تناقضات السياسة الإيرانية.. المثال والواقع

بواسطةمحمد السيد الصياد

إنّ المتابعَ في الآونة الأخيرة للسياسة الإيرانية في المنطقة، سوف يجدُ مجموعة من التغيرات الآيديولوجية على صعيد النظرية، والممارسة والتطبيق. فزادت الفجوة بين النظرية والمثال، والواقع والتطبيق. فما نَظّره وخَطّه فلاسفة الثورة الإيرانية شيء، وما يحدث اليوم ممَّن تبقى منهم، ومن تلامذتهم، شيء آخر تمامًا. فعندما نستقرئ ما كتبه مرتضى مطهري في “الثورة والدولة”، وفي “نقد الفكر الديني”، وما كتبه غيره -مثل علي شريعتي، وحسين منتظري- عن الأخلاق السياسية، وفقه الاستضغاف، ونجدة المظلومين…! نُدرك تمامًا أننا أمام إمَّا نفاقٍ براجماتي سياسي، وإمّا تَنَصُّلٍ من تلك المبادئ التي وضعها الأوَّلون، والتي لا تكاد تكون طُبّقت على الإطلاق.
من هنا جاءت تلك الأسئلة التي نُوجِّهها إلى القائمين على السياسة الإيرانية، بخاصة خامنئي: هل دولة الجمهورية الإسلامية، قائمة على مرجعية براجماتية نفعية، أم على مرجعية إسلامية ذات مبادئ وقيم ثابتة؟!
وها أنا ذا أطرح عدّة أسئلة وإشكالات لا تدور فقط في عقلي، بل تدور في العقل الجمعي السُّنِّي، كلّه، وعقل الجماهير في المنطقة العربية والإسلامية، بل وبعض المدارس والحوزات الشيعية، مثل السيد الصرخي وتلامذته من الشِّيعَة العرب، أو السيد هاني فحص رحمة الله ومدرسته الفكرية، أو حتى الشيخ صبحي الطفيلي، وعشرات من علماء الشِّيعَة الذين اتخذوا موقفًا مغايرًا لِخَطّ الجمهورية الإسلامية، ثم ثارت ثائرة الأتباع عليهم بالتخوين والتفسيق وما أشبه!

أسئلةٌ مُحيّرة:
يا خامنئي، دعني أعُد إلى الوراء قليلًا: هل تعرفُ وهل أَخْبَرك رجالك الأوفياء بما يحدث في سوريا، وما ترتكبه الميلشيات الشيعية العراقية والإيرانية هناك؟
ألا تدري أن حزب بشار الأسد هو التوأم الحقيقي والشقّ السوري للبعث العراقي الذي كفّره علماؤكم، وثاروا عليه -بدعمٍ منكم- كالسيد باقر الصدر رحمه الله، ومَن قبله ومَن بعده؟! فكيف حاربتم البعث في العراق ثم تدعمونه وترسِّخون أقدامه في سوريا، وتعتبرونه حليفًا لكم لا يمكن التنازل عن وجوده؟! ولا ندري ماذا ستقولون لربكم عن تلك البراميل المتفجرة، وعن ملايين اللاجئين والمشرَّدين، وعن مئات الألوف من القتلى والمصابين!
ألا تعرفون أنّ سُمْعَتَكم وسُمْعةَ نظامكم صارت مُشوَّهة في العالَم كلّه بسبب حربكم ضدّ إرادة الناس، وقمعكم الحريات ليس في بلدكم فحسب بل صدّرتم القمع والإجرام؟ بل إنّ سُمعة مذهبكم كله في خطر إذا أبقيتم على هذا الخطّ في السياسة الخارجية.
إنكم لم تدعموا الشعب السوري، وقفزتم على اختيارات الشعوب، ثم سعيتم لإسقاط الدولة اليمنية عبر دعمكم رجال الحوثي، ثم -من قبل ذلك ومن بعده- أسقطتم بالفعل الدولة السورية!
هل طمعتم في الاستيلاء على المنطقة بالمذهب والطائفة، ولو بإشعال النيران، وصب الزيت على النار؟!

الحوثيون واليمن:
ألا تدلّني وتدلّ العقلاء كيف توافقون على أن يقفز الحوثيون على الحكم في اليمن؟! كيف توافقون أن يتجاهل الحوثيون العملية السياسية، ويتهموا الأحزاب الكبيرة والعريقة بل والقوى الشبابية الثورية بالخيانة؟! كيف يقفزُ فصيلٌ صغير على سُدّة الحكم من غير أي عملية سياسية أو انتخابات أو صناديق، أو مشاركة مجتمعية؟! لماذا لم يسيروا في الاتجاه السياسي؟!
هل أخبروك أن أزمة اليمن بدأت بسبب ارتفاع أسعار الوقود، فخرج الحوثيون في مظاهرات حاشدة من أجل تخفيض الأسعار، ثم تمادوا إلى الأعمال التخريبية؟!
هل من المعقول أن تصل الأمور إلى ما هي عليه الآن من دماء وقتل وتشريد، بسبب أزمة وقود؟!
هل من الحِنْكة السياسية أن يخرج الصِّبْية الصغار ليهدِّدوا حدود المملكة العربية السعودية باستعراضات عسكرية ضخمة؟!
هل تقبلون أنتم أن تنفّذ دولة مجاورة لكم استعراضًا عسكريًّا على الحدود؟!
بل هل تقبل أنت أيها الرجل الكبير أن يحمل حزبٌ عندك في إيران من أقليات السُّنَّة أو اليزيدين أو اليهود السلاح في وجه الدولة، أو حتى بامتلاك السلاح في ظلّ وجود الدولة؟!
وأظنّك تذكر ما فعله رجال الحرس الثوري مع المتظاهرين المعارضين لفوز نجاد سنة 2009م، مع أنهم كانوا من نفس الشعب ومن نفس الطائفة! إلا أنهم اتُّهموا بالعمالة والخيانة، مع كونهم عشرات الآلاف! ولا يزال مئات منهم قابعين في السجون!
ولا يزال نجل الإمام الخميني مؤسِّس دولتكم يتعرَّض للضغوط من أجهزتكم الأمنية بسبب مواقفه الإصلاحية؟! ولا يزال رفسنجاني -وهو من هو في تأسيس دولتكم- تتهمونه بالخيانة! ولا يزال محمد خاتمي -وهو رئيس دولتكم السابق- تتهمونه بالعمالة!
فهل تسير الدول بهذه الطريقة؟! وهل يُمكن أن يمتّ هذا إلى الإسلام الحنيف، وإلى منهج أمير المؤمنين كرَّم الله وجهه؟!

أخلاق أم براجماتية؟!
هنا يكمن السؤال يا خامنئي: هل تعتمدون على القيم والمبادئ، أم على المصالح والبراجماتية، أم على الطائفية، أم على القومية الفارسية؟! يجب أن تحدِّدوا أجندتكم، وتوضِّحوا معالم دولتكم، كي نعرف كيف نخاطبكم، لأننا تارةً نجدكم براجماتيين، وأخرى طائفيين، وأخرى إسلاميين!

الشِّيعةُ في بلادنا والسُّنُّة في بلادكم:
إنّ الشِّيعَة في البحرين والكويت واليمن، وفي السعودية، يعيشون في رغد العيش، ولهم مساجد خاصَّة بهم، ولهم دُور علم وعبادة، فأين السُّنَّة في إيران؟! أين مساجدهم؟ وأين حقوقهم السياسية والدينية؟ هل من المعقول أن تناصر مطالب البحرين وتسمِّيها ثورة، وتقول إن الشِّيعَة هناك فوق الخمسين في المئة، ثم تقمع أنت بنفسك ثورة سوريا؟! هل من المعقول أن تتَّهم كل من يخالفكم بالعمالة لأمريكا وأنتم تجلسون معها على طاولة مفاوضات لتسمح لكم بالعيش في المجتمع الدولى من غير عقوبات؟!
ألا ترى تناقضات بين دعمكم الحوثيين في اليمن ضدّ الدولة وضدّ الثورة، ودعمكم نظام الأسد ضدّ الثورة وضدّ الشعب؟ ثم تتبجحون وتتكلمون عن أدبيات الثورة والمظلومية والاضطهاد والاستضعاف! أإلى لهذه الدرجة غاب ماءُ الوجه، وصرتم تتاجرون بالدين والمذهب والطائفة؟! أإلى لهذه الدرجة لم تحترموا الإسلام ومبادئه وقيمه وأخلاقه! أإلى لهذه الدرجة تغيِّرون الواقع، وتحرِّفون الحقائق!

وفي النهاية:
إن المشكلة -في نظري- تكمن في عدم وضوح القاعدة والأُسُس التي ترتكزون عليها، أهي المبادئ والقيم، أم البراجماتية، أم الطائفية، أم هو الخليط حسب المصالح والأهواء والمواقف؟!
يبقى في صدري شيء أودّ أن أنفث عنه: لماذا توسِّعون هُوَّة الخلاف السياسي؟ ولماذا تُلبِسُونه نَفَسًا طائفيًّا ومذهبيًّا، وتقولون لكلّ مُخالِف في السياسة لكم: “أنت عدوّ الله، أنت عميل أمريكا، أنت عميل للصهاينة”، كما نجد في خطابات نصر الله وغيره؟

محمد السيد الصياد
محمد السيد الصياد
باحث غير مقيم بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية .