزء من جهود «تشكيل البيئة العسكرية»، وفتح خيارات أكثر تعقيدًا أمام صانع القرار الأمريكي، وهي عبارة تحمل في الأدبيات العسكرية دلالة تتجاوز الردع المباشر إلى تهيئة مسرح العمليات لأي مرحلة لاحقة.
في المقابل، تبدو واشنطن أقل نجاحًا في بناء الغطاء السياسي الذي يوازي هذا التصعيد العسكري، فهي تمتلك تفوقًا جويًا وبحريًا واضحًا، لكنها لم تتمكن من تشكيل تحالف دولي واسع كما حدث في حروب سابقة. كما أن توسيع الحرب دبلوماسيًا يتطلب تفاهمات مع قوى كبرى لا تبدو الإدارة الأمريكية مستعدة لدفع أثمانها، سواء في أوكرانيا مع روسيا، أو في تايوان مع الصين، أو في ملفاتها المتشابكة مع أوروبا. لذلك يصبح الاستثمار في التناقضات الداخلية الإيرانية أقل كلفة سياسيًا وعسكريًا من انتظار اصطفاف دولي قد لا يتحقق.
وإذا كان الهدف هو ممارسة أقصى درجات الضغط على النظام الإيراني دون الانزلاق إلى غزو شامل، فإن إقليم الأحواز يمثل النقطة الأكثر حساسية في الجغرافيا الإيرانية؛ فالإقليم يحتضن الجزء الأكبر من حقول النفط والغاز، ومصافي التكرير، ومجمعات البتروكيماويات، وشبكات الأنابيب، التي تغذي الاقتصاد الإيراني، كما ترتبط موانئه بشبكة السكك الحديدية والطرق التي تصل الخليج بوسط إيران وشمالها، ما يجعل السيطرة على هذه العقدة، أو تعطيلها، مؤثرة في الاقتصاد والقدرة العسكرية في آن واحد.
ولا تقتصر أهمية الإقليم على الاقتصاد، فالأحواز تضم قواعد للجيش والحرس الثوري، ومطارات عسكرية، ومستودعات ومنشآت لوجستية، ومراكز قيادة تحمي الجنوب الإيراني. كما أن طبيعتها السهلية تجعل الحركة العسكرية أقل تعقيدًا مقارنة بالمناطق الجبلية في كردستان أو التضاريس الوعرة في بلوشستان، وهو ما يمنح أي عملية محدودة مرونة لوجستية أكبر، وربطًا أسرع بالقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج.
سياسيًا، ظل إقليم الأحواز أحد أكثر الأقاليم اضطرابًا خلال العقود الماضية؛ فقد شهد موجات متكررة من الاحتجاجات على التمييز، وسياسات مصادرة الأراضي، وأزمات المياه، وسوء توزيع الثروة، وقوبلت تلك الاحتجاجات بحملات أمنية واسعة. كما أعلنت أطراف من المعارضة الأحوازية في الخارج، في مناسبات مختلفة، دعمها لأي تحول يؤدي إلى إنهاء سلطة النظام في الإقليم. ولا يعني ذلك وجود إجماع بين سكان الأحواز على أي تدخل خارجي، لكنه يعني أن البيئة السياسية تختلف عن أقاليم أخرى ظلت أكثر التصاقًا بالمركز.
ويُضاف إلى ذلك، أن الأحواز لا يواجه التعقيد الإقليمي نفسه الذي يحيط بالمناطق الكردية أو البلوشية، فتركيا تنظر بحساسية إلى أي تطور في الملف الكردي، وباكستان تراقب أي تحرك في بلوشستان خشية انعكاساته داخل حدودها، أما إقليم الأحواز فلا يخضع لاعتبارات مماثلة، فيما يبقى العراق، بحكم أوضاعه الداخلية، أقل قدرة على التأثير في معادلاته. ومن يمسك بالأحواز لا يسيطر على مياه الخليج بالمعنى العسكري المباشر وحسب، لكنه يمتلك أحد أهم مفاتيح شمال الخليج، وبوابة الجنوب الإيراني، ونقطة تماس إستراتيجية مع جنوب العراق، وممرات الطاقة أيضًا.
وفي حال اتجهت الولايات المتحدة إلى نقل الضغط من الجو إلى الداخل الإيراني، فمن المرجّح أن يعتمد أي تصور عملياتي على ثلاثة محاور متزامنة، لا على جبهة واحدة.
المحور الأول سيكون في بلوشستان؛ حيث يمكن استثمار المعارضة المحلية ذات الامتداد الاجتماعي، بما في ذلك التيارات الإسلامية السنية المعتدلة، لإشغال القوات الإيرانية على الحدود الشرقية دون الحاجة إلى تدخل أمريكي واسع.
أما المحور الثاني فيتمثل في المناطق الكردية، لكن ليس بالضرورة عبر مواجهة عسكرية مفتوحة، بل من خلال العصيان المدني، والإضرابات، وتعطيل خطوط الإمداد، بما يجبر طهران على توزيع قواتها على أكثر من جبهة، ويقلل من قدرتها على تركيز الدفاعات في الجنوب.
ويبقى المحور الثالث، والأكثر حسمًا، هو الوجود الأمريكي المباشر في إقليم الأحواز، إذا اتخذ القرار بالانتقال إلى مرحلة برية محدودة. فالسيطرة على جزيرة خرج، رغم أهميتها النفطية، تجعل القوات الأمريكية محصورة في مساحة صغيرة ومعرضة لضربات الصواريخ والطائرات المسيّرة. أما أي وجود في الأحواز فيمنح قدرة أكبر على التأثير في حقول الطاقة، وشبكات النقل، ومراكز القيادة، ويحول الضغط العسكري إلى ضغط اقتصادي وسياسي في الوقت نفسه.
وتقدم أحداث عام 1941 دلالة لا تزال تحتفظ بقيمتها الإستراتيجية، فحين اجتاحت القوات البريطانية والاتحاد السوفياتي إيران، كانت محاور الأحواز وعبادان والموانئ الجنوبية من أهم بوابات التقدم البريطاني، وأسهم انهيار الجبهة الجنوبية في تسريع سقوط حكم رضا شاه وخروجه من البلاد، وبعد ذلك أصبحت المنطقة محورًا أساسيًا لما عُرف بـ«الممر الفارسي»، الذي تولت الولايات المتحدة لاحقًا تشغيل أجزاء واسعة من بنيته اللوجستية، لنقل الإمدادات إلى الشمال.
لا تتكرر الحروب بالطريقة نفسها، لكن الجغرافيا نادرًا ما تفقد قيمتها، وما جعل الأحواز قبل ثمانية عقود مفتاحًا للدخول إلى إيران لا يزال يمنحها اليوم القيمة ذاتها، وإن اختلفت طبيعة الصراع وأدواته.
ولهذا، فإن تكثيف الضربات الأمريكية على إقليم الأحواز لا يبدو مجرد استجابة ظرفية لتطورات مضيق هرمز، بل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الإقليم يمثل مركز الثقل الاقتصادي والعسكري واللوجستي للنظام الإيراني، وإذا انتهت واشنطن إلى أن القوة الجوية وحدها لن تحقق أهدافها، وإذا بقي تشكيل تحالف دولي واسع أمرًا متعذرًا، فإن الرهان على الداخل الإيراني سيصبح الخيار الأقل كلفة. وفي مثل هذا السيناريو، لن يكون إقليم الأحواز مجرد ساحة عمليات، بل النقطة التي يمكن عندها تحويل التفوق العسكري إلى ضغط سياسي مباشر على بنية النظام الإيراني.
الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد