يبدو أن تعهد إدارة ترامب بشن “يوم إنزال اقتصادي” ضد إيران هو إعلان عن هجوم نهائي وحاسم. لكن الإجراءات التي كشف عنها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تبدو أقرب إلى إنذار نهائي منها إلى قطيعة اقتصادية فعلية مع إيران، فقد وسَّعت واشنطن نطاق العقوبات الثانوية لتشمل الأصول الرقمية الإيرانية وقطاعات التكنولوجيا والذهب والطيران والشحن، وحذَّرت الحكومات والشركات الأجنبية من أن استمرارها في التجارة مع طهران قد يحرمها من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي. ومع ذلك، لم تُقدِم إدارة ترامب حتى الآن على فرض عقوبات فورية على شركاء إيران الاقتصاديين الرئيسين.
وهذا التمييز مهمٌ للغاية. فإيران بالفعل من أكثر دول العالم تعرُّضاً للعقوبات. وقد أضعفت القيود المفروضة عليها لعقود اقتصادها، وأجَّجت التضخم وأضعفت عملتها وشجَّعت على هروب رؤوس الأموال. كما فاقمت الحرب الأخيرة والحصار البحري وتدمير أجزاء من بنيتها التحتية البتروكيماوية والصناعية هذه المشكلات الهيكلية. لكن مجرد إضافة مزيد من الكيانات الإيرانية إلى قوائم العقوبات الأمريكية لن يحقق بحد ذاته “العزلة الشاملة” التي تتحدَّث عنها واشنطن. وسيتوقف نجاح إستراتيجية ترامب أو فشلها على قدرة الولايات المتحدة على إحداث قطيعة اقتصادية فعلية بين إيران والدول الأربع التي توفر لها أهم شرايين الحياة الاقتصادية: الصين والإمارات وتركيا والعراق.
وهنا تواجه إدارة ترامب أكبر اختبار لها؛ فإيران ليست دولةً معزولةً جغرافياً يمكن إغلاق حدودها بسهولة. فهي تشترك في حدود برية طويلة مع تركيا والعراق، ولا تزال تعتمد على الصين كسوق رئيسة لنفطها. وحتى وقت قريب، كانت تعتمد أيضاً على شبكات تجارية ومالية واسعة في الإمارات، لكن أبوظبي علَّقت الآن جميع أشكال التجارة والتبادل التجاري والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، في ضربة كبيرة لأحد أهم شرايين الاقتصاد الإيراني، وفي نجاح مبكر وملموس لإستراتيجية واشنطن الرامية إلى عزل طهران.
كما أنتجت العقوبات المفروضة لعقود منظومةً مرنة من الوسطاء وآليات التبادل غير الرسمية والشركات الوهمية ومعاملات العملات المشفرة وشبكات التحايل على القيود البحرية. لذلك، تحتاج الولايات المتحدة إلى أكثر من مجرد إدراج كيانات جديدة على قوائم وزارة الخزانة. فعليها إقناع شركاء طهران أو إجبارهم على تحمل التكاليف السياسية والاقتصادية المترتبة على تطبيق العقوبات. ولا يزال العراق مرتبطاً بإيران ارتباطاً وثيقاً من خلال واردات الطاقة والتجارة والشبكات الدينية والعلاقات السياسية. وترى تركيا في التجارة عبر الحدود مع إيران مصلحةً اقتصاديةً وأداةً لتعزيز استقلالية قرارها الإقليمي في الوقت نفسه. أما الإمارات فهي شريك وثيق للولايات المتحدة، إلا أن دبي لطالما مثَّلت منصةً تجاريةً حيوية للشركات الإيرانية. وفي المقابل، تمتلك الصين الوزن الاقتصادي والدافع السياسي اللذين يمكّنانها من مقاومة الضغوط الأمريكية ممتدة الآثار.
وفي هذه المعادلة تمثل الصين الطرف الأكثر أهمية. فقد أظهر تعامل بكين مع اضطراب إمدادات النفط الناجم عن الحرب مع إيران أن قدرتها على تحمل هذه الصدمة ربما تكون أكبر مما افترضته واشنطن. فقد مكّنها تنويع مصادر الطاقة على مدى سنوات وتراكم مخزونات إستراتيجية كبيرة والتوسع في استخدام المركبات الكهربائية واعتمادها على مصادر محلية في توليد الكهرباء من استيعاب أحد أشد اضطرابات إمدادات النفط في التاريخ الحديث.
لكن لا ينبغي المبالغة في تقدير هذه القدرة على الصمود. وتشير التقديرات الحالية إلى أن احتياطيات الصين قد تتيح لها مواصلة هذه الاستراتيجية لمدة خمسة أو ستة أشهر أخرى، لكن الصورة تصبح أقل وضوحا بكثير بعد ذلك. فالمخزونات تستطيع تخفيف أثر الصدمة، لكنها لا يمكن أن تحل محل تدفقات الواردات الطبيعية بشكل دائم. وإذا طال أمد الأزمة، فستواجه بكين في نهاية المطاف خيارات أكثر صعوبة بشأن الاستهلاك والنشاط الصناعي وإعادة تكوين احتياطياتها.
كما أفرز الموقف الصيني نتيجة متناقضة بالنسبة إلى إيران. فقد انطلقت استراتيجية بكين أساساً من مصالحها الاقتصادية، إذ سعت إلى تجنب صدمة في أسعار النفط ومنع تباطؤ اقتصادي إضافي في وقت يواجه فيه الاقتصاد الصيني بالفعل صعوبات كبيرة. ولذلك لجأت إلى احتياطياتها وقلَّصت صادرات الوقود وخفَّضت مشترياتها من الأسواق العالمية بدلاً من الدخول في منافسة شرسة على كل برميل متاح.
وقد أضعفت هذه الإستراتيجية -من خلال مساهمتها في احتواء الأسعار- قدرة طهران على استخدام مضيق هرمز ورقة ضغط. فقد توقعت إيران أن يؤدي تعطيل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم إلى ارتفاع حاد في الأسعار، وزيادة الضغوط التضخمية داخل الولايات المتحدة، ودفع ترامب إلى إعادة النظر في الحرب. لكن أسعار النفط لم ترتفع بالقدر الذي كانت طهران تأمله. وبالتالي أسهمت قدرة الصين على استيعاب الاضطراب بشكل غير مباشر في تقليص قدرة إيران على الضغط على واشنطن، بل خفَّفت أيضاً التكاليف السياسية الداخلية للحرب على ترامب من خلال الحد من ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، تقلل قدرة الصين على الصمود من قدرة واشنطن على الضغط على بكين. فإذا أراد ترامب فرض حظر فعلي على إيران، فسيتعين عليه فرض عقوبات على البنوك الصينية ومصافي التكرير وشركات الشحن والوسطاء، وهو ما قد يفتح الباب أمام مواجهة مالية وتجارية أوسع بكثير بين البلدين. ولا يتعلق السؤال هنا بما إذا كانت واشنطن تمتلك القدرة التقنية على تنفيذ ذلك، فهي تمتلكها بالتأكيد. بل يتعلق بما إذا كان ترامب مستعدا للمساس بأولويات أخرى في العلاقة الأمريكية-الصينية وزعزعة الأسواق العالمية من أجل فرض حظر شبه كامل على إيران.
ويكشفُ تصريح بيسنت بأنه لا يريد “تفجير النظام المالي العالمي” عن التناقض الأساسي في هذه السياسة: فلا يمكن للعزلة الاقتصادية أن تكون شاملةً فعلاً ما لم تكن واشنطن مستعدة لتحمل تداعيات قد تمتد إلى النظام الاقتصادي العالمي بأكمله.
وتفسر الخيارات الإستراتيجية المحدودة المتاحة أمام ترامب عودته إلى استخدام الحرب الاقتصادية. فلم تؤدِ أشهر من الغارات الجوية والحصار البحري إلى إسقاط الجمهورية الإيرانية، ولم تجبر طهران على قبول الشروط الأمريكية أو إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل. كما تعثرت الدبلوماسية، في حين أن شن حملة عسكرية واسعة أخرى قد يحمل مخاطر سياسية على ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي.
ويمنح الضغط الاقتصادي إدارة ترامب وسيلة لإظهار الحزم من دون تصعيد المواجهة المباشرة فوراً. لكن هذه الإستراتيجية قد تقود إلى نتيجتين مختلفتين جذرياً. ففي السيناريو الأول، قد يخلُص قادة إيران إلى أن المسار الاقتصادي أصبح غير قابل للاستمرار. فإذا فرضت الصين وتركيا والعراق والإمارات قيوداً كبيرة على العلاقات التجارية والمالية مع إيران، فقد تواجه الجمهورية الإيرانية تراجعاً في عائدات صادراتها ونقصاً في العملة الأجنبية، وتفاقماً في التضخم وصعوبات متزايدة في تمويل الدولة وأجهزتها الأمنية.
ولن يكمُن مصدر القلق حينها في الصعوبات الاقتصادية وحدها، فقد نجت القيادة الإيرانية منها مراراً، بل في احتمال أن تتطور هذه الصعوبات إلى انهيار شامل في النظام.
وفي ضوء هذه الظروف، قد تسعى طهران إلى تسوية. ومن المرجح أن تقدم القيادة الإيرانية أي مفاوضات على أنها ضرورة تكتيكية تهدف إلى الحفاظ على الدولة، لا على أنها استسلام. وقد أثبتت إيران في السابق استعدادها للتفاوض عندما تهدد الضغوط مصالح القيادة الأساسية.
وقد يؤدي تقديم عرض جدي لإيران يجمع بين تخفيف العقوبات وضمانات أمنية وإطار دبلوماسي واقعي إلى تعزيز موقف الأصوات داخل القيادة الإيرانية التي ترى أن التوصل إلى اتفاق محدود أفضل من الخنق الاقتصادي المستمر. لكن الضغط لا يؤدي تلقائياً إلى الاعتدال.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في أن يفسر صانعو القرار الإيرانيون الحملة الاقتصادية باعتبارها مرحلةً تمهيدية لمواجهة عسكرية أخرى. فمن منظور طهران، قد تبدو إدارة ترامب وكأنها تستغل الأشهر التي تسبق انتخابات التجديد النصفي لإضعاف إيران اقتصادياً وتقييد وصولها إلى التكنولوجيا العسكرية، وإعادة تهيئة الظروف السياسية اللازمة لاستئناف العمل العسكري بعد ذلك.
وإذا ساد هذا التصور، فقد يخلُص القادة الإيرانيون إلى أن الانتظار أصبح أكثر خطورةً من التحرك. وقد يصعدون الضغط في مضيق هرمز أو يستهدفون المصالح الأمريكية أو دولاً إقليمية أو يسرِّعون الأنشطة النووية الحساسة أو يبحثون عن وسائل أخرى لإظهار أن خنق إيران سيُحمِّل خصومها تكاليف لا يمكن تحملها.
وعندها قد يؤدي الضغط الاقتصادي الذي صُمم أصلاً لخلق نفوذ تفاوضي إلى ترسيخ منطق استباقي يقوم على التصعيد. وكلما ازداد خوف طهران من أن يكون الهدف النهائي للولايات المتحدة هو تغيير النظام، تراجعت حوافزها لتقديم تنازلات قد تجعلها أكثر عرضةً لهجوم لاحق.
لذلك، لا تتحدَّد النتيجة الحاسمة بمدى شدة العقوبات المعلنة، بل بالرسالة السياسية المصاحبة لها. فالضغط من دون مخرج دبلوماسي موثوق سيُعزز موقف “المتشددين” في إيران الذين يرون أن واشنطن تسعى إلى الاستسلام لا إلى التسوية. وفي المقابل، يمكن لعقوبات مرتبطة بمطالب واضحة وقابلة للتحقيق وحوافز ملموسة أن تؤثر في حسابات النظام، لا سيما إذا بدأ شركاؤه الاقتصاديون المتبقون في الابتعاد عنه.
ولا تزال “النهاية” التي يسعى إليها ترامب غير واضحة؛ لأن العزلة الاقتصادية الشاملة ليست سياسةً تستطيعُ واشنطن تنفيذها بمفردها. فهي تعتمدُ على القرارات التي تتَّخذها بكين وأنقرة وبغداد وأبوظبي، وعلى حجم الثمن الذي تستعد الولايات المتحدة لفرضه على الحكومات التي ترفض الامتثال.
فإذا استمرت هذه العلاقات الاقتصادية، لن يؤدي الهجوم الاقتصادي إلَّا إلى إحداث تأثير رادع قوي، دون أن يصل إلى حد الحصار المحكم. أما إذا انقطعت هذه العلاقات، فقد تواجه الجمهورية الإيرانية أخطر أزمة اقتصادية في تاريخها. لكن حتى في هذه الحالة، لن تستطيع واشنطن الجزم بشأن ما إذا كان الخوف من انهيار النظام سيدفع طهران إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، أم سيُقنع قادتها بأن عليهم توجيه ضربة قبل أن تبدأ المرحلة التالية من الحرب.