في مؤشر جديد على الاختلاف ما بين: إيران تحت حكم خامنئي الأب التي اتسمت بهيمنة المرشد على المشهد، مع القدرة على خلق توازن مرن عند الضرورة، وبين إيران تحت حكم خامنئي الابن، التي تكشف عن تعزيز قبضة وهيمنة الحرس الثوري والتيار المتشدد على مفاصل الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، وصناعة القرارات الإستراتيجية.. أصدر مجتبى خامنئي، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، حزمة قرارات، وصفت بالثورية، بتعيين 6 من كبار القادة العسكريين على رأس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والحرس الثوري، ومنظمة التعبئة الباسيج التابعة للحرس، والقوات البحرية، وذلك بعد 24 ساعة من تعيين اللواء محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، في أول عملية لإعادة هيكلة شاملة في هرم القيادة الأمنية والعسكرية بعهد خامنئي الابن، وفي وقت تواجه فيه إيران معضلات معقدة، وسط تصاعد حالة من التوتر الإقليمي واستمرارية تجمع سحب الحرب وتكثيف الضغوط على إيران وأذرعها الإقليمية.
ستة من أصل سبعة قيادات جديدة ينتمون للحرس الثوري، وهم: الأمين العام الجديد للمجلس الأعلى الأمن القومي الذي عين خلفًا لمحمد باقر ذو القدر، والعميد أحمد وحيدي، بعد ترقيته لرتبة لواء، قائد عام للحرس الثوري، خلفًا للجنرال محمد باكبور، علمًا بأن وحيدي كان يشغل ذلك المنصب عمليًا وليس رسميًا منذ اغتيال باكبور، ونائبه اللواء مصطفى إيزدي، واللواء طيار علي عبد اللهي رئيسًا للأركان العامة للقوات المسلحة بعدما كان يتولى قيادة مقر خاتم الأنبياء، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة، خلفًا للجنرال عبد الرحيم الموسوي، والعميد علي عظمائي قائدًا لبحرية الحرس الثوري، خلفًا لعلي تنغسيري، ورجل الدين حسين طائب رئيسًا للباسيج خلفًا لغلام رضا سليماني. أما الشخصية السابعة المحسوبة على الجيش وليس الحرس، فهو العميد كيومرث حيدري، نائبًا لعبداللهي. ويلاحظ من التعيينات أنها تستهدف مباشرة بنية القيادة العملياتية للقوات المسلحة والحرس والباسيج، وتوحيدها تحت قيادة الحرس. فغالبية القادة المعينين يمتلكون خبرات ميدانية كبيرة منذ حرب الثماني سنوت، وصولاً إلى أدوارهم في الحروب الأخيرة.
تحمل التعيينات الجديدة لتعزيز هيمنة الحرس الثوري على القرار الإيراني دلالات بالغة الدقة والتقدير على ملامح المشهد الإيراني على الصعيدين الداخلي والخارجي خلال المرحلة المقبلة. فداخليًا، ربما ستشهد إيران فصل جديد من تشديد القبضة الأمنية لإحباط أي إطروحات إصلاحية محتملة، أو محاولات لتأجيج الاحتجاجات في مهدها عندما تضع الحرب أوزارها، وفي ذلك إدراك إيراني مبكر لشكل المرحلة المقبلة، وما ستؤل إليه البلاد من هبة شعبية عارمة جراء حالات الاحتقان المتصاعد، مما آلت إليه الأمور من تدمير وخسائر جلبت الويلات للشعب، بفعل سياسات وتوجهات النظام، وتزداد مخاوف النظام من مستوى الجاهزية الشعبية للنزول للشارع، ويدرك النظام أن ذلك أخطر على مستقبله من الحرب ذاتها، التي يسخِّر لها كافة مقدرات الدولة والشعب لأجل بقائه واستمراريته.
ارتباطًا بما سبق، يمكن تفسير تعيين طائب رئيسًا للباسيج، على أنه تجهيز استباقي في مواجهة ما تحمله المرحلة المقبلة من تقلبات في الداخل، باعتباره من الشخصيات النافذة المقربة من مجتبى، وصاحب تجارب وخبرات واسعة في قمع الاحتجاجات مثل احتجاجات 2009، وفي ذلك رسالة للداخل، بأن أي محاولات احتجاجية في المستقبل ستواجه بحزم شديد، لا سيما في ظل المحاولات الإسرائيلية والأمريكية لتأجيج الشارع ضد النظام. كما أن مطالبة المرشد له في مرسوم تعيينه بتعميق ثقافة الباسيج والمقاومة لتحقيق شعار “كل إيراني باسيجي” وفرض السطوة العقائدية والأمنية للدولة، تكشف أن الباسيج سيشهد تغييرات هيكلية إصلاحية واسعة خلال المرحلة المقبلة، تعزز من القبضة الأمنية وتوليها الأولوية على الهموم الشعبية، وتعيد الباسيج من مجرد إطار بيروقراطي تنظيمي إلى طبيعته، بوصفه ضمن أهم مراكز قوة المقاومة الداخلية، بهندسة من طائب والاستفادة من خلفيته الاستخباراتية.
تكتسب القرارات أهميتها أيضًا من تعيين شخصيات محسوبة على الرعيل الأول للثورة، حصلت على مناصب رفيعة ضمن الدائرة الضيقة المقربة من خامنئي الأب والابن، ما يعني تمسك النظام بإعادة الحرس القديم المؤمن بنظرية الولي الفقيه لترسيخ سلطته، وأن الجانب المتشدد في النظام بات مسيطرًا على زمام الأمور، ووأد أية محاولات لإفساح المجال لانتقال السلطة إلى الجيل الأصغر، مع إحباط الحظوظ الصاعدة لرئيس البرلمان محمد باقر قاليباف كوجه براجماتي مقبول إلى حد ما للولايات المتحدة. كما أن تولي رضائي لمنصبه الجديد، يعد رسالة للداخل قبل الخارج بأن الحرس من يتخذ القرارات الرئيسية داخل البلاد، لا سيما في ظل مرحلة إقليمية شديدة الحساسية. ويتوقع أن تشكل علاقة القرب المعروفة بين وحيدي ورضائي وبدرجة ما طائب، تحالف قوي في المسائل الأمنية والعسكرية، وربما المساهمة في الحد من الاختراقات الاستخباراتية.
أما خارجيًا، فدلالات التعيين أوقع في ظل أجواء الحرب، حيث ترسم التعيينات ملامح مرحلة إيرانية جديدة يُبدي خلالها النظام جهوزيةً عالية للسيناريو الأسوأ حال عودة الحرب، وذلك يؤشر على حزمة من التوجهات تجاه قضايا الصراع خلال المرحلة المقبلة، أبرزها: أن إيران شكَّلت مجموعة حرب، وتولي الأولوية للردع الأقصى الذي يمزج بين الدفاع والهجوم الأوسع في ساحات الصراع بالمنطقة، لإيقاف أي مغامرات أمريكية-إسرائيلية محتملة، حيث طالب المرشد المعينينَ بالجاهزية الدفاعية العليا، وتأمين القدرة على الرد الفعال (جاهزية هجومية أسرع وأكبر). الأمر الذي يؤشر على أن إيران باتت تمزج بين الجلوس على طاولة المفاوضات وشن الهجمات، بل والمبادرة الهجومية (الضربات الاستباقية المؤثرة مثل الهجمات ضد القواعد الأمريكية في الأردن)، كوسيلة فعالة لمنع واشنطن من توجيه ضربات إضافية لطهران؛ مع القضاء على أي آمال لإبداء المرونة وتقديم التنازلات في القضايا التفاوضية العالقة، والرغبة في تثبيت قاعدة المنطلقات الندية في التفاوض، والاحتفاظ بمكتسبات مذكرة التفاهم أو لا مانع من العودة للحرب، لا سيما في ظل الوعيد والتهديد الأمريكي والإسرائيلي بتوجيه ضربة تاريخية لإيران، قبل إيقافها بمطالب وضغوط إقليمية، تجنبًا لتداعياتها الكارثية على نطاق الحرب بالشرق الأوسط.
بعبارة أخرى لم تعُد تنتظرُ إيران -بهذه التعيينات- حتى تقوم الولايات المتحدة بتحشيد قواتها وبدء هجماتها حتى ترد عليها كما كان الحال في فترة خامنئي الأب، وإنما قد تتحرَّك بالرد الاستباقي عندما ترصد أي تحشيدات أو استعدادات عسكرية لشن عمليات هجومية ضدها، لا سيما في ظل ترجيحها لاحتمالات اتساع نطاق الحرب خلال الأسابيع أو الأشهر القادمة. وبرزت اللغة الهجومية الاستباقية بصورة أوقع في قرار تعيين وحيدي، إذ رقاه المرشد لرتبة لواء، وكلفه بالجهوزية والاستعداد العالي والذكي لتنفيذ عمليات هجومية قوية ضد العدو. كما أن التعيين الرسمي لوحيدي، يعكسُ الرضا الكبير من المرشد عن مسار إدارة العمليات العسكرية أثناء الحرب، الأمر الذي شجعهُ على التوجيه بتأمين الجاهزية لمعركة طويلة الأجل لن تكون فيها إيران الخاسر الوحيد بحسب تقديراته، وربما توسيع نطاق وخيارات العلميات الاستباقية خلال المرحلة المقبلة لمزيد من رفع التكلفة على إدارة ترامب، مع قرب حلول الانتخابات النصفية. كذلك يأتي تعيين عظمائي، الذي يمتلك خبرات واسعة في قيادة المنطقة البحرية الخامسة في الحرس الثوري -منطقة المياه الخليجية ومضيق هرمز- ضمن الرغبة في استمرار النهج الهجومي البحري للحرس ضد سفن وناقلات النفط، ويرجَّح أن يقود تعيينه إلى تكثيف الأنشطة الإيرانية في هرمز، الذي بات من أعقد قضايا الصراع بين واشنطن وطهران، وباتت السيطرة الإيرانية عليه توجهًا إستراتيجيًا طويل الأمد، لا تكتيكيًا يرتبط فقط بتحسين الشروط التفاوضية.
أبرز ما تكشف عنه التعيينات النوايا الإيرانية تجاه المحور الإقليمي، فسيطرة الحرس على المشهد تطرح التساؤلات حول مستقبل الاتفاق السعودي-الإيراني، ومستقبل العلاقات الإيرانية-الخليجية، ويعقِّد التسويات المطروحة تجاه ملف تسليم سلاح الميليشيات في العراق، ما يفسر زيارة قآاني للعراق في 11 أغسطس 2026. ويدور الحديث عن رفض إيراني لتسليم السلاح في العراق، لما لذلك من تداعيات قد تمتد لفرض نفس النهج بشأن نزع سلاح حزب الله اللبناني، وفي ظل الواقع الجغرافي الجديد على الحدود الشمالية للعراق، وتناثر الحديث عن تسليم السلاح الخاص بالجيش فقط من مدافع ودبابات، مع الاحتفاظ بالصواريخ والمسيرات التي تعد نقاط قوة الميليشيات في الحروب الإقليمية، كما تكشف -أيضًا- أن مسألة تنشيط محور المقاومة بات راسخًا في الإستراتيجية الإيرانية، كتوجه إستراتيجي لا تكتيكي، مقارنةً بفترة خامنئي التي تعرَّض خلالها المحور لضربات تاريخية، كثر خلالها الحديث عن الخذلان الإيراني للمحور، أما في المرحلة الجديدة التي سيسيطر فيها الحرس، فمن المحتمل أن تتوجه إيران للعودة إلى تفعيل المحور ضمن إحياء مبدأ وحدة الساحات. ويظهر ذلك جليًا في الإصرار الإيراني على إدراج ملف الأذرع والساحات في المفاوضات مع الولايات المتحدة، واشتراطها إيقاف الحرب الإسرائيلية في الساحات ضمن شروطها لإيقاف الهجمات، وبلغ الأمر إلى الحديث بأن أي اعتداءات ضد الجنوب اللبناني سيواجه بضربات مماثلة.
وختـامًا؛ تكشف المعطيات أن إيران ستدخل فصلاً جديدًا من هيمنة الحرس على القرارات الإستراتيجية للبلاد، تتوقَّع خلالها طول أمد المعركة مع الولايات المتحدة وإسرائيل بأنماط مختلفة (سواءً من الداخل أو من الخارج)، وأنها تجاوزت مرحلة ضبط النفس، وانتقلت إلى تبني نهج أو عقيدة هجومية لا دفاعية، وذلك بتثبيت قادة الحرب المؤثرين في القرارات الإستراتيجية العليا، الذين رفعوا التكلفة على ترامب بحسب تقديراتها العسكرية، ضمن مقاربة إيرانية جديدة تميل إلى الضربات الهجومية الاستباقية كوسيلة ناجعة في ردع الخصوم، مما يُعزز من فُرص اتساع نطاق الصراع المفضي إلى حرب إقليمية شاملة يخشاها الجميع، في ظل بيئة إستراتيجية باتت أكثر تعقيدًا وتداخلاً. لكن يظل ضيق الوقت وحجم الخسائر غير المسبوقة وحسابات المخاطر والتكلفة لضربة أمريكية وإسرائيلية مشتركة والتغير والتحولات الجارية في البيئة الإستراتيجية في الشرق الأوسط تحدياتٌ أمام توجهات القيادات العسكرية والأمنية الجديدة.
الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد