عرض إيران بتعديل الاتفاق النووي ومبادرة أمن هرمز.. الدوافع وحدود التأثير

https://rasanah-iiis.org/?p=18057

قدمت إيران في 25 سبتمبر 2019 عرضين: الأول بإدخال تعديل على الاتفاق النووي مقابل إلغاء العقوبات الأمريكية. والثاني بإنشاء «تحالف الأمل» من أجل السلام في مضيق هرمز، الذي يضمّ دول الخليج وإيران، في الوقت نفسه لا تزال طهران مصرّة على سياسات تهديد الأمن والاستقرار الإقليمي. فما طبيعة هذين العرضين؟ وفي أي سياق يمكن تفسير ظهورهما؟ وهل إيران بصدد التصعيد أم بصدد التهدئة؟ وهل ما تقدمه من مبادرات يعدّ نوعًا من المناورة؟ أم أن الازمة قد وصلت إلى ذروتها بحيث لم تعد قادرة على مواجهتها بعدما استنفدت أوراق الضغط التي لديها، ومن ثم فلا بديل أمامها سوى التفاوض؟

أولًا: طبيعة وأبعاد المبادرة
أعلن الناطق باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي، في 25 سبتمبر 2019، عن عرض إيرانيّ للتفاوض بتحويل «البروتوكول الإضافي»، الذي يتيح التفتيش المفاجئ للمواقع الإيرانية، إلى قانون ملزم، وتسريع العمل ببنود مؤجلة في الاتفاق، وذلك مقابل موافقة الكونغرس الأمريكي على الاتفاق ورفع العقوبات المفروضة على إيران، ولا يستبعد ضمن المفاوضات حول هذه التعديلات مناقشة بند الغروب المثير للجدل والخلاف، وبالتالي احتمال مدّ أمد القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني، والتي كان يفترض أن تنتهي في 2025.
سبق وطرح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عرضًا مماثلًا أثناء زيارته إلى نيويورك على هامش لقائه مع السيناتور الجمهوري راند بول في 15 يوليو 2019، يتضمن إقرار «البروتوكول الإضافي» النووي في البرلمان الإيراني بشكل نهائيّ قبل أن يحين موعده عام 2023 بموجب الاتفاق النووي، ويسمح هذا البروتوكول بعمليات تفتيش دولي أوسع وأدوم للمواقع النووية المعلن عنها وغير المعلن عنها في الدول الأعضاء، في مقابل قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتوجه إلى الكونغرس من أجل رفع العقوبات عن إيران، كما هو منصوص عليه بموجب الاتفاق النووي عام 2015.
ووفقًا لتصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2019 فإنه إذا تقرر إجراء المفاوضات مرة أخرى فسيتعين على الولايات المتحدة رفع العقوبات لمدة ستة أشهر، وبالتالي يبدأ التفاوض مع مجموعة 5+1 على تغيير شكل ومحتوى الاتفاق.
في الوقت الذي عرض فيه النظام إدخال تعديل على الاتفاق النووي، عرض روحاني في 25 سبتمبر 2019 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مبادرة «تحالف الأمل من أجل السلام في مضيق هرمز»، وهي المبادرة التي قال إنها تقوم على التفاهم المتبادل وعدم الاعتداء واحترام سيادة الدول، وتستهدف إنشاء تحالف يضم إيران ودول الخليج، وذلك في مقابل المبادرة الأمريكية لتشكيل تحالف دولي لحماية أمن الخليج.

ثانيًا: الدوافع والأسباب
جاء عرضا إيران في ظل عدد من التطورات يمكن إيجازها على النحو الآتي:

1. فشل الجهود الأوروبية
تعرّضت إيران للإحباط بعدما أخفقت الجهود الفرنسية في تحقيق أي تقدم يحلحل الأزمة المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، فضلًا عن عدم مبادرة الأطراف الأوروبية باتخاذ خطوات نحو تخفيف حدّة الضغوط الاقتصادية، من خلال تفعيل مقترح طرح مؤخرًا مفاده وضع حدّ ائتمانيّ قدره 15 مليار دولار كدفعة مقدمة لشحنات نفط إيرانية، بدلًا من آلية التبادل المالي التي دشنتها الترويكا الأوروبية لكنها لم ترَ النور.
وظهر في الأخير أن الأطراف الأوروبية لا تملك إمكانية، أو لا ترغب في تحدي الولايات المتحدة بشأن ملف إيران، لهذا فإنّ دول الترويكا إلى جانب دول أوروبية أخرى بدأت الحديث عن إطار جديد للتفاوض مع إيران حول برنامجها النووي، إضافة إلى الدور الإقليمي وبرنامج الصواريخ، في ما يبدو أنه تملّص أوروبيّ من الالتزامات السابقة تجاه الحفاظ على الصفقة النووية، واقتراب أوروبيّ وتطابق واضح مع الموقف الأمريكي من إيران.

2. قيود تخفيض الالتزامات النووية
لم تحقق خطة خفض الالتزامات النووية من جانب إيران أهدافها المرجوة، فبدلًا من الضغط على أطراف الأزمة ودفعها إلى اتخاذ مواقف عملية تحولت هذه الخطة إلى قيد عليها، إذ ترفض كل أطراف الاتفاق خفض إيران لالتزاماتها النووية بما فيها روسيا والصين والأطراف الأوروبية، وباتت جميعها منزعجة من نشر أجهزة طرد مركزي لرفع نسبة تخصيب اليورانيوم، لهذا علقت طهران تنفيذ المرحلة الثالثة من خفض التزاماتها النووية، وأعطت الأطراف الأوروبية شهرين للوفاء بالتزاماتها لإنقاذ الاتفاق النووي مقابل عودتها للالتزام ببنوده كاملة، كما بدت حريصة على التحرك ضمن الاتفاق النووي، لإدراكها أن أي خطوات باتجاه عسكرة البرنامج النووي قد تؤدي إلى عواقب وخيمة، لا سيّما بعدما وجهت الدول الأوروبية تحذيرًا إلى إيران بناءً على ما أفاد به التقرير الأخير للوكالة الطاقة الذرية من رفع نسبة التخصيب ونشر أجهزة طرد مركزي في مفاعل نطنر.

3. مخاطر استهداف منشآت النفط الخليجية
وضعت الهجمات على ناقلات النفط واستهداف المليشيات التابعة لها لدول المنطقة وبنيتها النفطية، إيران تحت ضغوط كبيرة، وفرضت مواقف الدول تحديات أمام إيران، وقد أدى الهجوم على منشآت النفط السعودية إلى وضعها في موقف دفاعي، فضلًا عن خسارة بعض الأطراف المتعاطفة معها ومنها الأطراف الأوروبية، كما فشل الاستهداف في تحريك الأزمة والضغط على أطرافها، إذ حاولت إيران من خلال هذا الهجوم حرمان دول المنطقة من تصدير نفطها، متوقعة من ذلك فرض ضغوط على الدول الكبرى من خلال التأثير على أسعار النفط واقتصادات الدول الصناعية التي تعتمد عليه، إذ ارتفعت أسعار النفط بعد استهداف منشآت «أرامكو» بمقدار 15%.
وفي هذا الجانب أيضًا فشلت محاولة الضغط على السعودية، باعتبار أن استهداف البنية التحتية لصناعة النفط السعودي قد تثني الرياض عن سياسات مواجهة خطر إيران والتأثير على دورها البارز في تكثيف الضغوط على إيران لهذا الحد.
لقد حاولت إيران جرّ المنطقة إلى مربع الحرب، على أمل في تغيير دفة الأمور، ومن ثم تأمين قدرة السيطرة على الأوضاع في الداخل، وإرباك المشهد الإقليمي ككل، وأخيرًا الإفلات من حملة الضغوط الراهنة، وعدم تقديم تنازلات تضر بمصالح النظام ونفوذه وقدراته، وربما شرعيته وبقائه، لكن ذلك لم يحدث.
فرغم أن الولايات المتحدة أصبحت في غنى عن نفط الشرق الأوسط، باعتبارها تحتل المرتبة الأولى عالميًّا في إنتاجه، 11.4 مليون برميل يوميًّا، بينما تحتل السعودية المرتبة الثانية بإنتاج قدره 11 مليون برميل، ومن ثم لم تنظر إلى الهجوم من منظور اقتصاديّ، فإنها أخذته بعين الاعتبار من منظور أمنيّ واستراتيجيّ، وبالتالي فإنها قامت بعملية إعادة تقييم لسياساتها الدفاعية وأرسلت تعزيزات عسكرية جديدة إلى المنطقة. أمّا الأطراف الأوروبية فبعكس ما توقعت طهران فإنّ الترويكا الأوروبية أصدرت بيانًا اتهمت فيه إيران باستهداف منشآت النفط السعودية، وبهذا فقد انضم زعماء بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى الولايات المتحدة في إلقاء اللوم على طهران على خلفية الهجوم على السعودية، بل أعلن زعماء الترويكا أن الوقت قد حان لطهران لبدء محادثات من أجل اتفاق جديد طويل الأجل بشأن أنشطتها النووية والإقليمية والصاروخية.
ويبدو أن السعودية مندفعة نحو توظيف الهجوم من أجل بناء حشد دوليّ ضد إيران، ومن ثم أصبحت هناك قيود على طهران من التمادي في اتخاذ هذه الهجمات منهجًا للتعاطي مع الأزمة، إذ تدرك الرياض أن الهجوم الإيراني ما هو إلا رد فعل على استحكام أزمة النظام وتراجع فرصه.

4. تنامي الحضور العسكري في الخليج
تواجه إيران تحديات رئيسية في ظل التحالفات المزمع تدشينها في المنطقة لحماية الأمن والاستقرار، إذ ستُغلّ قدرتها على التلاعب بورقة النفط أو الاستقرار الإقليمي في المدى القريب، وبينما ستتأثر صادرات نفط إيران بالضغوط والعقوبات فإنها لن تتمكن في المستقبل من تقييد صادرات النفط الخليجية أو التأثير عليها، لا سيما أن تلك السياسة ليست مقبولة حتى من أقرب حلفائها، الصين وروسيا، كما ستحرم البحرية الإيرانية من حرية الحركة في الخليج ومن استهداف ناقلات النفط.

5. المتابعة الأمريكية لاستراتيجية الضغوط القصوى
راهنت إيران على إمكانية التغلب على العقوبات النفطية عبر مسارات خلفية، وعلى بناء شبكات معقدة للتحايل على العقوبات المالية، لكن في ضوء الضغوط الأمريكية غير المسبوقة فإنّ استفادتها من هذه الإجراءات تتضاءل، فصادرات النفط في أسوأ معدلاتها، والأوضاع الداخلية تزداد سوءًا، والولايات المتحدة تتعقب شبكات تهريب النفط والأموال بصورة متصلة، وفي كل الدول، بما فيها الصين وروسيا.
أضف إلى ذلك متابعة الولايات المتحدة لاستراتيجية الضغوط القصوى، وتأثيرها على صادرات النفط الإيرانية، التي وصلت على ما يبدو إلى معدلات منخفضة للغاية، إذ تفيد تقارير بوصولها إلى 100 ألف برميل، وهناك تقديرات أنها قد تصل إلى 500 ألف برميل يوميًّا، فضلًا عن العقوبات على الصادرات الأخرى كالمعادن والبتروكيماويات، وبالفعل تسببت العقوبات في وصول عجز الموازنة إلى قرابة 33 مليار دولار، كما أعلنت الحكومة.
من جهة أخرى تستشعر إيران خطورة قيام الولايات المتحدة بمراجعة استراتيجيتها لردع إيران، إذ قال براين هوك، المبعوث الأمريكي الخاص بإيران: «من الواضح أننا بحاجة إلى إعادة إرساء الردع»، وأضاف: «نحن على بُعد ضربة صاروخية واحدة من نشوب حرب إقليمية».

ثالثًا: مبادرات غير فاعلة
اعتادت إيران خلال الفترة الماضية على مقاربات متناقضة ما بين التصعيد والتهدئة، وذلك في إطار إدراكها لعدم قدرتها على تبنّي خيار التصعيد كاستراتيجية، لأنها غير قادرة على تحمّل تبعات هذا الخيار، كما أنها تستخدم التصعيد كبالونات اختبار وأوراق ضغط لتحسين موقفها، ودفع الخصم لإعادة التفكير في حساباته وسياساته، وكسب المتاح من الوقت قبل الإقدام على تقديم تنازلات جوهرية. وبالمجمل لا تخرج مبادرات إيران للتعاون مع دول الخليج لحماية أمن الخليج ومضيق هرمز أو إبداء الموافقة على إجراء تعديل في الاتفاق النووي عن هذا النمط من التفكير.

1. مبادرة متناقضة مع سلوك إيران
قد تفهم المبادرة الإيرانية من أجل التعاون لحماية أمن الخليج في ظل أهدافها الاستراتيجية وعقيدة نظامها التي تستهدف فرض الهيمنة على الخليج العربي، وهذا العرض لا يعدّ هو الأول من نوعه، فإيران خلال الشهور الأخيرة عرضت غير مرة عديدًا من المبادرات للتفاهم مع دول الخليج، لكن سلوك إيران طَوال الوقت كان يتناقض مع رُوح هذه المبادرات ومع توافر النيات الحسنة التي قد تدفع أيًّا من هذه المبادرات إلى الأمام.
ولا جدال أن مبادرة روحاني بشأن إنشاء تحالف خليجي بديل للتحالف الدولي لحماية أمن الخليج لم تأتِ إلا بعدما بدأت تستشعر إيران التهديد الذي يمثله تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عدن، وهو التحالف الذي يوجه جهوده بالأساس نحو مواجهة خطر إيران وحماية حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، ويضمّ بعض دول الخليج، إذ تنتقد إيران وجود قوات أجنبية في مياه الخليج لحماية حرية الملاحة، لأن ذلك يقوّض قدرة قواتها البحرية على الإيذاء، وعلى توظيف أمن الملاحة كورقة ضغط في مواجهة العقوبات، فضلًا عن إدراك إيران لاحتمال لعب هذا التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة دورًا في المستقبل في تشديد الحصار على إيران وعلى صادراتها النفطية وربما إعادتها للعزلة الدولية في حال تمادت إيران في خرق التزاماتها النووية.
كما قد تفهم المبادرة على أنها محض مناورة لتبييض وجه إيران دوليًّا، ومحاولة للتناغم مع بعض التوجهات الأوروبية وبعض التوجهات داخل الولايات المتحدة التي ترى أهمية بناء تفاهمات إقليمية بين إيران وجيرانها على غرار رؤية الرئيس السابق باراك أوباما كطريق ضروريّ لحفظ الأمن والاستقرار، وربما هي محاولة للعب على وتر الشكوك المتزايدة في مدى أهمية المصالح الخليجية على أجندة ترامب، لا سيما بعد مواقفه السلبية تجاه استهداف أمن الخليج ودوله، وآخره استهداف منشآت النفط التابعة لشركة «أرامكو» في السعودية.
في الواقع هذه المبادرة محكوم عليها بالفشل، وليست محلّ نقاش خليجيّ، إذ توجد فجوة ثقة بين دول الخليج وإيران لا يمكن تجاوزها بسهولة، لا سيما مع استمرار تدخلات إيران الإقليمية وتهديدها للاستقرار والأمن الإقليمي، ونشرها للفوضى في المنطقة، ناهيك بأطماعها التوسعية وسياستها الطائفة والمذهبية، وهي العوامل التي تئد المبادرة من بدايتها، والأهم أنها لم تتطرق إلى معالجة حقيقية لقضايا الخلاف الرئيسية بين الجانبين.

2. عرض غير واقعيّ
أما في ما يخض العرض النووي الخاص بإلغاء العقوبات الأمريكية مقابل قبول إيران بالرقابة الدائمة على منشآتها النووية، فهو عرض غير جديد، ويمكن إعادة ظهوره إلى الأوضاع الصعبة التي بات يعاني منها النظام في ظل العقوبات، فضلًا عن استنفاد النظام الإيراني عديدًا من أوراقه دون قدرة فعلية على إحداث اختراق في الموقف الأمريكي. ومبدئيًّا، يمكن النظر إلى المبادرة باعتبارها بداية تنازل جزئيّ من جانب إيران في ما يتعلق بمسألة التفاوض حول اتفاق جديد، كما أنه يتطرق إلى معالجة واحدة من القضايا الجوهرية التي تعدّ ضمن أولويات الولايات المتحدة معالجتها، وهي تعديل بند الغروب، الذي طالما كان محلّ انتقاد من جانب ترامب وإسرائيل للاتفاق، فضلًا عن أن العرض يشمل فتح المجال للرقابة على المنشآت النووية بصورة دائمة، وهو من ضمن الانتقادات والمخاوف التي كانت تثيرها الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني.
لكن هذه المبادرة الجزئية تتغافل جملة الشروط الأمريكية المتعلقة بقضايا أخرى، من أهمها برنامج الصواريخ الباليستية، وتدخلات إيران الإقليمية، التي تصرّ الولايات المتحدة على أن تكون مطروحة على طاولة المفاوضات، وبالتالي ليس من المتوقع أن تقبل الولايات المتحدة بمناورة إيران تلك، لكنها على أي حال تمثل تغيرًا في موقف إيران.
في المقابل قد تشجع هذه الخطوة إدارة ترامب على مواصلة حملة الضغوط التي يبدو أنها بدأت تؤتي ثمارها، أو أن يكون هذا التنازل الإيراني بداية لمارثون مفاوضات بين الجانبين قد يعيد إحياء الجهود الأوروبية وتحديدًا الوساطة الفرنسية، خصوصًا في ظل موقف ترامب الداخلي بعد محاولة تحريك إجراءات عزله من جانب الديمقراطيين.

رابعًا: أي خيارات مستقبلية لإيران؟
من الواضح أن إيران تطرح مبادرتها لحفظ الأمن في مضيق هرمز ضمن مناورة لكسب الوقت، ولامتصاص الضغوط الدولية عقب هجومهما أو هجوم ميليشيات تابعة لها على منشآت النفط في السعودية، ومن الصعب أن تتوقف إيران عن سياساتها الإقليمية في غياب استراتيجية للردع العسكري والقدرة على الإيذاء بالمثل، لا سيما أن ردع تمدّد إيران الإقليمي أحد أهمّ جوانب قصور الاستراتيجية الامريكية، وربما من أسباب ضعف باقي مكوناتها بما فيها الضغوط التي لا تزال إيران قادرة على تحمّلها.
أمّا عرضها بشأن تعديل جزئيّ للاتفاق النووي مقابل رفع العقوبات، فهو مبادرة جزئية، إذ تطرح معالجة للاتفاق النووي وحسب مع تجنب طرح ملفَّي الصواريخ الباليستية والتدخلات الإقليمية على طاولة المفاوضات، مستغلّة الضغوط الأوروبية على الولايات المتحدة، والضغوط التي يواجهها ترامب في الداخل. كما تدرك إيران أن تعديل الاتفاق النووي وتعديل بند الغروب والرقابة الكاملة على المنشآت النووية، جميعها تحتل أولوية لدى إسرائيل والولايات المتحدة، لهذا فإن إيران تغازل الطرفين بهذا العرض، وذلك على اعتبار أن الولايات المتحدة قد تتغاضى عن ملف التدخلات الإقليمية، خصوصًا أن روسيا ترعى تفاهمات في المشرق العربي بين الجانبين الإيراني والإسرائيلي.
وتقدم إيران عرضها خلال المرحلة الراهنة تحت وطأة الضرر الكبير الذي يعاني منه النظام خلال الشهور الأخيرة، وتآكل قدرته على متابعة استراتيجية المقاومة لفترات طويلة، فضلًا عن أن هذا العرض يعدّ نوعًا من أنواع الاستجابة للوساطات الأوروبية التي تبحث عن نقطة وسط بين الولايات المتحدة وإيران بحيث يبدأ من عندها التفاوض لحل الأزمة الراهنة، لكن عرض إيران مرهون بإلغاء العقوبات الأمريكية، وهذا شرط لن توافق عليه الولايات المتحدة، إلا إذا كان ترامب بصدد الحصول على لقطة إعلامية ترويجية دعمًا لشعبيته، دون رغبة في الوصول إلى حلّ حقيقيّ للملفات العالقة، مع أن هذا مستبعَد، لأنه سيتعرّض لهجوم حادّ داخليًّا ودوليًّا، فضلًا عن خسارة كثير من داعميه وحلفائه الإقليميين.
وبما أن المبادرتين غير ناجزتين في تقديم حلول حقيقية للأزمة، سواء مع دول الخليج أو مع الولايات المتحدة، فإنّ إيران قد تعود إلى توظيف أوراقها على أمل ممارسة مزيد من الضغوط على أطراف الأزمة بحثًا عن تسوية غير مكلفة، فإيران لن تتراجع بسهولة قبل أن تستخدم كل المساحات المتاحة للتحرك والضغط، وبالنظر إلى نقاط الضعف التي تعاني منها الاستراتيجية الأمريكية، ولا سيما تراجع خيار الردع، فإنّ إيران ستظل تمارس تهديداتها للأمن والاستقرار الإقليمي.
لكن استمرار إيران في مقايضة إلغاء العقوبات بالأمن الإقليمي سيؤدي لا شك مع الوقت إلى تآكل هذه الورقة، وسيعزز من التحالفات الإقليمية والدولية المناهضة لإيران، وسيدفع القوى الدولية إلى ممارسة مزيد من الضغوط على طهران، وإلى تعزيز حضورها العسكري للحدّ من خطر إيران، لا سيما في ظل الموقف الأمريكي الثابت من مسألة متابعة حملة الضغوط القصوى، وعدم جدوى ممارسة أي ضغوط على الولايات المتحدة للدخول للتراجع عن سياساتها، وقد يكون شروع إيران في عسكرة برنامجها النووي نقطة فاصلة في حسم الخلاف بين الأطراف الأوروبية والولايات المتحدة، وتوحيد موقف الطرفين بما قد يضيّق الخناق على النظام الإيراني ويدفعه إلى التفاوض حول اتفاق جديد بشروط أمريكية وهامش مناورة محدود لإيران.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير