زار المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر موسكو مؤخرًا، حيث التقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد فترة من تعثر المفاوضات وتصاعد الهجمات، ويعد هذا اللقاء محاولةً لإعادة فتح قنوات الدبلوماسية واستئناف المحادثات الرامية إلى التوصل إلى اتفاق سلام، ومع ذلك استأنفت روسيا هجماتها بعد توقف دام ثلاثة أيام خلال زيارة المبعوثين الأميركيين. ورغم تأكيد الجانبين أهمية اللقاء وإبدائهما قدرًا من التفاؤل، لا تزال الخيارات الفعلية لتبديد حالة الجمود معقدة وغامضة.
ووفقًا للتقارير، التقى ويتكوف وكوشنر ببوتين لأكثر من ثلاث ساعات في الكرملين، قبل أن يتوجها مباشرة إلى كييف لإجراء مشاورات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وذلك للمرةٍ الأولى منذ اندلاع الحرب. وتمحورت المناقشات حول سلسلة من المقترحات الأميركية الجديدة التي لم تُكشف عن تفاصيلها بعد. ورغم وصف مسؤولين روس وأمريكيين المحادثات بأنها مفيدة، لكن عدم الإعلان عن أي اتفاق يكشف حقيقة أساسية، وهي أن العقبات الرئيسية أمام التوصل إلى تسوية مستدامة لا تزال قائمة، وفي مقدمتها التباينات المتعلقة بالأهداف العسكرية والسياسية لكل من روسيا وأوكرانيا، لذا فالتحدي الرئيسي هو التوفيق بين رؤيتين متعارضتين مما يمكن التوصل لتسوية مقبولة للطرفين.
كما تواجه جميع الأطراف اعتبارات وأولويات سياسية داخلية مهمة؛ إذ تعاني أوكرانيا من تحديات سياسية واقتصادية وعسكرية متفاقمة، فقد أقال زيلينسكي ميخايلو فيدوروف وأوليكساندر سيرسكي، مما يعكس وجود توترات داخلية، لذا فأي مؤشر على الضعف سيكون بالغ الكلفة بالنسبة إلى القيادة الأوكرانية. ويواجه بوتين بدوره ضغوطًا داخلية؛ فالقيود التي واجهها حزب «يابلوكو» المناهض للحرب في انتخابات عام 2026م تعكس إلى حد ما قلق الكرملين حتى من المنصات السياسية محدودة التأثير، التي قد توفر قناة للتعبير عن الاستياء الشعبي وحشده. وفي الولايات المتحدة، تؤثر الاعتبارات السياسية الداخلية للرئيس دونالد ترامب بدورها وبشكل حتمي في البيئة الدبلوماسية. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، لدى إدارة ترامب دوافع قوية لإظهار تقدم ملموس في واحد من أكثر الصراعات تأثيرًا في العالم، لا سيما في ضوء وعد ترامب الانتخابي بإنهاء الحرب.
ولعل الخلاف الأبرز بين روسيا وأوكرانيا يتعلق بالسيطرة على الأراضي؛ إذ لا تزال روسيا مُصرةً على أن أي تسوية شاملة يجب أن تعكس ما تصفه بـ«الوقائع على الأرض»، فهي ما زالت تتمسك بمطالبها بشأن مناطق في شرق أوكرانيا وجنوبها، بما في ذلك دونباس وزابوريجيا وخيرسون وشبه جزيرة القرم. في المقابل، ترى أوكرانيا أن المطالب الروسية تتعارض مع سيادتها وأمنها على المدى الطويل، لذا فهذه التنازلات الإقليمية لا تعني مجرد خسارة أراضٍ، بل ستؤثر أيضًا في قدرتها على الردع ومواردها الاقتصادية وأولوياتها الجيوسياسية.
أما بالنسبة إلى روسيا، فقد أصبحت السيطرة على دونباس محورًا أساسيًا لأهدافها العسكرية، فضلًا عن سرديتها السياسية. وما دام الطرفان ينظران إلى هذه القضايا باعتبارها عناصرَ لا غنى عنها لتحقيق أهدافهما الإستراتيجية، ستظل فرص خفض التصعيد والتوصل إلى اتفاق سلام محدودة. وفي السياق الراهن، تبقى قضية الأراضي العقبة المركزية أمام التوصل إلى أي اتفاق.
كما تشدد روسيا على ضرورة معالجة ما تسميه «الأسباب الجذرية» للصراع، في إشارةٍ إلى مخاوفها من توسع حلف شمال الأطلسي «الناتو» والتوجه العسكري المستقبلي لأوكرانيا. وفي المقابل، تؤكد أوكرانيا، في معرض حديثها عن العدوان الروسي، أن أي تسوية يجب أن تتضمن ضماناتٍ أمنية قوية وقادرة على منع أي عدوان في المستقبل.
وترتبط هذه الخلافات وتداعيات المواقف المتباينة أيضًا بمدى ونطاق وطبيعة الهيكل الأمني في أوروبا، إذ تفاقم المعضلة الأمنية من تعقيدات فرص التوصل إلى سلام مستدام؛ فقد عزز الدعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي الغربي لأوكرانيا قدرتها على مقاومة روسيا، لكن ترى موسكو في هذا الدعم تهديدًا متزايدًا لأمنها، وهو تصورٌ يَنسجمُ مع موقفها المتشكك منذ زمنٍ حيال توسع الناتو.
وقد استنزفت الحرب، إلى حد كبير، مخزونات روسيا العسكرية وكشفت عن نقاط ضعف تكنولوجية لديها، مما دفعها لتوسيع قدراتها الإنتاجية وتعزيز روابط الإمداد الدفاعي مع شركائها وحلفائها؛ فقد بلغت النفقات الدفاعية الروسية لعام 2026م نحو 12.9 تريليون روبل (157 مليار دولار)، فيما بلغ الإنتاج المحلي من الطائرات المسيّرة 30 ألف طائرة سنويًا، مع توقعات بمضاعفة هذه القدرة الإنتاجية. وفي مسعى لمواجهة القدرات الروسية، يخطط الاتحاد الأوروبي لفرض ما يصل إلى 1600 عقوبة جديدة تستهدف المجمع الصناعي العسكري الروسي وشبكات الالتفاف على العقوبات.
ولا يزال مدى النفوذ الذي تستطيع الولايات المتحدة ممارسته على روسيا أحد أكثر جوانب المفاوضات أهمية، لا سيما أن أوكرانيا وحلفاءها الأوروبيين يدركون أهمية دور واشنطن في إرساء أي اتفاق دائم. وقد أظهر بوتين مرارًا استعداده لتحمل التكاليف الاقتصادية والعزلة الدولية في سبيل تحقيق أهداف إستراتيجية يراها أساسيةً للأمن القومي. وهذه الحقيقة تعقّد الافتراض القائل إن الضغط الأميركي وحده سيكون كافيًا في هذه المرحلة لانتزاع تنازلات روسية كبيرة.
وتعكس طبيعة المفاوضات بين الولايات المتحدة وروسيا نهجًا يرتبط ارتباطًا جليًا بأسلوب ترامب في السياسة الخارجية، حيث تحظى الدبلوماسية الشخصية بالأفضلية على المسارات البيروقراطية الرسمية. وقد برز ذلك في مقاربة ترامب للعمل الدبلوماسي، التي تبدو قائمة على اعتقاد بأن فرص تحقيق نجاحات سياسية تكون أكبر من خلال المفاوضات المباشرة مقارنةً بالقنوات المؤسسية التقليدية. ولذلك، يشكل التركيز على الدبلوماسية المكوكية التي يقودها مبعوثون موثوقون، واستكشاف الحوافز الاقتصادية التي يمكن أن ترافق أي تسوية مستقبلية، سمةً بارزةً في أسلوب ترامب الدبلوماسي.
ويكتسب توقيت الزيارة الأخيرة أهمية بالغة؛ فقد شدد مسؤولون مرارًا على مخاوفهم من الهجمات التي تستهدف البنية التحتية للكهرباء والطاقة قبل حلول فصل الشتاء. ومن المرجح أن تهدف التكتيكات الروسية بالدرجة الأولى إلى إضعاف قدرة أوكرانيا الاقتصادية على الصمود وزيادة الضغوط على قيادتها. ومن منظور موسكو، قد يحسن تقويض أوراق القوة الأوكرانية قبل الدخول في أي مفاوضات حقيقية موقع روسيا على طاولة المفاوضات. وتشير تصريحات بوتين وردوده إلى أن روسيا لا تزال تعطي الأولوية لأهدافها العسكرية.
ومن المرجح أيضًا أن تكثف روسيا حربها الهجينة في أنحاء أوروبا؛ فمن خلال حملات التضليل والدعاية، تستطيع موسكو استغلال الانقسامات القائمة داخل أوروبا، ناهيك أن النقاشات بشأن أمن الطاقة والإنفاق الدفاعي والعقوبات والدعم العسكري لأوكرانيا تسهم في تأجيج التوترات السياسية الداخلية في عدد من الدول الأوروبية. وفي هذا الصدد، يعكس صعود الأحزاب المتشككة نجاعة استمرار دعم أوكرانيا، ومن بينها حزب «البديل من أجل ألمانيا| AfD»، جانبًا من هذه التوترات. وترى زعيمة الحزب أليس فايدل أن سياسة ألمانيا تجاه أوكرانيا أسهمت في تشكل التحديات الاقتصادية ومشكلات الطاقة التي تواجهها البلاد. وتوفر مثل هذه الخلافات داخل العواصم الأوروبية لروسيا مجالًا لتكثيف الحرب الهجينة بهدف إضعاف التماسك الأوروبي، حتى وإن لم تؤدِ في المدى القريب إلى تغييرٍ جوهريٍ في سياسات الحكومات.
أما الرئيس زيلينسكي فلا يرى أن أوكرانيا قد مُنيت بهزيمة إستراتيجية في الظروف الراهنة، فقد أكدّ مسؤولون أوكرانيون مرارًا فاعلية الضربات بعيدة المدى التي تستهدف البنية التحتية العسكرية واللوجستية في عمق الأراضي الروسية. وتنظر كييف إلى هذه العمليات باعتبارها دليلًا على احتفاظ أوكرانيا بالقدرة على الرد وإلحاق كلفة بروسيا، رغم التحديات التي تواجهها في ميدان القتال، لذلك لدى أوكرانيا أيضًا دوافع لمواصلة العمل على تحسين الظروف قبل الدخول في مسار تسوية نهائية. وهذا الرهان المتبادل على امتلاك أوراق قوة إضافية في المستقبل يُصعب الطريق لتوصل إلى أرضية وسطية للمفاوضات.
وقد وسعت حملة الضربات الأوكرانية نطاق الحرب في عمق الأراضي الروسية، مستهدفة مواقع رئيسية، من بينها موسكو وسانت بطرسبرغ وقاعدة كرونشتادت البحرية ومصافي كويبيشيف. وألحقت هذه الهجمات أضرارًا ببنية تحتية حيوية، وعطلت إنتاج الطاقة الروسي وسلاسل الإمداد العسكرية، ونتيجة لهذه الضرابات، توقف عمل بعض المصافي وأغلقت مطارات وارتفعت تكاليف إصلاح البنية التحتية الصناعية الخاضعة للعقوبات، كما أجبرت الضربات الأوكرانية الأخيرة موسكو على إعادة نشر أنظمة دفاع جوي بعيدًا عن خطوط المواجهة لحماية البنية التحتية داخل البلاد.
وتساور أوكرانيا أيضًا مخاوف بشأن الموقف الأميركي من التنازلات الروسية، لاسيما أن أي تسوية دائمة لا بد أن تستوفي عدة شروط في آن واحد؛ فروسيا تسعى إلى تخفيف العقوبات، واستعادة الوصول إلى الأسواق، والإفراج عن الأصول المجمدة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالمكاسب العسكرية التي تعدها ذات أهمية إستراتيجية أساسية، أما أوكرانيا فتسعى إلى الحصول على ضمانات أمنية موثوقة وحماية سيادتها، ناهيك أن لا بد من إقناع الحكومات الأوروبية التي ستتحمل التداعيات الأمنية طويلة الأمد لأي اتفاق بدعم النتيجة النهائية. ولهذا السبب، ينبغي النظر إلى التحركات الدبلوماسية الراهنة، ليس بالضرورة باعتبارها مؤشرًا على تحقيق انفراجهٍ قريبة، بل بوصفها تمهيدًا للأرضية السياسية اللازمة لمفاوضات مستقبلية. وخلال الأشهر المقبلة، من المرجح أن نشهد تصاعدًا للعمليات العسكرية قبيل الشتاء مع استمرار المناورات الدبلوماسية أكثر من احتمالية التوصل إلى اتفاق سلام شامل، لاسيما أن موسكو وكييف تتبنيان رؤى مختلفة جذريًا بشأن التنازلات والضمانات الأمنية والنظام المستقبلي في أوروبا. وإلى أن تتقلص الهوة بين هذه الخلافات، يُرجح أن تبقى المفاوضات منصبةً على إدارة الصراع بدلًا من تسويته. وبالنظر إلى المرحلة المقبلة، فإن التكهنات بشأن اتصالات دبلوماسية على مستوى أعلى، بما في ذلك الاحتمال الذي طرحه مستشار بوتين يوري أوشاكوف بشأن عقد لقاء مستقبلي يجمع ترامب وبوتين وشي جين بينغ، تعكس مساعي إيجاد زخم دبلوماسي جديد، لكن من غير المؤكد عقد هذه اللقاءات في الوقت الراهن.