لعبة المصالح: الأزمة السورية وقمة أنقرة

بواسطةد. أحمد أبو العزم

تقترب الأزمة السورية من عامها الثامن، هذه الأزمة التي تداخلت فيها عدة قوى وتشكّلت تحالفات، أبرزها التحالف الإيراني-الروسي-التركي، ولا يزال الثابت في حدود الجغرافيا السورية خلال السنوات الماضية هو القتل والدمار وازدياد الأمر سوءًا يومًا بعد يوم، بينما المتغير هو توزيع مناطق السيطرة بين الأطراف المتصارعة وخروج قوى من المشهد ودخول أخرى، وتحوّل الحرب إلى صراع عالمي متعدّد الأطراف وساحة لحرب بالوكالة.
بعيدًا عن مبدأ الربح والخسارة أو التأييد للنظام السوري من عدمه فلا تزال أعمال التخريب مفروضة على المدنيين السوريين بفعل جميع الأطراف المشاركة بلا استثناء.
وفي كل هذه الأجواء عُقدت قمة أنقرة خلال الأسبوع الماضي حول الأزمة السورية، ورغم حفاوة الاستقبال التي تصدرت المشهد من الرئيس التركي لقادة إيران وروسيا أمام عدسات الكاميرات، فإنّ هناك تباينًا في الأهداف وخلافات حول سُبل تحقيق المصالح بين الدول الثلاث، فجلسة أنقرة هي استمرار للمباحثات التي أقيمت من قبل في إطار مباحثات «أستانة» بخصوص القضية السورية، إذ كانت القمة السابقة في ميناء «سوشي» بروسيا في شهر نوفمبر 2017م.

• أزمة واحدة ومواقف متفرقة:
على الرغم من تباين موقف تركيا مقارنة بموقف روسيا وإيران الداعمين لنظام بشار الأسد، فإن المزاعم بشأن تزايد التنسيق بين الدول الثلاث بشأن هذا الملف هو الثابت الوحيد إعلاميًّا في تلك المباحثات المتكررة، فهل ثمة متغير ما قد يأتي من تلك الاجتماعات؟
في الحقيقة لا يمكن أن نستبق باستنتاجات دراماتيكية دون تحليل لما تمخض عنه اجتماع أنقرة، الذي خرج ببيان ختامي تحدث عن بعض المبادئ، منها:

أولًا: النزاع السوري ليس له حل عسكري
هذا الأمر يخالف الواقع كثيرًا، فهذه الدول الثلاث عمليًّا توجد في سوريا عسكريًّا وتسببت في تأخر الحل السياسي، كما أن كلًّا منها يبحث عن مصالحة وتحقيق مكاسب شخصية على المدى القريب والبعيد، فمنذ البداية وتركيا فتحت أبوابها لكل التنظيمات للدخول عبر الحدود المشتركة مع سوريا من أجل تحقيق هدفها في طموحات التوسع الإقليمي، ومن ناحية أخرى من أجل مجابهة حلم أكراد سوريا بالتلاحم مع أكراد تركيا وتشكيل دولة خاصة بهم.
إلا أنه من التناقض الشديد أيضًا في رأيي أن تركيا تدعم مجموعة من المعارضين لنظام الأسد وفي نفس الوقت تُعقد قمة المصالح -إن صحّت التسمية- على أراضيها لدعم نفس النظام وتنضم إلى جانب إيران وروسيا.
لم يكن الأمر بعيدًا عن إيران أيضًا، فهي الأخرى لديها طموحات وأحلام توسعية في المنطقة وإن اختلفت الأهداف، لكن على الرغم من الاختلاف داخل إيران نفسها في بداية الأحداث بسوريا بين المسؤولين والسياسيين حول مشاركة إيران في الأزمة السورية من عدمه، فإنها شاركت وبجدارة في قمع الثورة السورية خشية سقوط حليفها الاستراتيجي في المنطقة وحفاظًا على طريق إيصال الدعم اللوجيستي لميليشيا حزب الله في لبنان، وشغفًا في امتداد النفوذ الإيراني في المنطقة والاقتراب أكثر من خط الحدود من إسرائيل، ليس من أجل الحرب معها وإنما من أجل المساومات السياسية، ويبدو أنها نجحت في ذلك، فقوّات الحرس الثوري والميليشيات التابعة لها مثل «زينبيون» و«فاطميون»، علاوة على حزب الله اللبناني، أصبح لها وجود فعلي على الأراضي السورية وأصبحت أحد اللاعبين الأساسيين في الصراع السوري، كما أن إيران نجحت أيضًا في جرّ الحليف الروسي إلى واقع الأحداث في سوريا دفاعًا عن نظام الأسد في عام 2015م ومنحته ولأول مرة في تاريخ الجمهورية الإيرانية حق استخدام قواعدها العسكرية لضرب أهداف على الأراضي السورية، ومنذ عام 2011 م وحتى اليوم ارتكبت كل من الدول الثلاث أبشع الجرائم التي يمكن أن توصف بأنها جرائم حرب في حق المدنيين على تلك الأرض، ونسيت إيران أو تناست مبادئها التي تصدع دومًا بها رؤوسنا من أنها المساند والداعم للمظلومين والمستضعفين في الأرض، فهل كان شعب سوريا هم الجبابرة ونظام بشار الأسد حمامة السلام لتقف إلى جانبه طهران، أم أنها لعبة المصالح والخداع؟

ثانيًّا: التأكيد على وحدة الأراضي السورية واستمرار عملية السلام
هذه النقطة وردت في البيان الختامي لكن يبدو أنه من الصعب تحقيقها في ظل دخول تركيا للشمال السوري وخوفها كما ذُكر في موضع سابق من الحكم الذاتي للأكراد هناك، وهو الأمر الذي يعزز فرضية بقاء القوّات التركية في شمال سوريا لفترات طويلة، وهي ذاتها ستكون موضع الخلاف بين تركيا وإيران والنظام السوري.
إنّ هذه القمة التي تعقد للمرة الثانية خلال الأشهر الستة الماضية، ورغم محاولة إعطائها طابع الانسجام والتعاون، لم تخفِ الخلافات والسعي لتحقيق المصالح لكل دولة من الدول الثلاث منفردة عن الأخرى، فروحاني وإن تحدث عن ضرورة خروج جميع القوّات الأجنبية من سوريا، تناسى أن بلاده لها قوّات على الأراضي السورية، وأن القوّات التركية احتلت جزءًا من شمال سوريا، كما ذكر بدوره أردوغان أن خروج القوّات من سوريا لن يحدث إلا بعد طرد المتمردين، وهو يقصد الأكراد، إذ تخشى تركيا من أن يؤدي الحكم الذاتي للأكراد في شمال سوريا إلى تعزيز النزعة الانفصالية للأكراد التُرك، فهل يمكن فعليًّا في الوقت الراهن خروج قوّات إيران وروسيا وتركيا من سوريا أم أنها آمال ومجرد أحلام؟
الأمر يختلف تمامًا بالنسبة إلى روسيا، وخلال القمة كان موقف الرئيس الروسي متحفظًا، بل إنه لم يبدِ تفاعله مع الرئيس الإيراني والتركي، فالأسد هو الحليف المقرب لموسكو في منطقة الشرق الأوسط، وهي لا تريد أن تفقد موطئ قدم لها في المنطقة، وبخاصة «طرطوس» المنفذ الوحيد على البحر المتوسط.

ثالثًا: تأكيد الرؤساء الثلاثة على استمرار التعاون في ما بينهم بشأن سوريا من أجل تحقيق وقف إطلاق النار الدائم بين الأطراف المتنازعة.. بالإضافة إلى تقدم العملية السياسية
في الواقع، يدرك قادة الدول الثلاث أنهم جزء أصيل من المشكلة في سوريا، وهذا بفضل الطموحات والرغبة في توسيع نفوذهم في منطقة الشرق الأوسط، لذا يمكن القول إنّ المتغير الوحيد في هذه القمة بالنسبة إلى سوريا هو الانتقال من رسم مناطق النفوذ إلى تثبيت مناطق النفوذ، وبالتالي عدم تضارب المصالح أو الاحتكاك العسكري، وهو الأمر الوحيد المفهوم في ظل تجاور تلك القوى العسكرية متباينة الأهداف والاستراتيجيات.

• قمة سورية لم يحضرها سوري واحد:
في الحقيقة لم يكن هذا الاتفاق هو الشاغل الأكبر لتلك القمة، بل كانت هناك شواغل أخرى كثيرة ليس من ضمنها الأزمة السورية وتقسيم أدوارهم فيها، يؤيد ذلك تلك المباحثات الثنائية التي أخذت الحيز الأكبر، إذ عقدت ثلاث قمم ثنائية، بين الرئيس الروسي والتركي، وبين الرئيس الروسي والإيراني، وبين الرئيس التركي والإيراني، ويتضح من الصفقات التــي أبرمت خلال القمة في الاجتماعات الثنائية التي عقدت بين رؤساء الدول الثلاث أنها بالفعل قمة الاجتماعات الثنائية من أجل المصالح وتنمية العَلاقات، وتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية أو ما يمكن القول عنه الرقص فوق جسد الوطن السوري الجريح. ففي لقاء روحاني مع الرئيس الروسي تحدث روحاني عن العَلاقات الاستراتيجية بين طهران وموسكو، ووصفها بأنها تتماشى مع تنمية الاستقرار والأمن الإقليمي والدولي، وأكد روحاني على ضرورة تنفيذ الاتفاقيات بين إيران وروسيا في قطاعات الاقتصاد والطاقة والنقل والترانزيت، وقال: «إن التنمية والمزيد من تسهيل العَلاقات المصرفية وزيارات رجال الأعمال وشعوب البلدين سوف يعطي دفعة أكبر للعَلاقات الاقتصادية والتجارية بين طهران وموسكو»، مشددًا على التعاملات عبر استخدام العملة الوطنية من أجل الوصول إلى الأهداف المعنية في العَلاقات والتعاون.
وبدوره، أضاف بوتين أن روسيا مصممة على الاستثمار في المجالات الاقتصادية المختلفة في إيران ومواصلة العَلاقات مع طهران في الأبعاد السياسية والاقتصادية وفي مجال الطاقة والدفاع على مستويات عالية، وكذلك السعي لتعزيز التعاملات المصرفية واستخدام العملات الوطنية في المعاملات والصفقات التجارية.
كما أكد الرئيس الإيراني والتركي على العَلاقات المتنامية في القطاعات المختلفة بين البلدين، وضرورة تنمية وتعزيز وتوطيد العَلاقات الثنائية الشاملة إقليميًّا ودوليًّا، إضافة إلى التأكيد على التعاون الحدودي ومكافحة الجرائم المنظمة والتعاون في مجال البيئة والسياحة ومكافحة المخدرات والتعاون الجمركي والترانزيت والعَلاقات المصرفية والطاقة واستخدام العملة الوطنية في المعاملات التجارية.

• تأجيج الصراع:
في الواقع، كانت الاجتماعات الثنائية بين الرؤساء الثلاث خير دليل يوضح كيف تحولت القمة حول الأزمة السورية إلى قمة للمصالح والمناورات يحقق فيها كل طرف مكاسبه ويعقد الصفقات ويوطد عَلاقاته بالآخر بشكل أو بآخر؛ لذا فالمتغير الواضح في تلك القمة هو محاولة تثبيت مناطق النفوذ بين الدول الثلاث، وتنمية في المصالح والعَلاقات المتبادلة بينهم، بما يعني ازدياد الدور الإقليمي لهم في المنطقة على حساب اللاعبين الآخرين. فالغرب يقف مترددًا وغير حاسم ومتراجعًا من هذا التقدم، بل وفي بعض الأحيان يقف خائفًا، والدليل على ذلك تصريح وزير الدولة الألماني للشؤون الخارجية، واصفًا هذه القمة بـ«قمة الحرب» ليوضح بذلك التطوّر الحاصل من خلال التفاهمات الاستراتيجية بين القوى الثلاث في مكانه الصحيح، خصوصًا أن إيران كانت السبب الرئيسي في تأجيج الصراع الروسي-الأمريكي في المنطقة عبر جرّ أقدام روسيا في الأزمة السورية بعد أربعة أعوام من نشوبها، كما كانت سببًا في سباق التسلح بين دول المنطقة من أجل مواجهة هذا التوسع والنفوذ الإيراني. والسؤال هنا: هل ستسمح أمريكا والغرب لإيران وروسيا وتركيا بمزيد من التوسع في المنطقة في إطار صراع المصالح في الشرق الأوسط؟
على أي حال، ووفقًا للبيان الختامي لقمة أنقرة، سيتم عقد القمة التالية في إيران وبدعوة من الرئيس الإيراني حسن روحاني، فهل سيستمر تناغم المصالح بين القوى الثلاث على حساب الأزمة السورية، أم سنرى متغيرات أخرى في قادم الأيام؟


 الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

د. أحمد أبو العزم
د. أحمد أبو العزم
رئيس وحدة الترجمة بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية