حلب والتوسُّع الفارسي تحت قناع التشيُّع

بواسطةجان أجون

إن طموحات إيران الجيو-سياسية تهدف إلى إعادة بناء الإمبراطورية الفارسية، كما أنها تستخدم التنظير السياسي قناعًا لتنتقم لما حدث قبل 1500 عام، وكان نتيجة ذلك أن ظهر تنظيم “داعش” الإرهابي.
إن الأحداث في سوريا أكثر حِدّة من التي عاشتها البوسنة في وسط أوروبا في بداية التسعينيات، إذ اقترف نظام الأسد وحلفاؤه عديدًا من الجرائم اللا إنسانية، من قتل للمدنيين واغتصاب ممنهج. بدورها تعمل تركيا على وقف هذه الوحشية بخلق فرصة لترفع صوتها، وكافحت أيضًا لإقناع روسيا بإجلاء مئات آلاف المحاصرين شرقيّ حلب، بيد أن إيران ونظام الأسد أخلُّوا باتفاق وقف إطلاق النار عدة مرات، فهاجموا القوافل الإغاثية، حتى إن الأمم المتحدة تذمرت من المجازر التي حدثت. ما سبب كل هذا العنف والوحشية؟

» “يا عليّ” بنكهة فارسية
روسيا تحارب في سوريا من أجل مصالحها، فهي تهتمّ بالمنطقة من الناحية الجيو-سياسية، ورغبتها في الغوص في البحار الدافئة لا تنتهي، والاستراتيجية الأورو-آسيوية، إلخ، فإذا تطلبت مصالحها أن تخوض الحرب، فهي ستحارب بكل شراسة، وإذا تَطلّب الوضع السلام فستكون بنفس الطريقة كما حدث في حلب، ولكن إيران وجيش الميليشيات الشِّيعِيَّة التابع لها ليسوا كذلك. نعم، إن طموحات إيران وأهدافها الجيو-سياسية هي عودة حدودها لفترة ما قبل الإسلام، والسعي لبناء إمبراطورية فارس العظيمة، لذا تسعى إيران للانتقام لما حدث قبل 1500 سنة من خلال الحرب السورية التي استمرّت لِمَا يقارب خمس سنوات.
علاوةً على ذلك، فمن خلال وقوف الشِّيعَة خلف العقول الساسانية، بدؤوا من جديد بمواجهة التحديات وتَمكَّنوا من أن يتغلبوا على المسلمين عسكريًّا وسياسيًّا، فهم يزعمون أن الأراضي من العراق إلى سوريا، ومن لبنان إلى اليمن، تابعة لهم، كما تُعَدّ الحركة الشِّيعِيَّة نوعًا من أقنعة الاستراتيجية الجيو-سياسية، ولديهم أدوات عديدة لحشد الجماهير، منها نداؤهم بـ”يا علي يا حسين”، وهي وسيلة لخلق المجازر الدامية.
في الآونة الأخيرة، جذبت المجازر في حلب الأنظار، بيد أن حالات الظلم نفسها التي يواجهها العراق منذ عقود لم تجذب الأنظار، في النهاية وعدت الميلشيات الشِّيعِيَّة شقيقتها “داعش” بأن تخلق لها بيئة اجتماعية في العراق.

» استراتيجية التدمير
حقيقةً تعيش حلب حالة من العنف والوحشية بكل ما تعنيه الكلمة من معنًى، ومن الصعب جدًّا أن تعبِّر الكلمات عمَّا يحدث في حلب، نحن نتكلم عن واحدة من أهمّ المدن السورية، التي يوجد فيها أيضًا عديد من الآثار التاريخية، ولكن للأسف تَخَلَّى المجتمع الدولي عن المعارضة السوريّة، وتركوهم وحدهم أمام النظام وحلفائه في هذه الظروف العصيبة، وفي النهاية تَمكَّن النظام من إسقاط حلب. بدوره يستخدم النظام الآن الاستراتيجية المعروفة بـ”استراتيجية التدمير”، لأنهم استهدفوا المناطق التابعة للمعارضة بالبراميل المتفجرة والأسلحة الثقيلة، وهدفهم تجريد المنطقة من البشر، ولم يستهدفوا المناطق العسكرية فقط، بل قصفوا المستشفيات والمدارس والأسواق والجوامع ومحلات المواد الغذائية والملاجئ المدنية أيضًا، فدمّروا جميع العوامل التي تساعد على مواجهة مصاعب الحياة، وكل ذلك ليموت الناس في ذلك المكان من الجوع والعطش، والنتيجة موت عشرات آلاف الأطفال والنساء. كما توجد دلائل قاطعة على استخدام النظام غاز الكلور وبعض الأسلحة الكيميائية. وتوجد تقارير عديدة حول استخدام قوات النظام وحلفائه عمليات الاغتصاب سلاحًا ضدّ الشعب، ووصلت معلومات من حلب إزاء ذلك أيضًا. إن أهل حلب يواجهون وحشية من المستحيل أن تصفها الكلمات. لقد ارتكب النظام وحلفاؤه جرائم حرب وجرائم بحقّ الإنسانية في حلب على مرأى من الجميع.

» ملحمة حلب الكبرى والاحتفال بالنصر الدموي
لم يعُد ممكنًا تغيير مصير مدينة حلب من الناحية العسكرية، فهي في الحقيقة كانت قد خسرت الحرب منذ فترة. قبل ما يقارب شهرين كانت منطقة شرق حلب تحت سيطرة النظام وروسيا وإيران والميليشيات الشِّيعِيَّة، وفي المقابل كانت قوات المعارضة تعمل على تكوين جيش لكي تتمكّن من كسر هذا الحصار، آنذاك قال أحد قادة هذا الجيش: “هذه هي فرصتنا الأخيرة، فبعد هذا الهجوم ستكون حلب لنا أو للنظام”. بيد أن المعركة التي بدأت 28 أكتوبر والتي سُمّيَت أيضًا “ملحمة حلب الكبرى”، باءت بالفشل، وأصبحت جميع الآمال في كسر هذا الحصار من المستحيل أن تتحقّق على أرض الواقع. من جانبها حاولت قوات المعارضة بكل شجاعة أن تتغلب على هذه الهجمات في ظلّ كل الظروف الصعبة، ولكن خطوط الدفاع انهارت بشكل سريع للغاية، ورجعوا إلى الخلف تدريجيًّا، حتى لم يتبقَّ تحت سيطرتهم إلا مساحة قدرها 6 كيلومترات.
بعد أن أسقطوا حلب بدأت الاحتفالات في دمشق، ووزّعوا الحلوى في إيران احتفالًا بذلك، إن الاحتفال بالفوز أمر طبيعي للغاية، ولكن كيف وبأي دافع يحتفلون بالإجرام وقتل الأطفال واغتصاب النساء!

» تَدمُر.. هدية “داعش”
بالعودة إلى الماضي، نجد أن النظام وحلفاءه فرضوا السيطرة بنجاح على مدينة حلب من خلال مرحلتين منفصلتين، في فبراير عام 2016 تَمكَّن النظام والميليشيات الشِّيعِيَّة من فرض السيطرة على القرى الرئيسية، بفضل عمليات القصف الجوي التي شنّتها القوات الروسية، وعلى أثر ذلك وصلوا إلى مدينتَي نبل والزهراء، حيث تَمكَّنوا أيضًا من الوصول إلى المنطقة التي كانت تحت سيطرة المعارضة لمدة ثلاث سنوات، وهكذا أُغلِق مخرج أهالي حلب إلى تركيا بإحكام، وفي شهر يونيو من عام 2016، نفّذ النظام المرحلة الثانية من عملية الحصار، واستهدف الأماكن الرئيسية، وعندما أغلقوا الطريق الوحيد لقوات المعارضة فُرض الحصار بشكل تامّ.
أحضر النظام وحلفاؤه قوّاتهم كافة من جميع الجبهات إلى حلب، وتَسبّب هذا في تعريض جبهات أخرى للخطر، وكانت النتيجة استعادة تنظيم “داعش” السيطرة على مدينة تَدمُر في غضون بضعة أيام، ففرض سيطرته على جميع ثرواتها كالنِّفْط والغاز، وكذلك استحوذ على المطار العسكري، وهذا دليل على فشل النظام في إدارة مدينتين تشهدان صراعًا عنيفًا، وفي النهاية، بفضل الدعم المقدَّم لقوات النظام وحلفائه، هُزمت قوات المعارضة، وأصبحت فرصتها في إعادة مدينة حلب تحت سيطرتها ضئيلة جدًّا. بناءً على ذلك علينا أن نؤكّد أن تدخُّل دولتين مثل روسيا وإيران بكامل قوتهما في الحرب السورية، هو ما جعلنا نصل إلى هذه النتيجة.

» السيطرة على حلب وتأثير سقوطها على قوات المعارضة
إن مدينة حلب ذات أهمية بالغة من الناحية العسكرية والمعنوية، لأن سقوطها أثّر بشِدّة على قوات المعارضة. وفي الوقت الراهن نشاهد موازين القوى في سوريا تميل، لكن ليس لصالح المعارضة. في المقابل يجب أن لا ننسى أن أمام المعارضة خيار الاندماج ليتخلصوا من الدوامة التي دخلوا فيها، ولكن في إطار التعصُّب التنظيمي والخلافات الآيديولوجية والمصالح الدولية، كل هذه الأمور تُعتبر عوائق أمام حدوث الاندماج.
من المتوقَّع أن تبقى قوات المعارضة في حالة الدفاع طوال فصل الشتاء، وفي النهاية، تُعَدّ هذه الحرب الداخلية حربًا لاستنزاف القوى، ومَن يبقَ على قيد الحياة فسوف يكون هو المنتصر، كما أن الظروف التي تواجهها قوات المعارضة من الممكن أن تتغير في أي لحظة، خصوصًا بعد أن وصل ترامب إلى كرسي رئاسة الولايات المتحدة، لأن إدارة ترامب الأمريكية قد تستهدف إيران، ومن الممكن أيضًا أن يتغير كثير من موازين القوى.

» تركيا فتحت مجال المناورة
سقطت حلب تحت سيطرة النظام، وبدأت قوات المعارضة تضعف، كما نفّذت تركيا عمليات مدينة الباب بالتعاون مع الجيش السوري الحر لتحافظ على أمنها، لذا فمن المتوقع أن تشهد سوريا حالة من الفوضى بسبب حروب الوكالة من القوى الإقليمية والدولية في المستقبل، ومن شبه المستحيل تقييم حيوية الاشتباكات السياسية والعسكرية وتَنَوُّع الجهات والتنبُّؤ بالمستقبل. تواجه تركيا تحالف روسيا ونظام الأسد وإيران، وجدير بالذِّكْر أن اتفاق وقف إطلاق النار في حلب كشف لنا نقاط ضعف جدِّيَّةً في هذا التحالف.
في نهاية المطاف تسعى تركيا لفتح مجال المناورة ضدّ هذا التحدي الكبير، مستفيدةً من تطبيع العلاقات مع روسيا في الفترة الأخيرة، وفي الوقت ذاته تعمل على مساعدة المعارضة كي لا تُهزم عسكريًّا، وتطهِّر أيضًا حدودها من “داعش”.
قد يكون لحركة “درع الفرات” تأثير على استعادة سيطرة نظام الأسد وحلفائه على مدينة حلب من قوى المعارضة بشكل غير مباشر، إن لم يكُن مباشرًا، وإن المعارضة التي تتحكم في المنطقة بفضل الدعم التركي في نطاق عملية درع الفرات، باتت تهدِّد تعزيزات نظام الأسد.

» لن يحدث ذلك رغمًا عن تركيا
في الحقيقة فإن العراق وسوريا على وشك التقسيم. قُسّم المجتمع هنالك إلى طوائف دينية ومذهبية وعرقية، فأصبح الرافضون للعنف راديكاليين، وأصبح الناشطون مُحارِبين، كما زرعوا نزعة الثأر ومشاعر الكراهية والحقد بينهم، وفي الوقت ذاته يوجد كثير من المنظَّمات الإرهابية، فضلًا عن أولئك الذين يؤجِّجُون نيران العداوة في المجتمع.
يبدو أن الشرق الأوسط يسير بسرعة نحو فترة مشابهة لأحداث ما بعد الحرب العالمية الأولى، كما أصبحت الثورات الشعبية التي بدأت في تونس وانتشرت في أقطار الشرق الأوسط، سببًا للتغيُّر الملحوظ في الوقت الراهن، وما حدث خلال فترة كأنها مئة سنة، حدث في الحقيقة خلال خمس سنوات.
العراق وسوريا دخلتا مرحلةً هَجينًا بين تأكُّل سلطة الدولة وازدياد الجهات الفاعلة الخارجية، كما أن جميع هذه الجهات المحلّية والإقليمية والدولية تخوض معركة ضخمة لتحقيق أكبر قدر من مصالحها الإقليمية، وهنا نرى أنه يجري تجاهل تركيا لإبقائها خارج المعادلة، واتّضح أنهم يعزلونها في الداخل، وذلك من خلال محاولة انقلاب 15 يوليو، ويعيدون أيضًا تشكيل الحدود في الشرق الأوسط، إذ جاء ردّ تركيا على محاولة انقلاب 15 يوليو من خلال عملية “درع الفرات”، وهي تقول لهم الآن: “إذا أردتم إخراجنا من المعادلة فلن تتمكنوا من إتمام اللعبة في العراق وسوريا من دوننا”.

مادة مترجمة عن صحيفة “ستار” التركية


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المركز

جان أجون
خبير استراتيجي تركي في السياسة الخارجية بمركز الأبحاث الاقتصادية والسياسية والاجتماعية (سيتا)