تمثل المواجهات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة تحولًا قد يكون حاسمًا في الصراع المستمر بينهما منذ ستة أشهر؛ إذ تسعى طهران لتحويل مضيق هرمز إلى الساحة الرئيسية لمواجهتها مع واشنطن، من خلال إطلاق صواريخ باليستية على سفن حربية أميركية، واستهداف الملاحة التجارية، ومهاجمة منشآت عسكرية إقليمية في الكويت والبحرين والأردن، لكن أصبحت الإستراتيجية الإيرانية تتجاوز مضيق هرمز، فمن خلال الضغط على القواعد الأميركية في أنحاء الخليج، وتنامي سيطرة حلفائها الحوثيين حول باب المندب، تسعى طهران إلى امتلاك أوراق ضغط عند البوابتين البحريتين اللتين تربطان الخليج بالأسواق الدولية.
وبحسب مسؤولين أميركيين، حاولت القوات الإيرانية مرارًا استهداف قطع بحرية أميركية منذ مطلع سبتمبر، من بينها حاملة طائرات ومدمرات وسفينة واحدة على الأقل تقل عناصر من مشاة البحرية. وفي هذا الصدد، صرحت القيادة المركزية الأميركية إن أيًا من هذه الهجمات لم ينجح، لكن يمثل استهداف حاملة طائرات تصعيدًا بالغ الخطورة؛ فحتى الهجوم الفاشل يشكل تحديًا لرمز من رموز التفوق العسكري الأميركي، فيما قد يؤدي نجاح مثل هذا الهجوم إلى رد انتقامي واسع النطاق. ومن هنا، أصبحت قدرات إيران المتطورة في مجال الصواريخ المضادة للسفن عنصرًا محوريًا في هذه المواجهة. ويزعم مسؤولون إيرانيون أن الصواريخ التي نُشرت حديثًا مزودة بأنظمة توجيه كهروبصرية تمكّنها من تحديد السفن المتحركة وتعقبها، والجدير بالذكر أن صاروخ «قاسم بصير»، الذي أعلت عنه إيران عام 2025م، مزودٌ بهذه التقنية.
وتعتمد فاعلية هذه الصواريخ على قدرة إيران على تحديد مواقع السفن الأميركية ونقل معلومات دقيقة لاستهدافها، وبما أن الضربات الأميركية أضعفت، بحسب تقارير، بنية المراقبة والاستطلاع الإيرانية، يشتبه مسؤولون أميركيون في أن صور الأقمار الاصطناعية الصينية ربما تعوض جانبًا من هذا النقص. ولا يزال ذلك في إطار الاتهامات، لكن حتى تقديم مساعدة استخباراتية محدودة من شأنه أن يربط هذا الصراع بالمنافسة الدولية الأكبر التي تخوضها واشنطن مع موسكو وبكين.
وردت الولايات المتحدة باستهداف ناقلات نفط إيرانية عقب سلسلة من الهجمات على سفن حربية أميركية، فقد دمرت القوات الأمريكية ووفقًا للقيادة المركزية الأميركية، ثماني ناقلات نفط إيرانية أو عطلتها بصورة دائمة، من بينها ناقلتان قرب جزيرة خرج، مضيفةً أنَّ هذه السفن كانت تابعة لـ«أسطول الظل» الذي يمول الحرس الثوري الإيراني وشركاءه الإقليميين.
ويعكس ذلك إستراتيجيةً أميركيةً تقوم على العقاب الاقتصادي، بهدف الحد من الخسائر البشرية المباشرة؛ فالناقلات تمثل في الوقت نفسه أصولًا تجارية، وأدوات للالتفاف على العقوبات، ومصادر إيرادات للدولة الإيرانية، لذلك بتدميرها تبعث رسالة مفادها أن كل هجوم إيراني سيؤدي إلى مزيد من تقليص قدرة طهران على تصدير النفط وتمويل الحرب.
وفي المقابل، تسعى إيران إلى تقويض ليس فقط السفن الحربية الأميركية، بل أيضًا البنية التحتية البرية التي تدعم عملياتها، وكان أبرز الأهداف قاعدة «نشاط الدعم البحري في البحرين»، الذي يضم مقر الأسطول الخامس الأميركي والقيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية، وقد أدى تعطيل هذه المنشأة إلى زيادة الاعتماد على “دييغو غارسيا”، الواقعة على بعد أكثر من ألفي ميل، ما يزيد من تعقيد عمليات الصيانة وإعادة الإمداد.
لم تدمر إيران الأسطول الخامس، إذ يمكن توزيع سفنه ووظائف القيادة التابعة له على مواقع مختلفة، لكن الأضرار أظهرت أن المنشآت الأميركية الثابتة الواقعة ضمن مدى الصواريخ الإيرانية معرضة للخطر، ناهيك أن إيران تهدف إلى إطالة خطوط الإمداد والتموين الأميركية، ورفع تكلفة الاستمرار على الحصار البحري.
وأصبحت الإستراتيجية الإيرانية تعزيز ربط مضيق هرمز بباب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس، لاسيما بعدما ازدادت أهميته مع سعي شركات الشحن الدولية إلى إيجاد بدائل عن المرور عبر مضيق هرمز.
وقد عزز استيلاء الحوثيين المتحالفين مع إيران على جزيرة بريم موقعهم عند أضيق نقطة في باب المندب؛ فإلى جانب سيطرتهم على جزء كبير من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، يوسع ذلك قدرتهم على مراقبة الملاحة التجارية وتهديدها. ولا يعني هذا سيطرة إيرانية مباشرة، إذ يحتفظ الحوثيون بمصالحهم السياسية الخاصة وبقدر من الاستقلالية العملياتية. ومع ذلك، فإن تقدمهم يخدم إستراتيجية طهران من خلال زيادة الضغوط على أهم طريق بحري بديل لمضيق هرمز.
كما كشف الهجوم الذي دفع السعودية لتعليق العمليات في خط أنابيب النفط «شرق-غرب» عن ملامح إضافية لهذه الإستراتيجية الإيرانية الجديدة؛ فبوسع السعودية تجاوز مضيق هرمز عبر نقل النفط باتجاه البحر الأحمر، لكن هذا الخيار يصبح أقل أمنًا عندما يصبح خط الأنابيب وباب المندب عرضة للتهديدات.
ويترافق هذا التصعيد العسكري مع تحرك دبلوماسي؛ فقد واصلت طهران مباحثاتها مع عُمان بشأن ترتيباتٍ مؤقتةٍ لإدارة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وتفيد التقارير بأن المفاوضات تناولت توزيع مسارات الشحن، والشروط التي يمكن بموجبها للسفن التجارية العبور، ومطلب إيران الاحتفاظ بدور تنظيمي. ومن المتوقع أيضًا أن يناقش وزراء خارجية دول الخليج هذا الإطار مع إيران.
ولا تتناقض هذه المفاوضات مع إستراتيجية التصعيد الإيرانية، بل ترسم بعدها الدبلوماسي؛ إذ تستخدم إيران حالة انعدام الأمن في مضيق هرمز، والهجمات على القواعد الأميركية، والضغط المحيط بباب المندب، لإقناع دول الخليج بأن الحصار الأميركي لا يستطيع ضمان أمنًا دائمًا في المنطقة.
وقد وضع الحصار إيران تحت ضغوط شديدة؛ فتراجع صادرات النفط قلص قدرتها على الحصول على العملات الأجنبية، وأضعف الريال، وفاقم التضخم والتداعيات الاجتماعية الناجمة عن خفض الدعم. ولا تستطيع طهران هزيمة البحرية الأميركية في مواجهة تقليدية؛ لذلك تسعى بدلًا من ذلك إلى جعل الحصار غير قابل للاستمرار اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا. فالهجمات الصاروخية تجبر السفن الأميركية على استهلاك صواريخ اعتراضية باهظة التكلفة، والضربات على القواعد تعطل العمليات اللوجستية، والتهديدات التي تستهدف الناقلات ترفع تكاليف الشحن والتأمين، فيما يقوض الضغط عند باب المندب طرق التصدير البديلة.
ويمثل هذا الانتقال من «الردع التفاعلي» إلى «الردع النشط» توسيعًا لنطاق المواجهة من مضيق هرمز إلى المنشآت الأميركية في أنحاء المنطقة، وبصورة غير مباشرة إلى البحر الأحمر، لكنه ينطوي على مخاطر هائلة؛ فمقتل بحارة أميركيين أو إلحاق أضرار جسيمة بحاملة طائرات قد يدفع واشنطن إلى شن رد انتقامي ساحق. وبالمثل، قد تؤدي الهجمات على البنية التحتية الخليجية إلى دفع دول المنطقة نحو مزيد من التقارب مع الولايات المتحدة، بدلًا من إقناعها بالسعي إلى تفاهم مع طهران.
وهكذا، أصبح التصعيد والتفاوض أداتين يعزز كل منهما الآخر، بحيث تسعى واشنطن إلى إثبات أن الهجمات الإيرانية تترتب عليها عواقب اقتصادية لا يمكن تحملها، فيما تحاول طهران إثبات أن الحصار سيعرّض القوات الأميركية والبنية التحتية الخليجية والتجارة الدولية للخطر من مضيق هرمز إلى باب المندب، في الوقت الذي تطرح فيه اتفاقًا إقليميًا باعتباره المخرج الوحيد القابل للاستمرار. ويبقى الخطر الأكبر متمثلًا في وقوع حادث يسفر عن خسائر بشرية أو أضرار جسيمة إلى حد يحرم الحكومتين من المساحة السياسية اللازمة للتراجع عن التصعيد.