وقَّعت المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا اتفاقية دفاع مشترك في مكة المكرمة في الثامن من أغسطس 2026. كانت هذه الاتفاقية الثمرة النهائية لمشاورات امتدت لأكثر من عام، ووفق البيان المشترك فإن هذه الاتفاقية ترمي إلى تعزيز الأمن المشترك وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة والعالم؛ سعيًا إلى مستقبل آمن ومزدهر، بالإضافة إلى تعزيز الردع؛ ولهذه الغايات فإن الدول الثلاث وافقت على التحالف تحت مبدأ الأمن الجماعي، بمعنى أنَّ أيَّ هجوم مسلح على أيٍ من الدول الثلاث يُعتبر هجومًا على الدول الثلاث جميعها. وإضافةً إلى ذلك تركز الاتفاقية على تطوير جميع جوانب التعاون الدفاعي بين هذه الدول.
يحمل توقيع الاتفاقية في مكة المكرمة المدينة المقدسة دلالةً ورمزيةً دينيةً عميقة، إذ يمنحُ الاتفاق والتحالف الذي تمخَّض عنه شرعيةً شعبيةً هائلة في العالم الإسلامي، كما يعكسُ المكانُ محوريةَ المملكة ودورها البارز في خروج هذا التحالف إلى النور، وتأكيد جدارتها في تبوؤ مركز القيادة والمبادرة والفاعلية الإقليمية خلال العقد الأخير.
ولا تخفى أهمية تدشين هذا المحور الدفاعي بالنظر إلى ما يشهده الشرق الأوسط من اضطرابات وصراعات، ومشروعات ترمي إلى إعادة صياغة الترتيبات الإقليمية في غير صالح الدول العربية وفي غير صالح شعوبها، وعلى حساب أمنها واستقرارها وسيادة دولها، سواءً تطلعات إسرائيل للهيمنة الإقليمية، أو مشروع إيران العدواني وتدخلاتها في شؤون دول المنطقة.
ويُشير الطابع الدفاعي للحلف إلى أنَّ القوى الإقليمية الفاعلة وفي مقدمتها المملكة لن تقفَ موقفَ المتفرج من جرِّ المنطقة إلى الفوضى، وإحداث تغييرات جوهرية في بنية الأمن الإقليمي، وإحداث خلل في موازين القوة، وأنها لن تظل صامتةً أمام تهديد حرية الملاحة، وخوض حروب بلا حدود لفرض واقع جديد، إذ إنَّ الحلف في جوهره هو مرحلة جديدة في الإقليم وفي صيغ التعاون بين أطرافه الفاعلة، تتجاوز بدورها الأُطر وصيغ التعاون ذات الطابع الثقافي والعسكري والجغرافي القديم التي شهدتها المنطقة منذ وقت طويل.
ويكشفُ الحلف عن وجود أدوار جديدة لهذه القوى الصاعدة الثلاث، وذلك ضمن مخاض وتحولات هيكلية عميقة يشهدها النظام الدولي، إذ تمثل تحركاتها نموذجاً لصعود تأثير القوى المتوسطة دولياً وإقليمياً، ولتلاحم هذه القوى من أجل مواجهة تحديات هذا التحول، والاستعداد للتصدي للفوضى والفراغ الناجم عن انسحاب القوى الكبرى من الإقليم ومواجهة تداعيات التنافس بين القوى الكبرى وتقاطع مصالحها ومشروعاتها والاستقطاب الذي يظهر أثره في المنطقة بوضوح.
ويكتسب التحالف ثقله من ثقل ومكانة أطرافه في معادلة القوة الإقليمية، إذ تعتبر الدول الثلاث أكبر القوى الإقليمية وزناً، وأكثرها فاعليةً، كما تتَّسم بوضعها الداخلي المستقر وسياستها الخارجية المتوازنة، فضلاً عن أنها تمتلك مقومات متكاملة للقوة، وقدرات وموارد متنوعة: ديمغرافية وجغرافية وسياسية واقتصادية وعسكرية، مما يوفر لهذا التحالف فرصةً هائلة لإعادة تشكيل ميزان القوة الإقليمي.
فضلاً عما سبق تنسجم سياسات دول التحالف وتتوافق قيادات الدول الثلاث في متابعة نهج براجماتي وعملي في سياساتها الخارجية، وجميعهم يمتلكون نزعة استقلال ورغبة في تنويع شراكاتهم وعلاقاتهم الخارجية، ويحدوهم جميعاً طموح لاستغلال قوة ومكانة وموارد دولهم في تعزيز النفوذ والمكانة إقليمياً ودولياً، كما أنهم ينطلقون من مبادئ راسخة ومورث سياسي راسخ يعطي أولويةً للأمن والاستقرار، ويعولون على التعاون وتهدئة التوترات وتصفير الصراعات، والأهم أنهم يشتركون في تحقيق نجاحات داخلية عزَّزت شرعيتهم، وخارجية أسهمت في تموضعِهم، كما أنهم يحظون بقبول وتأثير في دوائر صُنع القرار، ولدى حكومات القوى الكبرى والهيئات الدولية.
لا ريب أن هذا الواقع يسمح بتحقيق تكامل يعزز من قوة التحالف وإمكانياته على الصعيد الجماعي، بما في ذلك القوة العسكرية والصناعات الدفاعية المشتركة، والمركز السياسي والدبلوماسي على الصعيد الإقليمي والدولي؛ بما يسمح بالتأثير والنفوذ، وربما تحصيل مركز مؤثر في مواجهة القوى الكبرى، والتأثير عليها لغرض تبني سياسات بناءة وغير منحازة، أو اتخاذ قرارات في غير صالح دول المنطقة.
كما يلبي التحالف الناشئ طموحات أطرافه كلاً على حدة، سواءً في تعزيز استقلاليته الإستراتيجية، وتنويع خياراته الأمنية والدبلوماسية، وقوته العسكرية؛ وذلك من خلال الاستفادة من المشروعات المشتركة في المجال الدفاعي، والتدريبات والمناورات العسكرية بما يسمح بنقل الخبرات، وتوطين الصناعات، وإيجاد مصادر متنوعة للسلاح والتكنولوجيا العسكرية.
لا يعني هذا أن التحالف لن يواجه تحديات، فقد نشأ أساساً من رحم التناقضات والتباينات في مواقف ومشروعات القوى الإقليمية؛ وبالتالي فإنه سوف يُثير توجس القوى المنافسة، كما قد ينظر إليه من جانب القوى الكبرى على أنه نزعة إقليمية لتحييد نفوذها في الشرق الأوسط، الذي أصبح في بؤرة اهتمامها.
لكن على الرغم من كل هذه التحديات ومحاولة البعض التشكيك في فاعلية هذا التحالف خصوصاً ما يتعلق بمبدأ الأمن الجماعي، وذلك في ظل حسابات أطرافه الخاصة، وطبيعة الأزمات والصراعات في المنطقة، غير أن الواضح أن هناك إرادةً من جانب قيادة الدول الثلاث على منح هذا التحالف الفاعلية الضرورية، وبناءِ هيكل جديد للأمن الإقليمي، يمكن البناءُ عليه من أجل تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي.
وأخيراً يمكن القول إن إعلان التحالف بحد ذاته، وصيغته المتماسكة، وأولوياته المنشودة، يُحبط كلَّ التوقعات المتشائمة، إذ إنَّ إعلان التحالف وعزم قيادات دوله لهو أكبر دليل على أن الشرق الأوسط يتجه نحو التغيير، وأننا بصدد بيئة إقليمية جديدة تتجاوز أُطر التعاون القديمة والتحالفات التي ثبُت عدم فاعليتها، وتتجاوز أهمية هذه الاتفاقية بُعدَها الدفاعي المباشر، إذ تمثل محاولةً لصياغة محور إقليمي قادر على إنتاج الاستقرار، وردع مشاريع الهيمنة، وتوسيع هامش الحركة الإستراتيجية للدول الثلاث في بيئة دولية وإقليمية شديدة السيولة.
هذا التغيير نابعٌ من تنبُه العقل الإستراتيجي للدول الثلاث، وفي مقدِّمتها المملكة وقيادتها، وتبنِّيها لأهمية الواقعية والمرونة والمبادرة، التي تبرهن أنها على وعيٍ كبير بمجريات التاريخ ودروسه، ولديها الإرادة القوية لتشكيل الواقع الراهن، والعزم الأكيد لتأمين شرق أوسط أكثر أمناً واستقراراً وصالحاً للعيش من أجل الجميع، بدلاً عن سياسة الفوضى والحروب بلا حدود شديدة الكلفة على الجميع.
الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد