ما بعد خامنئي: المُرشد القادم ومستقبل ولاية الفقيه

https://rasanah-iiis.org/?p=31545

دراسة‭ ‬مشتركة‭ ‬من‭ ‬إعداد‭:  ‬

د‭. ‬معتصم‭ ‬صديق‭ ‬عبد‭ ‬الله،‭ ‬و‭ ‬د‭. ‬محمد‭ ‬السيد‭ ‬الصياد

الباحثيْن‭ ‬بالمعهد‭ ‬الدولي‭ ‬للدراسات‭ ‬الإيرانية ‭)‬رصانة)


مقدمة

تمرّ الدولة الإيرانيّة بمرحلةٍ مفصليةٍ وحاسمة، هي الأهم منذ العام 1979م، فالمرشد الإيراني آية الله علي خامنئي المولود في 1939م، بلغ الرابعة والثمانين من عمره، وبالتأكيد ثمة ترتيبات للمشهد من بعده، وهناك سيناريوهات عديدة لخلافته، مع توقعات بإحلال الجيل الثاني محلَّ الجيل الأول في الثورة. ولن تنحصر التغييرات في سُدَّة هرم الحكُم في إيران، بل ربما تمتدّ لتشمل الجوانب الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية.  

نسعى في هذه الدراسة، بأن نستقرئ سيناريوهات ما بعد آية الله خامنئي، بموضوعية، حتى يتسنَّى فهم خارطة إيران الفكرية والسياسية على ما هي عليه، ومحاولة إدراك طبيعة ومستقبل النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.          

أولًا: الشروط الدستورية لاختيار المرشد

ثمة شروط نصَّ عليها الدستور الإيراني، وتعارفتها النُّخبة الحوزوية والسياسية الإيرانية لتولي منصب القائد/ الوليّ الفقيه، وهو منصبٌ حسّاسٌ للغاية، فهو ذروة النظام السياسي في إيران، وبيده كافة الصلاحيات لفرض أو إلغاء أيّ قرار أو قانون، وتفعيل أو تعطيل أيّ شيء لمصلحة يرتئيها، بل باتَ منصب المرشد مركزيًا عند عموم الجماعة الشيعية لتُّأثرها به إيجابًا أو سلبًا، فثمة أتباعٌ للوليّ الفقيه خارج إيران، يُقلدونه فقهًا وسياسًة، وثمة خصومٌ له ومنافسون أيضًا.

1- الدستور وتنظيم عملية الاختيار: نظّم الدستور الإيراني عملية اختيار المرشد، وأشار إلى الصفات والمؤهلات التي ينبغي توفرها في الولي الفقيه؛ فنصّت (المادة 5) في الدستور الإيراني على أنَّه: «في زمن غيبة الإمام المهدي..، تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمر العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير، وفقًا للمادة 107». فهنا تنصّ المادة على أن ولاية الأمر في ظل غياب المعصوم لا تكون إلا بيد الفقيه، الذي يتصف بالعدالة والتقوى، والعارف بالواقع.

أما بالنسبة للمؤهلات الواجب توافرها في «القائد»، فتنصّ المادة 109 على تلك المؤهلات مثل: «الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه، والعدالة والتقوى اللازمتين لقيادة الأمة الإسلامية، والرؤية السياسية الصحيحة والكفاءة الاجتماعية والإدارية، والتدبير الشجاع والقدرة الكافية على القيادة». ثمّ حسم الأمر في حال تعدُّد من تتوفر فيهم تلك الشروط: «يفضل الحائز على رؤية فقهية وسياسية أفضل من الآخرين». أي أنها أعطت الأولوية للأعلمية الفقهية والسياسية.

2– صلاحيات المرشد والولاية المطلقة: منح الدستور الإيراني القائدَ ولايةً مطلقة على كافة شؤون الدولة بلا استثناء، فوفقًا للمادة 110 فإنه يرسم السياسات العامة، وله القيادة العامة للقوات المسلحة، وإعلان الحرب والسلم، وتنصيب وعزل كلٍ من أعضاء مجلس صيانة الدستور، ومسؤولي السلطة القضائية، والقائد العام لقوات الحرس الثوري، وجميع القيادات العُليا للقوات المسلحة، وتوقيع مرسوم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه، وعزل رئيس الجمهورية إذا اقتضت مصلحة البلاد ذلك.

على المستوى الديني، فإنه يعيّن أئمة وخطباء الجمعة في كافة المحافظات الإيرانية، ويأتي حكمُه في مرتبة الحكم الشرعي الأَوّليّ، وقَبل الحكم الثانويّ، وربما جاء في مرتبة أعلى منهما، ومن حقِّه أن يمنع الصلوات ويغلق المساجد، ويعطل الفرائض إذا اقتضت المصلحة ذلك[1].

3- شغور المنصب وعزل المرشد: عند شغور منصب القائد، بسبب عجز ألَم به وحال بينه وبين أداء وظائفه الدستورية أو بسبب فقده أحد الشروط المذكورة في المادتين 5 و109، تنص المادة 111 على أنه يُعزل عن منصبه، عن طريق مجلس الخبراء. أما إذا شغر المنصب بسبب وفاة أو استقالة أو عزل، فيتولى أعضاء مجلس الخبراء تعيين القائد الجديد، وإعلان ذلك في أسرع وقت ممكن. وإلى أن يتم الاختيار من قِبل مجلس الخبراء: يتم تشكيل مجلس شورى مكون من رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور، منتخب من قبل مجمع تشخيص مصلحة النظام، يتولون جميع مسؤوليات القيادة، بشكل مؤقت، وإذا لم يتمكن أحد المذكورين القيام بواجباته في هذه الفترة لأي سبب كان، يعيَّن شخصٌ آخر في مكانه، بقرار يتخذه مجمع تشخيص مصلحة النظام بأكثرية الفقهاء فيه، أما إذا عجز المرشد، إثر مرض أو أي حادثة أخرى، عن القيام بواجبات القيادة مؤقتًا يقوم المجلس المذكور في هذه الحالة بأداء مسؤوليات القائد طوال مدة العجز، وفقًا للمادة 111 من الدستور. علمًا أنّ مجمع تشخيص مصلحة النظام هو هيئة استشارية تابعة للقائد/ المرشد، وليست مستقلة ولو بصورة نسبية كمجلس الخبراء، فمنحه ذلك الحق دون مجلس الخبراء فيه دلالة لا تُغفل.

وجاءت المادة 107 لتنظم مسألة اختيار الفقيه عند شغور المنصب بسبب الوفاة، فنصّت على ما يلي: «بعد وفاة مرجع التقليد المعظم والقائد الكبير للثورة الإسلامية العالمية ومؤسس جمهورية إيران الإسلامية، سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني، الذي اعترفت الأكثرية الساحقة للناس بمرجعيته وقيادته، توكل مهمَّة تعيين القائد إلى الخبراء المنتخبين من الشعب، ويتدارس هؤلاء الخبراء ويتشاورون بشأن كل الفقهاء جامعي الشرائط المذكورة في المادتين 5، و 109، ومتى ما شخَّصوا فردًا منهم باعتباره الأعلم بالأحكام والموضوعات الفقهية أو المسائل السياسية والاجتماعية، أو يحظى بشعبية عامة، أو بتميز بارز في إحدى الصفات المذكورة في المادة 109، ينتخبونه للقيادة. وفي حالة عدم وجود هذه الصفات المتفوقة، ينتخبون واحدًا منهم، ويعلنونه قائدًا». لكن المادة 107 في الدستور القديم قبل التعديل، نصّت على أنه إذا وَجد الخبراء: «مرجعًا واحدًا يملك امتيازًا خاصًا للقيادة، فإنّهم يعرفّونه للشعب باعتباره قائدًا، وإلا فإنّهم يعينون ثلاثة أو خمسة مراجع من جامعي شرائط القيادة ويعرّفونهم إلى الشعب، باعتبارهم أعضاء لمجلس القيادة». فجاءت التعديلات الدستورية في 1989م، لتلغي تلك القيادة الجماعية حتى ولو لم تتوفر الصفات اللازمة في شخص واحد ليتبوأ المنصب، مع أنّ التعديلات حذفت شرط المرجعية في القائد، أي اعترفت ضمنيًا باحتمالية قصوره الفقهي، إلا أنها ألغت احتمالية القيادة الجماعية، التي كانت ستعوّض قصورَ القائد عن بلوغ مرتبة المرجعية! 

ثانيًا: الأعلمية الفقهية وأزمة خلافة المرشد

لم يكن آية الله الخميني (1902- 1989م) يؤمن بالأعلمية الفقهية كشرط لولاية الولي الفقيه، بل قال بكفاية: «الفقاهة- العدالة- الكفاءة»، كما نقل آية الله محمود الهاشمي الشاهرودي عنه[2]، لكنه، أي الشاهرودي، يرجع ويقول إنَّ ولاية الفقيه ليست ضرورةً من ضرورات المذهب، ومن ثمّ فلا يكفر منكرها.

ويمكن فهم مقاربة الخميني في عدم اشتراط الأعلمية في الولي الفقيه من خلال السياق السياسي والحوزوي حينئذ، فلم يكن الخميني على سدة هرم التقليد الشيعي حينئذ، وكان ثمة منافسون كبار، كآية الله شريعتمداري، وآية الله مرعشي نجفي، وآية الله كلبايكاني، ثمّ يأتي الخميني رابعًا، فيبدو أنه أراد اختصار المسافة بعدم اشتراط الأعلمية في القائد؛ فعندما تبوأ الخميني منصب القائد الإيراني، استندَ في شرعيته على الدعم الجماهيري الكبير إبان الثورة الإسلامية، وزخمها، والاستفتاء الذي جرى حول إسلامية الدولة. ورغم وجود مراجع كبار حينئذ كانوا ربما أجدر من الخميني بزعامة البيت الشيعي، مثل شريعتمداري، وكلبايكاني، ومرعشي نجفي، إلا أنّهم لم يكونوا على مستوى حركية الخميني وكاريزميته، أو قُربه من زخم الجماهير؛ ولذا نشب خلاف بينه وبينهم، أدى في نهاية المطاف إلى فرض الإقامة الجبرية على شريعتمداري حتى وفاته، وتحجيم غيره من المراجع المنافسين. 

ومع ذلك تعدّ الأعلمية مركزيةً في عملية اختيار القائد، وفقًا للدستور الإيراني، والعُرف الشيعي والحوزوي؛ فالأعلمية نظرية أصولية، تكلم عنها الأصوليون «نسبة إلى علم أصول الفقه»، في أبواب الاجتهاد والتقليد، ووردت كذلك في أبواب القياس والإجماع. والأعلميّة وإن تكلّم عنها جمهور الأصوليين من أهل السنّة، إلا أنهم جَوّزوا للعامي تقليد المفضول مع وجود الأفضل، أو تقليد العالم مع وجود الأعلم، وجعلوا الاجتهاد الفقهي الفرعي كله من جملة الظنيات، التي يتعدَّد الحقّ فيها، فلم يقولوا بأنّ الحقّ في واحد، بل قالوا بتعدده، وبذلك فتحوا الباب أولًا أمام الاجتهادات المختلفة، ما لم تخالف قطعيًا أو ثابتًا، وشرعنوا قبول التعددية الفقهية وقبول الآخر، وقرَّروا أنّ الحكم الشرعي الفرعي ليس هو عين مراد الله في نفس الأمر، ما دام الحق متعددًا[3].   

أمّا على جانب الفقه الشيعي، فإنّ الأصوليين اشترطوا الأعلمية الفقهية في المرجع الديني المتصدر للاجتهاد والفتوى، وأوجبوا على العامة تقليد «الأعلم»، الذي يعرف بعدة أمور منها الشياع، وشهادة أهل الفنّ، ونحو ذلك. ولم تنحصر الأعلمية في الفقه، بل توسع الدستور الإيراني ليشترط الإلمام بالواقع، والكفاءة في فهمه، فهو وإن لم يشترط الأعلمية في فهم هذا الواقع، إلا أنّ النصّ على: «الرؤية السياسية الصحيحة، والكفاءة الاجتماعية والإدارية والتدبير، والشجاعة والقدرة الكافية على القيادة/ (المادة 109)»، مستمدّ من مسألة الأعلمية واعتبارها، ويبدو أن الدستور أراد أن يتجاوز الأعلمية بمعناها الفنّي الفقهيّ، ويوسع دوائرها لتشمل فقه الواقع، والكفاءة الإدارية والسياسية، حتى لا يزاحم الفقهاءُ التقليديون (الذين هم غالبًا أعلم في جزئيات الفقه من غيرهم)، منصبَ القائد.  

1– تجربة ما بعد الخميني وتجاوز الأعلمية: بعد وفاة آية الله الخمينيّ لم يكن المرشد الحالي آية الله خامنئي الأعلم بين فقهاء الشيعة، فقد كان في مرتبة حُجّة الإسلام، وتمّ تجاوز هذا الأمر، أي مسألة الاجتهاد، عبر طريقين متوازيين:

الأول: تغيير الدستور ونفي شرط الأعلمية؛ فنصّت المادة 109 في الدستور الأول على شروط وصفات القائد، فجاء فيها: «القائد أو أعضاء مجلس القيادة: الصلاحية العلمية والتقوى اللازمتين للإفتاء والمرجعية». أما الدستور المعدل فنصت المادة 109 على: «المؤهلات والشروط اللازم توفرها في القائد: الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه». أي أنه في الدستور المعدل تمّ حذف «أعضاء مجلس القيادة» والاكتفاء بـ «القائد»، وحذف كذلك شرط المرجعية والاكتفاء بالكفاءة العلمية.

هذا التعديل كان مركزيًا وجوهريًا في تاريخ إيران الحديثة، فهو تعديل وإن بدا مرنًا في التخفيف من شرط القيادة، إلا أنه في جوهره وعمقه رسَّخ للاستبداد، بتعبير آية الله حسين منتظري، الذي ارتأى أنّ هذا التعديل مخالف للدستور والشريعة[4]. أما من الناحية الشرعية فلأنّ منتظري يرى وجوب توفر الأعلمية في شخص القائد، وأنّ خامنئي لم يكن مؤهلًا حينئذ. ونلحظُ أنه تمّ حذف ما يتعلق باحتمالية اللجوء إلى القيادة الجماعية التي كانت موجودة في الدستور القديم، عندما لا تتوفر الشروط في شخص واحد، لتصير القيادة في الدستور المعدّل في شخص واحد، دون اللجوء إلى القيادة الجماعية، كما مرّ.

والثاني: تضخيم أعلمية خامنئي، والترويج له عبر أجهزة الدولة ومؤسساتها، بما يمكن تسميته عملية «التقليد بالإكراه» فكل من لم يقلد خامنئي أُجبر بصورة ما على تقليده، وإلا لتعطلت مصالحه، واستُبعد أو حُجّم في أجهزة الدولة. وأحيانًا لجأ أتباع خامنئي إلى العنفِ تجاه المعارضين له من المراجع، كما حدث مع آية الله منتظري عندما هوجم مكتبه، وألقيت عليه الحجارة، وتمّ تكسيره، وإهانة من فيه من الطلاب[5]، وهو ما يمكن تسميته بصناعة المرجعية، فهي مرجعيةٌ رسمية، وليست مرجعيةً شعبية، أي لا دخل لنظرية الانتخاب والشياع العام في تأسيس مرجعية المرجع، وهو تحولٌ كبير لا شك، ومساسٌ بالاستقلالية التاريخية.  

2- صناعة المرجعية: بالرجوع قليلًا إلى الوراء نجدُ أنّ الخمينيّ (1902-1989م) لم يكن المرجع الأول في قم ليلةَ نجاح الثورة الإيرانية في العام 1979م، بل كان ثمة مراجع أقوياء آخرون، مثل آية الله شريعتمداري (1906-1986م)، وآية الله كلبايكاني (1899-1993م)، والمرعشي نجفي (1897-1991م)، لكنّ كاريزما الخمينيّ الثورية، وفاعليته في الشأن العام ثمّ توليه زمام الدولة أدى إلى انفراده بالزعامة الدينية والسياسية. فكان المرجع الديني آية الله شريعتمداري هو المرجع الأعلى في إيران وكان مسؤولًا عن إدارة الحوزة مع زميليه مرعشي نجفي وكلبايكاني، إلا أنه كان منشغلًا بالسياسةِ، وداعيًا من دعاة الدولةِ المدنية والدستورية بخلاف زميليه. لذا: سرعان ما تدخلت النخبة الحاكمة وفرضت الإقامة الجبرية عليه، واعتقلت بعض تلامذته، واقتحمت مكاتبه، لينفرد الخميني بالمرجعية الدينية والسياسية، وحدث نحو ذلك مع المرجع محمد الشيرازي (1928- 2001م) وغير واحد من المراجع الكبار.

ولفهم الأمر بصورة أوسع، فإنّ خامنئي لما خلف الخميني في موقع القيادة، ما كان قد وصل لدرجة المرجعية والاجتهاد المطلق بعد، لكن حجة الإسلام هاشمي رفسنجاني (1934- 2017م) -الرجل الأقوى في ذلك الوقت- رأى أنّ منح خامنئي القيادة سيُخلّص إيران من النائب القوي المعزول آية الله منتظري، الذي عُزل قبل وفاة الخميني بفترة وجيزة، ويطوي صفحته. كذلك رأوا أنّ وصول خامنئي إلى منصب المرشد سيحفظ مصالح هذا الفريق وقتئذ، وربما اعتقد رفسنجاني أنّ من السهل إدارة خيوط اللعبة من خلف الستار، باعتباره هو من أوصل خامنئي إلى سُدّة القيادة، ولقوة شخصيته السياسية والإدارية، فظن أن في الإمكان تقاسمًا ناعمًا للسلطة، للأول منصب الرئاسة الذي تعزَّز دوره بعد التعديلات الدستورية لعام 1989م، وللثاني منصب المرشد. وليست هذه قراءة من خارج الجماعة الشيعية، بل ثمة مفكرون شيعة يرون ذلك، مثل هاني فحص (1946- 2014م) الذي يقول عن عدم توفر شروط المنصب في خامنئي وقتئذ: «كان غير خامنئي اليوم، كان مُثقفًا مطّلعًا على نتاجات العالم الثقافية، وكان البُعد الثقافي عنده أهمّ من البعد الفقهي. واجتهاده الفقهي أو أهليته لولاية الفقيه ليست مُسلّمة، وإنما رواية رواها الراحل هاشمي رفسنجاني. فروى أن السيد الخميني قال إن السيد خامنئي مؤهّل للقيادة، وبقي من يشكك في أصل اجتهاده»[6].

وبالتالي وكي يتمّ تمرير مرجعية خامنئي غُيّرت موادٌ دستورية في تعديلات سنة 1989م، وكان بعض المراجع الكبار لا يزالون على قيد الحياة، كآية الله كلبايكاني، وآية الله آراكي، بل وآية الله منتظري نفسه الذي كان أستاذًا لخامنئي، قبل الثورة، فحاول هؤلاء المراجع أن يجعلوا القيادة جماعية، فأرسلوا رسائل لخامنئي تدعوه فيها إلى: «ضرورة المشاورة مع الآيات العظام في المسائل المهمة»[7]. واستمرَّ النظام في الاستعانة بمرجعية كلبايكاني باعتباره المرجع الأكبر حتى وفاته سنة 1993م، ثمّ وفاة الآراكي سنة 1994م، وهنا ما بقي أحدٌ من المراجع الكبار ممن يهابهم النظام، أما الكبار الآخرون كآية الله آذري قمي فقد تم وضعه قيد الإقامة الجبرية حتى وفاته سنة 1999م[8]. بل إنّ خامنئيّ بقي حتى بعد التعديلات الدستورية، حسب منتظري، غير مؤهل لمنصب القائد، لأن الدستور المعدل نصَّ، حسب المادة 109، على: «لزوم الصلاحية العلمية للإفتاء في مختلف أبواب الفقه»، وكان خامنئي فاقدًا لهذا الشرط وفقًا لآية الله منتظري[9].

إذن كان قادة الجمهورية الإسلامية بعد وفاة الخميني، أمام خيارين، الأول: إمّا تعيين رجل دين محسوب عليهم يفتقر إلى المؤهلات التقليدية مرجعًا، والثاني: السماح لشخص من خارج دائرتهم بشغل هذا الموقع. ويُشكل الخيار الثاني خطرًا على النخبة الحاكمة الولائية، لذا لم يُلجأ إليه. ولجأ النظام إلى عامل الوقت، فالوقت كان كفيلًا بإفراغ الساحة من المراجع الكبار، وتهيأت البيئة تدريجيًا للقبول بخامنئي مرجعًا دينيًا وسياسيًا، وبالفعل بعد وفاة كلبايكاني سنة 1993م دعم النظام آية الله محمد عليّ الآراكي (1894- 1994م) رجل الدين المعمّر في ذلك الوقت، وكان من السهل التحكم به نظرًا لكبر سنّه، وكونه محسوبًا على النظام. وبعد سنة واحدة من وفاة كلبايكاني مات الآراكي سنة 1994م. وفي ذلك الوقت شعر النظام أنّ الفرصة مناسبة لطرح اسم خامنئي كمرجعية عليا، أي دمج المؤسسة الدينية بالقيادة الحكومية. وأصدرت حينئذ جمعية المدرسين في حوزة قُمّ، بيانًا (12 ديسمبر 1994م) حصرت فيه أسماء الفقهاء الذين توفرت فيهم شروط المرجعية، وجعلت منهم علي خامنئيّ. وتوازيًا مع ذلك، تدخلت الدولة بالسُّبل الأمنية، فبحلول سنة 1995م كان المتقدمون للوظائف الحكومية يُسألون عن مرجع التقليد المفضَّل لديهم، والجواب اللازم من دون شكّ هو خامنئي. وحسب «لندا إس والبرغ»، فإن الحكومة تمتلك أساليبها الخاصة في معاقبة من يصرّون على اتباع مرجع دين لا يحظى بدعم الحكومة أو مصادقتها. وهذا يجيب عن التساؤل الفقهي والفلسفي؛ من الذي يختار الوليّ الفقيه؟ أحد الملالي الصغار يجيب عن ذلك بكلّ صراحةٍ، ويقول: «الكلاشينكوف»[10]، يقصد أن القوة هي التي تحدد المرشد، فمن يملك القوة يملك فرض قراءته. 

ثالثًا: المؤسَّسات الفاعلة في اختيار المرشد

ثمة عددٌ من المؤسسات الفاعلة في المشهد السياسي والديني الإيراني، سيكون لها دورٌ في اختيار المرشد الإيرانيّ القادم، حتى ولو لم ينصّ الدستور على دورهم صراحةً كما نصَّ على دور مجلس الخبراء. لكن الواقع أعقدُ من ذلك، فثمة مؤسسات أمنية واستخباراتية وعسكرية مهمة وحيوية، وتمتلك قدرًا كبيرًا من الفاعلية والقدرة على تغيير المشهد الداخلي في حال حدوث أي فوضى قد تخرج عن السيطرة، وتمتلك كذلك الملفات والوثائق الخاصة بالأمن القومي للدولة. وثمة مؤسسات أخرى لا تقل في أهميتها عن مجلس الخبراء، كمجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص النظام، مع الأخذ في الاعتبار وجود تنافس بين تلك المؤسسات، وتنافس آخر بين عدد من الفاعلين الحوزويين والسياسيين والعسكريين، فثمة تحالفات قائمة بين تيارات وأشخاص في تلك المؤسسات، غير الكُتْلوية، ونعني بغير الكُتْلوية أنها لا تتحرك ككتلةٍ واحدة، بل ثمة تباينات في المواقف والرؤى بين عناصرها المكونِينَ لمجموعها وهيكلها، وقد يؤدي غياب المرشد إلى تفجير تلك الخلافات، فثمة تباينات داخل التيار المحافظ نفسه، على مستوى المصالح والأفكار، ففريق يرجع بجذوره إلى مدرسة مرتضى مطهري، وفريق آخر ينتمي إلى مدرسة مصباح يزدي، وغيرهم، والجميع يقرأ الخميني قراءةً خاصةً به. ويمكن تناول فاعلية ودور تلك المؤسسات الحيوية فيما يلي:

1- مجلس الخبراء: تكمُن مهمة هذا المجلس، حسب الدستور، في تعيين أو عزل القائد/ المرشد. وقد قام المجلس سابقًا بعزل آية الله منتظري من منصب نيابة الإمام الخميني، وتعيين حجة الإسلام علي خامنئي بديلًا منه، وكذلك قام بعد وفاة الخميني، بانتخاب خامنئي لمنصب الولي الفقيه. ويضمُّ هذا المجلس (88) عضوًا من الفقهاء المنتخبين من الشعب، بعد موافقة مجلس صيانة الدستور على ترشحهم. ويقوم أعضاء المجلس بالتشاور بشأن كل الفقهاء جامعي الشرائط، وإذا تشابهت الصفات والشرائط بين أكثر من مرشَّح: «يُفضّل مَن كان منهم حائزًا، على رؤية فقهية وسياسية أقوى من غيره» (المادة 109)[11]. والرئيس الحالي لهذا المجلس هو أحمد جنتي.

ومجلس الخبراء وإن بدا مستقلًا عن جميع السلطات في إيران، إلا أنّ المرشد عادةً ما يتدخل في عمله، فيقول في حديث له حول مجلس الخبراء في دورته الخامسة: «يجب أن يظل مجلس الخبراء ثوريًّا؛ ثوريًا في ذاته وثوريًا في فكره وثوريًا في عمله، مراعاة هذه الخصائص الثلاث من المسؤوليات الأساسية التي يجب أن يتبعها مجلس الخبراء عند اختيار القائد المستقبلي للبلد، ومن الضروري تقوى الله ومراعاة حاجة الوطن ومبدأ الحق، وترك التحيزات والمنفعة عند اختيار مرشد المستقبل، وإذا أُهمل هذا الواجب العظيم فستحدث بالتأكيد مشاكل في عمل النظام والبلد»[12].

ثمّ إن أعضاء مجلس الخبراء لا يترشحون للانتخابات إلا بعد موافقة مجلس صيانة الدستور، مما يعني عدم استقلالهم وتبعيتهم للقائد بصورة غير مباشرة، وقد لحظَ ذلك آية الله منتظري فقال: «إنّ إحالة تعيين صلاحية أعضاء مجلس الخبراء إلى فقهاء مجلس صيانة الدستور، الذين بدورهم ينصّبهم القائد نفسه، أوجب بأن يكون تعيين القائد (المرشد) وبقاؤه في المنصب بوساطة من جهته هو، وهذا دورٌ باطل، ويخدش مشروعيته»[13].

2- مجلس صيانة الدستور: أُنشئ مجلس صيانة الدستور بهدف: «ضمان الأحكام الإسلامية والدستور» (المادة 91)، وذلك ليتأكد المجلس من: «تطابق قرارات مجلس الشورى الإسلامي مع الإسلام». ويتكّون من (12) عضوًا، وطريقة تشكيله حسب الدستور: «يختار القائدُ ستة أعضاء من الفقهاء العدول العارفين بمقتضيات العصر وقضايا الساعة، وستة أعضاء من الفقهاء المسلمين من ذوي الاختصاص في مختلف فروع القانون يرشحهم رئيس السلطة القضائية وينتخبهم مجلس الشورى الإسلامي» (المادة 91). ووظيفة مجلس صيانة الدستور (أو مجلس الرقابة على القوانين)، تفسير الدستور وضمان توافق القوانين التي يصدّق عليها البرلمان مع الدستور، وتطابقها مع أحكام الشريعة، والإشراف على انتخابات مجلس خبراء القيادة ورئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي وعلى الاستفتاء العام (المادة 99).

وبالنظر إلى الأدوار التي يقوم بها هذا المجلس، يمكن اعتباره مجلسًا موازيًا أو مشرفًا على مجلس الشورى الإسلامي، بل ويتجاوز دورَ المجلس التشريعي، إلى متحكّمٍ في هيكل العلاقات السياسية، من خلال قدرته على منع شخصياتٍ سياسية أو تياراتٍ بعينها من الانتخابات عبر رفضه بعض طلبات الترشيح، وغربلته لقوائم المرشحين للانتخابات الرئاسية والنيابية، أو على إصدار قوانين وتوصيات تكون في خدمة أشخاص أو فئةٍ بعينها. خصوصًا أنّ الدستور قد نصّ على أنه «لا مشروعية لمجلس الشورى الإسلامي، دون وجود مجلس صيانة الدستور» (المادة 93). والأمين الحالي لمجلس صيانة الدستور هو آية الله «أحمد جنّتي»[14]، والذي يترأس كذلك مجلس الخبراء، وربما في ذلك إشارة إلى هندسة تلك المؤسسات الفاعلة، بما يفرغها من فاعليتها الدستورية، وبالتالي؛ أولًا: إمّا إفقادها قدرًا كبيرًا من الاستقلالية بما ينعكس على عدم قدرتها على التأثير المباشر في تحديد اسم المرشد أو فرضه. وثانيًا: أو تدجينها فتتأتى اختياراتها موافقةً لإرادة المرشد، وجماعات المصالح، فتفقد القدرة على تفعيل دورها الدستوري كاملًا.

عمومًا، فرغم أن مجلس صيانة الدستور لا يتدخل بصورة مباشرة في عملية اختيار المرشد، لكنه يُساهم بصورة غير مباشرة في ذلك باعتباره الجهةَ المسؤولة عن تحديد أهلية المرشحين في انتخابات مجلس الخبراء، والذي بدوره يختار المرشد أو يعزله من منصبه.    

3- الحرس الثوري: يذهب كثيرٌ من الباحثين إلى مركزية الحرس الثوري في ترتيب مشهد ما بعد خامنئيّ، حتى يكاد يذهب البعض إلى أن للحرس الثوري الكلمةَ النافذة الأولى والأخيرة في مسألة خلافة خامنئي.  ومع أننا نعتقدُ بأن الحرس الثوري فاعلٌ من الفواعل الرئيسية بل من أهمها لا شكّ، ولكنه ليس الفاعل الرئيس الوحيد لعدة أسباب، أهمها: موضع الحرس والجيش في بنية النظام الإيرانيّ الراهن (نظام ما بعد 1979م)؛ فعناصر الجيش والحرس، عناصر عقائدية ومؤدلجة، تؤمن بولاية الفقيه وتدين بالولاء التام للنخبة الدينية الحاكمة، وغاية تأسيس الحرس في بداية أمره، هو حفظ الثورة والدفاع عن النظام الذي يتزعمه رجال الدين، ولا يزال الحرسيون يُنتقونَ من عناصر شديدة الولاء لولاية الفقيه والنخبة الدينية، وللثورة وإسلامية الدولة؛ وبالتالي فإنّه لا تصحّ مقارنة الحرس الثوري بالمؤسسات الأمنية الأخرى خارج إيران أو في إيران قبل الثورة[15].     

فلا يمكن النظر إذن إلى فاعلية الحرس الثوري بناءً على تجاربٍ لجيوشٍ أخرى في المنطقة، كباكستان، وسوريا والجزائر، ومصر والسودان، ففي تلك البلدان وغيرها، تتحكم الجيوش منذ أكثر من نصف قرن تقريبًا في المشهد السياسي، وتدير البلاد في كافة المناحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، أمّا في إيران فإنّ المركزية لرجال الدين بعد ثورة 1979م، وهم الذين يعيِّنونَ ويعزلونَ قادة الأفرع في الحرس والجيش. أيضًا فإنّ تلك المؤسسات الأمنية الإيرانية تشكَّلت على أن لا تكون كتلةً واحدة تتحرك بأوامر وزير الدفاع أو قائد الجيش، بل هي كُتلٌ متناثرة تتبع جميعها المرشد الأعلى، مع وجود حساسية وتنافس ملحوظ بينها؛ وبالتالي فإنّ أي تحرّك من فرعٍ منها قد يُواجَه بفرعٍ آخر، فيؤول الأمر إلى صدامٍ عسكري، ومن ثمّ فإنّ توازن الردع بين تلك الفروع كان متعمَّدًا منذ البداية، حتى لا يحصل أيّ انقلاب عسكريّ على نظام ما بعد 1979م. فثمة تحكمٌ كاملٌ وعميق من القائد/ المرشد في المؤسسات الأمنية، بالتعيين والعزل، وثمة مندوبون/ ممثلون للمرشد في كافة فروع الأجهزة والمؤسسات الأمنية، تتحكَّم في مسارات الأمور، وتنقل الصورة مباشرة للمرشد[16].

وتحرص القيادات العسكرية على نيل رضا الجماعة الدينية، حتى يحصل العسكريُّ على ترقية أو بعض المميزات، ومن ثمّ فقد جُرّدت تلك القيادات العسكرية من الطموح الشخصي، أو تم اختيارهم في بادئ الأمر على أساس الثقة لا على أساس الكفاءة، أي أنَّ الولاء مقدمٌ على الكفاءة. أيضًا فإنّ مصالح النخبة العسكرية باتت مرتبطةً وجودًا وعدمًا بوجود النظام وبقائه، واستمراريته على ما هو عليه الآن. وقد مرّت إيران من قبل بتجارب لانقلابات عسكرية، ولذا فإنّ النخبة الدينية لديها هاجسٌ كبير من أي فاعلية أو مركزية للمؤسسات الأمنية في الحكم.   

في المقابل؛ فإنّ هذا كله لا يمنع أن يكون لبعض قادة الحرس المقربين من النخبة الدينية دورٌ في عملية الاختيار بالاستشارة والمشورة، وإبداء الرأي للنخبة الدينية المتحكمة في زمام الأمور، أو محاولة بعض النافذين من رجال الدين الاستعانة بالحرس لترجيح كفة شخص على آخر، أو مؤسسة على أخرى، أو لضرب الخصوم والمعارضين. وتنصّ المادة 150 على أنْ: «تبقى قوات حرس الثورة الإسلامية، التي تأسست في الأيام الأولى لانتصار هذه الثورة، راسخةً ثابتةً من أجل أداء دورها في حراسة الثورة ومكاسبها. ويحدد القانون وظائف هذه القوات ونطاق مسؤوليتها بالمقارنة مع وظائف ومسؤوليات القوات المسلحة الأخرى مع التأكيد على التعاون والتنسيق الأخوي فيما بينها». فالمهمة الرئيسية للحرس إذن هي حفظ الثورة/ النظام ونخبته الدينية؛ وبالتالي فقد يُتيح هذا السماح مرونةً للحرس الثوري بالتدخل تحت زعم حفظ الثورة ومكاسبها، أو على الأقل ترجيح شخص على آخر.

في نفس الوقت، فإنّ كبح الحرس الثوري عن الانقضاض على رأس السلطة إنما هو في الأمور والأوقات الطبيعية، ولكن إذا حدث تمرّدٌ أو طرأت فوضى عارمة، أخرجت الأمور عن السيطرة وهدَّدت الأمن القومي الإيراني، فحينئذ قد يكون للحرس الثوري تدخلٌ كبير في اختيار المرشد، أو حتى في الإمساك بزمام الأمور؛ لأن القوى الصلبة تكون عادةً هي القوى الوحيدة المتماسكة أوقات الفوضى والثورات، ووقتئذ لن يوضع الدستور أو قواعد الاختيار محلّ عناية من جميع الأفراد باعتبار المخاطر التي تواجه الدولة.

4- مؤسسة الرئاسة: رغم أنَّ الدستور الإيراني نصّ على أنّ رئيس الجمهورية هو: «أعلى سلطةٍ رسمية في البلاد، بعد مقام القيادة، وهو المسؤول عن تنفيذ الدستور، كما أنه يرأس السلطة التنفيذية، إلا في المجالات التي ترتبط مباشرةً بالقيادة» (المادة (113)، وهو «مسؤولٌ أمام الشعب والقائد ومجلس الشورى الإسلامي» (المادة 122)، ويتولى: «رئيس الجمهورية والوزراء ممارسة السلطة التنفيذية، باستثناء الصلاحيات المخصصة للقائد مباشرة» (المادة 60). إلا أنّ الواقع أنّ رئيس الجمهورية في إيران مغلول الأيدي عن تنفيذ سياساته ورؤيته، فكل المؤسسات الفاعلة تابعة للقائد، وليس لرئيس الجمهورية أي سلطة لا على البرلمان ولا السلطة القضائية، ولا مجلس الخبراء، ومجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، وكلها مؤسسات فاعلة ونافذة في الدولة، وكلها تتبع القائد بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بل إنّ بعض الوزراء ومن هم ظاهريًا تحت نفوذ رئيس الجمهورية هم في الحقيقة تابعون للقائد، يأتمرون بأمره، ويسيرون وفقًا لتوجهاته، فقادة الجيش والحرس الثوري يُعيَّنونَ مباشرًة من قِبل القائد، أما وزير الخارجية والداخلية وغيرهما فلا يُعيَّنون إلا بعد موافقة البرلمان، الذي لا ينتخب أعضاؤه إلا بعد موافقة غير مباشرة من القائد عن طريق هندسة مجلس صيانة الدستور، ثمّ يتم التحكم في تشريعاتهم عن طريق مجمع تشخيص النظام.

بل إنّ رئيس الجمهورية لا يتمّ تعيينه حتى مع انتخابه من الجماهير، إلا بعد موافقة القائد، وحتى بعد تعيينه فإنّه يمكن عزله عن منصبه، بعد موافقة القيادة، ففي حال: «صوّتت أكثرية الثلثين من النواب على عدم كفاءة رئيس الجمهورية، فإن ذلك يُرفع إلى مقام القيادة، لاطلاعها عليه» (المادة 89). «ويقدّم رئيسُ الجمهورية استقالة إلى القائد، ويستمر في القيام بوظائفه، إلى أن تتمّ الموافقة على استقالته. وفي حال وفاة رئيس الجمهورية أو عزله أو استقالته.. ووفاة المعاون الأول لرئيس الجمهورية، تُعيّن القيادةُ شخصًا آخر مكانه» (المادتان: 130- 131).

إذن فرغم أن رئيس الجمهورية ليس له دورٌ مباشر في اختيار خليفة المرشد، لكن شخص رئيس الجمهورية قد يكون أحد الخيارات الممكنة لتولي المنصب، خاصةً إذا كان يتمتع بالشروط المنصوص عليها دستوريًا والتي يجب توفرها في المرشد القادم، وذلك لمكانة الرئيس في هرم السلطة بالنظام الإيراني، وقد حدث ذلك بالفعل عندما تم اختيار علي خامنئي في 1989م، والذي كان رئيسًا للجمهورية، ليكون مرشدًا للنظام الإيراني خلفًا للخميني، وقد يحدث ذلك مستقبلًا مع الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي.

5- مجمع تشخيص النظام: تأسَّس مجمع تشخيص مصلحة النظام، كهيئة استشارية، في 06 فبراير 1988م، ومن مهامّه الفصل في نزاعات البرلمان ومجلس صيانة الدستور، وتصبح قراراته ملزمةً بعد تصديق المرشد، وتقديم المشورة للمرشد في المشكلات المتعلقة بسياسات الدولة العامة. ويتكون المجمع من 31 عضوًا، يمثلون مختلف المؤسسات، ويُعين المرشد الأعلى للثورة أعضاء المجمع الدائمين والمتغيرين، ما عدا رؤساء السلطات الثلاث الذين ينضمون إلى المجمع بشكل آلي بعد التعديل الجديد الخاص بقانون المجمع[17].

وشخصيات المجمع متنوعة ما بين شخصيات دينية وحقوقية وسياسية وعسكرية، بمن فيهم رؤساء السلطات الثلاث وفقهاء مجلس صيانة الدستور ورئيس أركان القوات المسلحة وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ووزير أو رئيس المؤسسة المعنية بالموضوع الخلافي ورئيس اللجنة البرلمانية المعنية بالموضوع[18].

وقد دُستِرَ وضع مجمع تشخيص مصلحة النظام، فحسب المادة 112 من الدستور يتم: «تشكيل مجمع تشخيص مصلحة النظام بأمرٍ من القائد، لملاحظة مصلحة النظام في حال وقوع أي خلاف بين مجلس صيانة الدستور ومجلس الشورى الإسلامي، حول بعض القرارات التي قد تخالف موازين الشريعة أو الدستور، وكذلك للتشاور في الأمور التي يوكلها القائد إلى هذا المجمع. ويقوم القائد بتعيين الأعضاء الدائمين والمؤقّتين له. وكل القرارات التي يتخذها تُرفع إلى القائد، لتتمّ الموافقة عليها» [19]؛ وبالتالي فالمجمع تابعٌ للقائد/ المرشد، وليس مستقلًا، سيما وأن المرشد هو الذي يعيّن معظم أعضائه، ومع ذلك فللمجمع سلطتهُ وكلمة الفصل في الخلافات بين مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور.

لمجمع تشخيص مصلحة النظام صلاحيات أخرى جاءت في المادة 111 من الدستور الإيراني، والتي تمت الإشارة إليها آنفًا في الفقرة المتعلقة بالشروط الدستورية لاختيار المرشد. ولكون مجمع تشخيص مصلحة النظام، هو الجهة المسؤولة عن تشخيص المصلحة العامة للنظام، فقد يلعب دورًا حاسمًا في اختيار المرشد، خاصةً وأنه يضم أهم الشخصيات والمؤسسات بالنظام الإيراني وهم رئيس الجمهورية، رئيس البرلمان، رئيس السلطة القضائية، فقهاء مجلس صيانة الدستور، رئيس أركان القوات المسلحة وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي.

رابعًا: سيناريوهات ما بعد خامنئي

ثمة سيناريوهات عديدة، لمآلات ما بعد المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، يُمكن حصرها فيما يلي من نقاط:

1-الانتقال السلميّ السلس: ويَفترض هذا السيناريو انتقالًا سلسًا للسلطة؛ فيتمّ الإعلان عن المرشد الجديد، وذلك بإسراع مجلس الخبراء لعقد جلسة طارئة واختيار خليفة لخامنئي، وسط صمتٍ تام من قبل الشارع الإيراني وتأييد جميع المؤسسات الفاعلة بالنظام الإيراني. ويعتمدُ هذا السيناريو على عدم طروء أيّ أحداث غير عقلانية تؤدي إلى تحييد اتباع الدستور، أي أنه يفترض بقاء واستمرارية الوضع الطبيعي، واللجوء إلى تفعيل الدستور عند إرادة تعيين مرشدٍ جديد، لأي سببٍ من الأسباب.

2- الوصيّة: أن يكون المرشد علي خامنئي قد حدَّد خليفته: بمعنى أن يكون المرشد الحالي آية الله علي خامنئي، قدّ حدّد خليفته بالفعل، وفي هذه الحالة سيجتمع مجلس الخبراء للإعلان عن المرشد الجديد، لكن هذا الاحتمال قد تواجهُه بعض التحديات، فمثلًا قد يتغير مزاج المؤسسات ذات النفوذ في النظام الإيراني كالحرس الثوري، والذي قد يلجأ لفرض مرشحٍ معين. مجلس الخبراء كذلك قد يرى أن من حقِّه ممارسة صلاحياته الدستورية في اختيار المرشد دون الرجوع لتوصية المرشد علي خامنئي، أو الاستجابة لضغوطات الحرس الثوري. لكن في العموم وعند جريان الأمور بصورة طبيعية فإنّ هذا السيناريو قريبٌ من السيناريو الأول «الانتقال السلمي السلس»، والفارق أنّ السيناريو الأول يفترض تفعيل الدستور بصورة حقيقية ويتم الاختيار بعد نقاشات ومداولات حقيقية فيمن تتوفر فيه الصفات الشرعية والسياسية لتولي المنصب، أما هذا السيناريو فيفترض كذلك انتقالًا سلميًا سلسًا، ومناقشاتٍ ومداولات لكنها ستكون أقرب إلى النقاشات الصورية لتنفيذ وصية المرشد فقط.

3- الانقلاب العسكري: مرحلة ما بعد خامنئي (عند العجز، أو الوفاة أو الاستقالة، أو العزل)[20]، قد تشهد نزول ملايين الإيرانيين للشوارع، للمطالبة بإنهاء نظام ولاية الفقيه وتبديله بنظام آخر، خاصةً في ظل الغضب الشعبي من سياسات النظام الإيراني، والذي عبَّر عنه الإيرانيون خلال الاحتجاجات التي شهدتها إيران الفترة الماضية، وظهور إرادة قوية للشارع في إسقاط النظام. إذا حدث هذا السيناريو وأيقن بأن النظام باتَ على حافة السقوط، فإن الحرس الثوري قد يلجأ إلى تنفيذ انقلابٍ عسكري يُسيطر بموجبه على الحكم. وسبق لوزير الدفاع السابق ومستشار علي خامنئي للصناعات الدفاعية حسين دهقان، أن لوَّحَ بلجوء العسكريين لتنفيذ انقلابٍ عسكري في إيران، إذا حدث انهيار للنظام الإيراني، ورغم تأكيده بأن إيران لن تتعرَّض لانهيار وانقسام يستدعي تدخُّل المؤسسة العسكرية[21]، إلا أنَّ هذه التصريحات تُشير إلى إمكانية حدوث انقلاب عسكري، إذا تعرَّض النظام الإيراني لخطر السقوط.    

لكن إذا افترضنا أن الحرس الثوري سيلجأ للانقلاب العسكري للسيطرة على الحكم، فلن تكون له أيديولوجيا سياسية أو فكرية يستند عليها، غير تبني الخيار الديني الذي تربَّى عليه قادتُه منذ انتصار الثورة الإسلامية في 1979م، أما في حال إسقاط هذا الخيار وتحويل الجمهورية الإسلامية إلى نظام دكتاتوري عسكري تقليدي على غرار الديكتاتوريات العسكرية الأخرى، فذلك يعني تركهُ للقيم والمبادئ الدينية؛ وبالتالي سيفقد الدعم الشعبي والسند من المؤسسة الدينية والمؤيدين لولاية الفقيه،  كما أن تبنيه لنظامٍ ديكتاتوري سيضعُه على خط المواجهة مع جميع مكونات الشعب الإيراني -كما أن الحرس الثوري ربما يدخل في صراع مع الجيش الذي سيرفض انفراد الحرس الثوري بالسلطة-؛ وبالتالي تبقى شرعية العسكريين مُستندةً على القوة وحدها دون الظهير الشعبي.

4- شغور المنصب لفترة: وهناك احتمالٌ آخر لا يمكن إغفاله، وهو أن يظل منصب المرشد شاغرًا لفترة من الزمن، إما بسبب نشوب خلافٍ محتمل بين مجلس الخبراء والحرس الثوري وعدم توافقهما، أو نشوب خلافٍ داخل مجلس الخبراء نفسه حول مسألة توريث المنصب لمجتبى خامنئي. وحتى وصول جميع الأطراف إلى صيغة توافقية حول منصب المرشد، سيتولى صلاحيات المرشد مجلس شورى يضم عددًا من الفقهاء، وفقًا للمادة 111 من الدستور.

ورغم أنّ الاحتمالات الثاني والثالث والرابع ليست مستبعدة، يظل السيناريو الأول هو الأكثر احتمالًا، لعدة أسباب، أهمها: التقاء مصالح المؤسسات الفاعلة في الداخل الإيراني، وإدراكها أنَّ أيَّ تهديد ربما يطال مصالح الجميع، ويوجِدُ بديلًا للنظام القائم منذ العام 1979م برمَّته، كذلك فإنّ ثمة توافق كبير بين المحافظين على إبقاء المسار الأصولي المحافظ، لاستمرار الخطّ الثوري، وإبقاء مركزية الأيديولوجيا وعقائدية المنهج والمؤسسات والمقاربات، وذلك ما لم يطرأ شيء من خارج الاحتمالات العقلانية يغيّر مسارها الكُلّي.

خامسًا: خلفاء خامنئي وخلفياتهم

لا شكّ أنَّ نهاية عهد خامنئي، تعني نهاية فترة المرشدين الأقوياء، من جيل المؤسسين، الذين ساهموا في استمرار النظام الإيراني، وكانت لهم فلسفة خاصة، وقراءة دينية محددة، ورؤية في العلاقات الخارجية، ونظرية سياسية متكاملة، كذلك لا توجد شخصية دينية قيادية تتمتع بنَفَسٍ كاريزماتيّ وجاذبية سياسية وتكون محل توافق لدى جميع مؤسسات النظام الإيراني، على غرار المرشِدَين الأولين.

لذا، فإنّ تلك الأسماء المرشحة لخلافة المرشد آية الله خامنئي، لن تكون بنفس القوة والمقدرة على السيطرة الكاملة على النخب الدينية والسياسية والعسكرية، على الأقل في المراحل الأولى. ومنذ برهة من الزمن وثمة دراسات وتقارير ترصد أسماءً مرشحةً أو مؤهلة لخلافة المرشد خامنئي في منصب الإرشاد، وبعض تلك الأسماء مات وبعضهم لا يزال حيًا. لكن الأسماء المطروحة اليوم اختلفت عمّا كانت عليه منذ سنوات، سيما مع كِبَر سنّ البعض، وموت آخرين.  

1- إبراهيم رئيسي: يُعد إبراهيم رئيسي (1960م-..) رئيس الجمهورية الإيرانية الحالي، هو أبرز المرشحين لخلافة خامنئي، ورغم أنه لم ينل درجةَ الاجتهاد، إلا أنّ وسائل الإعلام الإيرانيّة المحسوبة على المحافظين باتت تُطلق عليه لقب «آية الله»، منذ أن تولى منصب رئيس السلطة القضائية. في حين تبرِّرُ أصواتٌ أخرى هذا الاستعمال بأنَّه أكملَ مسيرته العلمية في طهران، بالإضافة إلى التفرقة بين المجتهد الذي نال الاجتهاد بحكم ممارسة القضاء، والمجتهد الحوزويّ، فكون إبراهيم رئيسي كان رئيسًا للسلطة القضائية وعضوًا في مجلس الخبراء، فمن البديهي أن يكون مجتهدًا (حسب تصور هؤلاء)، وأن يوصف بالاجتهاد، حتى ولو لم يكن مجتهدًا حوزويًا، سيما وقد اعترف به مجلس صيانة الدستور كمجتهدٍ سنة 2006م، وتمّت الموافقة عليه لانتخابات مجلس الخبراء[22].  وهذا تبرير متعسف أُصوليًا وفقهيًا؛ لأنّه من المفترض ألَّا يكون قاضيًا أو رئيسًا للسلطة القضائية إلا بعد بلوغه درجةَ الاجتهاد، وهو ما لم يحدث في حالة رئيسي؛ وإلا لصرنا إلى الدورِ[23]، وهو محال. 

وثمة علاقة وطيدة بين رئيسي والحرس الثوري، وعندما كان رئيسًا للسلطة القضائية تعامل بالقبضة الحديدية مع الناشطين العماليين والنقابيين، وقيل إنه كان متشددًا ضد خصوم النظام ومعارضيه بغيةَ تقديم نفسه للمرشد والحرس الثوري بأنه الخيار المطروح ليقوم بدور «المنقذ» في المرحلة القادمة، وأنه على نفس النهج الثوري لجيل الآباء، لم يحِد عنه. وأراد كذلك إرسال رسالة لمعارضي النظام في الداخل والخارج أنه لا بديل عن هذا النظام، وأنّ النظام قادرٌ على إدارة الدولة بصورة كلية وأن معارضيه في موقعٍ من الهشاشة لا يمكن التعويل عليهم كبديل[24]. أيضًا فإنّ رئيسي من المحافظين، بل من مدرسة مصباح يزدي (1935- 2021م)، وهو أحد متشدّدي المراجع الولائيين؛ وبالتالي فإنه طرحٌ مقبول عند عموم المحافظين من الفقهاء والمؤسسات. وتندرج أهمية انتخاب إبراهيم رئيسي المتشدد والمتمسك بالمبادئ التي جاء بها الخميني عام 1979، لرئاسة الجمهورية، في اتجاه جهود خامنئي للحفاظ على الأجواء الثورية بالنظام الإيراني؛ وبالتالي في حال حدوث فراغٍ مفاجئ في منصب المرشد، ستكون الأجواء مهيأةً له لخلافة خامنئي وتكرار تجربة عام 1989م عندما كان خامنئي نفسه رئيسًا لإيران وخلَفَ الخميني بسرعة بعد وفاته. وفي حال وصول رئيسي إلى سُدّة القيادة في إيران، فإنّه من المرُجّح أن يستمر النهج المتشدد في إدارة الملفات الداخلية والخارجية، باعتباره استكمالًا للمسار الثوري، والقراءة الدينية الخمينية.

2- مجتبى خامنئي والتوريث المحتمل: من أبرز المرشحين لخلافة خامنئي، ابنه مجتبى (1969م-..)، إذ بات سيناريو التوريث يتصاعد في الآونة الأخيرة بعد أن كان ضربًا من المستحيل في صدر الثورة، بيد أن طول مُكْوث آية الله خامنئي في منصبه هيّأ الظروف ليشتدّ نفوذ ابنه مجتبى، وينسج علاقات متشابكة وقوية مع الأجهزة الأمنية، والمؤسسات الفاعلة في البلاد، وفي نفس الوقت يصدّر نفسه كرجل دين مؤهل من الناحيتين الفقهية والسياسية، مدعومًا بالنفوذ الكبير لوالده، وقد درَس على مصباح يزدي (1935- 2021م) أحد أكثر رجال الدين المتشددين في إيران، لكن اللافت أن مجتبى لم يحصل بعد على رتبة «آية الله». ويعمل مجتبى في عدة وكالات سرية، ويدير مكتب القائد الذي توسع كثيرًا، فقد كان يضم عند وفاة الخميني ما يقرب من ثمانين موظفًا، وبات يضم الآن ما يقرب من أربعة آلاف موظف. ولارتباطه القوي بوالده، لا يستبعد العديد من المراقبين الإيرانيين أن يكون مجتبى هو أقوى وأقرب خيار لخلافة والده، وأن خامنئي يريد أن يسلم دفة القيادة لشخص يحمل جيناته ويواصل طريقه.

لكن هل يمكن أن يرِثَ مجتبى منصب والده؟ رغم قوة نفوذ مجتبى إلا أنَّ خلافته لوالده محلّ إشكال كبير داخل دوائر صنع القرار الإيرانية، وقد يفتح الباب أمام صراعات كبيرة بين الأجهزة والمؤسسات ورجال الدين، فهو أولًا: بدون شعبية في الشارع الإيراني، لوجوده في الظلّ دائمًا، وهو أيضًا صاحب خبرات محدودة لعدم توليه أي منصب رسميّ يُشير إلى مدى قدراته في إدارة الأمور. كذلك فهو لمّا يصل بعد إلى درجة الاجتهاد، وعلاقته بالجماعة الحوزوية ليست متينةً وقويةً بالقدر الذي يُمكنها أن تدعمهُ على حساب غيره.

لكنّ الأهمّ من ذلك أنّ أكبر معوّق له لخلافة المرشد أنه ابنه، وهذه مسألة تمسّ شرعيته، ذلك أنّ أكبر جهادٍ خاضته النخبة الدينية والثورية من الجيل الأول هو القضاء على ثقافة التوريث التي كانت في عهد الشاه، وألّبوا الناس ضد الشاه وحرّضوهم على الثورة بسبب التوريث، وللخمينيّ نقد صريح للتوريث؛ وبالتالي فإنّ خلافة مجتبى لوالده وصعوده لمنصب القائد سينال من شرعيته، ويُظهر النخب الدينية بأنها ما قامت بالثورة إلا لأجل المصالح الخاصة، وتعزيز الحكم العائلي بصورة أشد مما كانت عليه في عهد الشاه[25].

لكن هذه الأسباب مجتمعةً لا تغلق الباب تمامًا أمام سيناريو توريث المنصب وانتقاله إلى مجتبى، مع دراماتيكية الأحداث بشكلٍ ما، لكن في هذه الحالة فإنّ سيناريو الاستبداد وزيادة القمع سيزداد لمحاولة سدّ النقص في الشرعية، أو في غضب الجماهير والجماعة العلمية؛ وبالتالي ستزداد الأمور سوءًا. ويبدو أن سيناريو التوريث صعب، لكنه ليس مستبعدًا، حتى أنَّ مير حسين موسوي، حذّر منه، وقال محذرًا في مقال له: «لقد تردَّدت أحاديث حول التوريث، شُلَّت ألسنتهم! فهل عادت السلالات التي كانت تحكم قبل 2500 عام حتى يتمكَّن الابن من الحكم بعد والده؟». واستنكر صمت النخبة الحاكمة عن نفي هذه الشائعات: «يُسمع خبر هذه المؤامرة [تعيين مجتبى خامنئي] منذ ثلاثة عشر عامًا. إذا كانوا لا يسعون لذلك حقًا، فلماذا لا ينكرون مثل هذه النية ولو لمرة واحدة؟»[26].

إن توريث منصب المرشد، لن يكون فقط إخفاقًا أيديولوجيًا لنظرية ولاية الفقيه، بل سيُثبت أيضًا عقمها وعدم فعاليتها سياسيًا؛ لذا سيعتمد موضوع اختيار المرشد على مدى عقلانية النخبة الحاكمة في عملية الاختيار، هل سيكون اختيارًا عقلانيًا يراعى فيه أقل درجات العقلانية والشرعية، ومقبولية الجماهير، أم سيكون خيارًا إستراتيجيًا دون النظر إلى عوامل الشرعية والجمهور والعلاقات الدولية والإقليمية!  

3- صادق لاريجاني: يعدّ صادق لاريجاني (1961م-..) من أبرز رجال الدين المتشددين، انتُخب عضوًا في مجلس خبراء القيادة سنة 1988م، ثم اُختير في مجلس صيانة الدستور سنة 2001م، وفي 2009م تم اختياره رئيسًا للسلطة القضائية، ثم عُين رئيسًا لمصلحة تشخيص النظام سنة 2018م خلفًا لمحمود شاهرودي. واتسم صادق لاريجاني بالتشدد، والمزايدة على خصومه، ففي سنة 2015م صرَّح أنه ليس من حق مجلس الخبراء أن يشرف على عمل المرشد، وأكد في تصريح آخر أن الحكومة لا تستمد شرعيتها من انتخاب الأمة.

لكن حظوظ لاريجاني في خلافة المرشد الحالي علي خامنئي تبدو ضعيفة، لعدة أسباب أهمها أنه ليس فقيهًا مجتهدًا على نمط الفقهاء الحوزويين المجتهدين، كذلك وجود توترات وخلافات بينه وبين أركان النظام ومؤسساته، فقد انتقد الأجهزة الأمنية بعد استبعاد أخيه من الترشح لرئاسة الجمهورية، وتمّ اتهامه بالفساد في الفترة التي كان فيها رئيسًا للسلطة القضائية[27].         

4- تحديد المرشد خليفةً له في حياته، وذلك يتحقَّق بأحد الحالتين:

أ- أن يختار آية الله خامنئي من بين الأسماء المذكورة أعلاه خليفةً له، ويطلب من مجلس الخبراء الموافقة عليه، ثم يقدم استقالته من المنصب نتيجةً لعجز أو مرض، وبحکم التأثير والنفوذ القوي الذي يملكه خامنئي داخل مجلس الخبراء، سيوافق المجلس على هذا الطلب.

ب- أن يعين خامنئي نائبًا له على غرار حسين علي منتظري الذي كان نائبًا للخميني قبيل عزله من منصبه، وبعد وفاة خامنئي أو عجزه عن أداء مهامه يتم اختياره من قبل مجلس الخبراء ليكون المرشد الجديد للنظام الإيراني، وذلك رغم أنّ هناك مصادر إيرانية ترى أنّ منصب نائب المرشد ليس قانونيًا، ولا شرعيًا، وتستبعد إحياءه مرةً ثانية[29].

والفارق بين هذا السيناريو وبين سيناريو الوصية (انظر: رابعًا: السيناريو الثاني)، الذي تمت الإشارة إليه سابقًا، أنّ الوصية تعني إخفاء الشخص الذي تمّ اختياره من قبل المرشد، إلى مرحلة ما بعد خامنئي، وأن يُطَّلع عليها بعد وفاته، وتُفعّل من قبل مجلس الخبراء والفاعلين الآخرين، أمّا هذا السيناريو فيفترض أن يعلن عن خليفته في حياته، إما كنائب له، وإما كخليفةٍ يتولى كافة المهام ثمّ يستقيل آية الله خامنئي لكبر السنّ أو العجز أو لأي سبب من الأسباب.

5- من خارج المشهد: من الاحتمالات الواردة أن يأتي مجلس الخبراء بشخصية محافظة لم تتورَّط في التجاذب السياسي الضاغط في البلاد، كأحد أعضاء مجلس الخبراء، أو أحد رجال الدين البارزين والمستوفين لجل الشروط الدستورية، ويمتاز بعلاقة جيدة في الوقت نفسه مع النخب الدينية، والمؤسسات الأمنية. لكن ما يجعل هذا السيناريو مستبعدًا أنّه إذا كان بهذه الصفة، أي لم يدخل في تجاذب سياسي، وخصومات، فلن يتوفر فيه شرط الكفاءة والدراية بالواقع الفقهي والسياسي، كذلك فإنّ النافذين لا يقبلون بأن يأتي شخصٌ من خارج الجماعة المحافظة، حفظًا أولًا للمسار الثوري، وثانيًا إبقاءً على مصالحهم الشخصية، وخطّهم الفكري.

وحاصل القول إنّ شخصية المرشد القادمة لن تكون بعيدةً عن التيار الأصولي، ومؤسساته الداعمة، ولن نشهد -في حال عدم حدوث تفاعلات من خارج السياق- تغييرًا كبيرًا في إستراتيجية المؤسسات الإيرانية، لأنّ أيّ شخص سيعمل على تعزيز شرعيته الدينية/ المذهبية، والسياسية من خلال الالتصاق والاندماج بولاية الفقيه، وبجماعات المصالح الدينية والعسكرية، وربما المزايدة من خلالها.

سادسًا: ترتيبات المشهد.. النزاع على الدستور

يُشير الدستور الإيرانيّ إلى أنه يمكن إعادة النظر في الدستور في الحالات الضرورية على النحو التالي: «يُصدِر القائدُ بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، أمرًا إلى رئيس الجمهورية ينص على المواد التي يلزم تعديلها أو إضافتها من قِبل مجلس مراجعة الدستور». (المادة 177).

أما عن تشكيل مجلس مراجعة الدستور، فتنص نفس المادة 177 على أنه يتكون من: «أعضاء مجلس صيانة الدستور، رؤساء السلطات الثلاث، الأعضاء الدائمين في مجمع تشخيص مصلحة النظام، خمسة من أعضاء مجلس الخبراء، عشرة مندوبين يعينهم القائد، ثلاثة من أعضاء مجلس الوزراء، ثلاثة مندوبين من السلطة القضائية، عشرة من نواب مجلس الشورى الإسلامي، ثلاثة مندوبين من أساتذة الجامعات». أما عن قرارات هذا المجلس فتُطرَح على الاستفتاء العام: «بعد أن يتم تأكيدها وتوقيعها من المرشد».

إذن فمكونات مجلس مراجعة الدستور خاضعة للمرشد، ويُشكل بأمره، بعد التشاور مع مجمع التشخيص، وحتى بعد إصدار المجلس لقراراته فيجب تأكيدها أولًا من المرشد. ورغم ذلك فقد منع الدستور في نفس الوقت الاقتراب من أي تعديل أو تغيير للمواد الدستورية الخاصة بإسلامية الدولة، كطبيعة النظام السياسي الإسلامية، ومبدأ ولاية الفقيه، ونحو ذلك: «لا يجوز مطلقًا تعديل مضامين المواد المتعلقة بالطبيعة الإسلامية للنظام السياسي، وقيام كل القوانين والمقررات على أساس الموازين الإسلامية، والأُسس الدينية، وأهداف جمهورية إيران الإسلامية، وطبيعة الحكم الديمقراطي، وولاية الأمر، وإمامة الأمة..».  

فالنصّ الدستوريّ أغلق الباب أولًا أمام جميع المؤسسات والتيارات والأفراد للمطالبة بتعديل الدستور، فالقرار النهائي للمرشد وحده، وأغلق الباب ثانيًا أمام أي تعديل للمواد المتعلقة بطبيعة النظام السياسي الدينية، بما فيها مبدأ ولاية الفقيه وإمامة الأمة.

وبسبب ما يمكن تسميته بالأزمة الإيرانية الراهنة، حيث أفول الجيل الأول واقتراب الجيل الثاني من سُدة الحكم، مع تضخم الكوابح الداخلية على حساب الكوابح الخارجية ومؤسسات الرقابة والمحاسبة فإنّ إيران في حاجة إلى تعديلات دستورية جوهرية، في نظر الإصلاحيين والدستوريين، بيد أنّهم لا يملكون دستوريًا حقَّ تغيير الدستور، بل لا بد من موافقة المرشد أولًا.

واليوم ثمة ثلاثة تيارات في إيران تختلف أنظارُهم تجاه الدستور، الأول: يرفض تغيير الدستور، وهؤلاء هم النخبة الحاكمة، والثاني: يريد تغيير الدستور تغييرًا جَذريًا، والثالث: يريد تغييرًا رشيدًا للدستور بما يُلائم فكرَهم الإصلاحي المتدرج من داخل مظلة النظام.

1الإصلاح من الداخل: الرئيس السابق، محمد خاتمي، وهو أحد أهم منظّري التيار الإصلاحي ومؤسسيه، يزعم أنّ تغيير المشهد وتحسين الأوضاع في الداخل الإيراني نحو الأفضل، لا يتطلب تغيير الدستور: «فالكثير من الإصلاحات متاحة من خلال العودة إلى روح أو حتى نصّ الدستور نفسه». وهو لا يرفض فقط تغيير الدستور، بل يُحذّر من الإطاحة بالنظام؛ لأن في ذلك أخطارًا كبيرة على الشعب والدولة، لكن يمكن فقط تغيير النهج والسلوك. وجاءت تصريحات خاتمي بعد يوم واحد من مناشدة لمير حسين موسوي يطالب فيها بإصلاح جوهريّ وتغيير الدستور، وتشكيل جمعية تأسيسية[30].

لكنّه، أي خاتمي، في نفس الوقت قدّم اقتراحات عملية غير تغيير الدستور، ارتأى أنها كفيلة بإحداث انفراجة للأزمة الإيرانية، مثل: الاهتمام بالانسجام الوطني ومراعاة كل الميول والأذواق والفئات العرقية، وإنهاء التوترات وإلغاء الإقامة الجبرية عن قادة الحركة الخضراء، والإفراج عن المعتقلين السياسيين وإعلان العفو العام، وإصلاح آلية تشكيل مجلس الخبراء وإصلاح مجلس صيانة الدستور[31].

وهذا التيار يسعى إلى تغيير سلوك النظام من الداخل، ويؤمن بولاية الفقيه، وبشكل الدولة على ما هي عليه اليوم، ولا يسعى إلى التصادم مع الحكومة، ويرى أنّ أي فعل ثوري قد يعرِّض البلاد كلها لمخاطر تتعلَّق بالوحدة والأمن القومي.  

2- الإصلاح الجذري وتغيير الدستور:

المطالبة بتعديل الدستور والحد من صلاحيات المرشد، بدأت منذ تعديلات 1989م، حيث مُنح المرشد المزيد من الصلاحيات وتمت إضافة كلمة «مطلقة» إلى عبارة ولاية الفقيه، بالإضافة إلى زيادة صلاحيات مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام والسلطة القضائية -التي تخضع عمليًا لإشراف المرشد- وهو ما أدى إلى غياب الإشراف الفعّال على المرشد والمؤسسات التابعة له. وعلى هذا الأساس، يرى العديد من المفكرين والسياسيين الإيرانيين أن نظام ولاية الفقيه، لا يُمكن إصلاحُه، إلا بتغيير الدستور وتحديد مدَّة بقاء المرشد في منصبه وخفض الصلاحيات المطلقة التي منحها له الدستور الحالي.

وفي هذا الصدد، ظهرت بعض الأصوات التي تُطالب بإجراء تعديل على الدستور الإيراني وحذف منصب المرشد، منهم مصطفى تاج زاده، القيادي الإصلاحي والمساعد الأمني والسياسي بوزارة الداخلية في عهد محمد خاتمي، والذي اقترح دمجَ منصب المرشد ورئيس الجمهورية، وأن يكون منصب المرشد انتخابيًا بالاقتراع المباشر وألَّا يكون حكمُه لأكثر من ولايتين كحد أقصى، وجاء هذا الموقف من تاج زاده، ردًا على مطالبة المتشددين باستبدال النظام الرئاسي بالبرلماني[32].

وفي مقال آخر عدَّد تاج زاده أوجهَ القصور في الدستور الحالي، وخلُص إلى أنَّ أوجهَ القصور هذه لا يمكن معالجتها ما لم يتم حذف منصب المرشد، وهي: الحقوق والحريات الأساسية التي لم يتم تضمينها بشكل صحيح  في الدستور، كالحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية وحقوق الأقليات، عدم وجود آليات وقوانين عملية لتفعيل وضمان حرية الأحزاب والتنظيمات والنقابات والتجمعات العامة غير العنيفة، عدم استقلال القضاء في النظام الحالي وكونه بات أداةً في يد المرشد، إشراف مجلس صيانة الدستور الذي يتقاسم المرشد ورئيس السلطة القضائية عملية تعيين أعضائه على الاستحقاقات الانتخابية المختلفة بدلًا من أن تُعهَدَ هذه الانتخابات للجنة وطنية خاصة بها، التمييز على أساس الدين والعرق والجنس في نيل وكسب الحقوق السياسة، عدم احتواء الدستور على ما يُجرِّم أو يمنَع المؤسسة العسكرية من التدخل في السياسة والاقتصاد والثقافة، المسائل المتعلقة بالتشريع والتي يجب أن تكون ضمن صلاحيات البرلمان، وليس مسؤولية المؤسسات التشريعية المعينة من قبل المرشد كمجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام، إضافةً لموضوع تحديد السياسات العامة للنظام والتي يجب أن تكون بيد الحكومة والبرلمان كونهما منتخبين من قِبل الشعب، لكن النظام الإيراني وضع هذه المسؤولية في يد مجمع تشخيص مصلحة النظام وهو ما يتعارض  مع أُسس الديمقراطية [33].

وفي 2018م، طالبَ الإصلاحي مهدي كروبي، والذي يخضع للإقامة الجبرية منذ 2011م، بضرورة تعديل الدستور لتلافي احتكار السلطة وضمان مشاركة الشعب، وحذَّر أعضاء مجلس الخبراء من أنَّ فشلهم في مراقبة أداء المرشد يُعد بمثابة الخيانة لمبادئ الثورة، كما طالبهم بمساءلةِ المرشد علي خامنئي عمّا آلت إليه أوضاع إيران من تدهور بعد ثلاثة عقود من حكمه[34].

أمّا زعيم الحركة الخضراء مير موسوي، فقد أصدر بيانًا في الرابع من فبراير 2023م، «لإنقاذ إيران»، وقد حمَّل فيه النخبة الحاكمة مسؤولية: «الأساليب القمعية بدلًا من الحوار والإقناع»، «الفجوات الطبقية»، «تفشي الفساد في المؤسسات النقدية والمالية»، «الكبت الثقافي الواسع»، «القمع الوحشي للنساء»، وقد مهَّد بذلك ليصل إلى نتيجة أن هذه الإستراتيجية: «أظهرت لشعبنا أن تنفيذ الدستور بالكامل، كشعارٍ كان الأمل معقودًا عليه منذ ثلاثة عشر عامًا، لم يعد مفيدًا وينبغي اتخاذ خطوات أبعد من ذلك».

إنّ إيران في نظرِهِ في حاجة إلى حلول جذرية وليست إصلاحية متدرجة على نحو ما يذهب خاتمي ورفاقه: «إيران والإيرانيون بحاجة لتحول جذري ترسم خطوطه الأساسية الحركة الطاهرة (المرأة، الحياة، الحرية)، هذه الكلمات الثلاث هي بذور المستقبل المشرق؛ مستقبل خالٍ من الظلم والفقر والإهانة والتمييز. هذه ثلاث كلمات تحمل معها تاريخًا من السعي والتفكير والنضال والأمل؛ والأكثر وعدًا وأملًا من بين هذه الكلمات هي (المرأة)؛ لأن السعادة والصلاح العام لا يمكن تحقيقهما بيننا، ولا يمكن للنضالات الاجتماعية الكبيرة أن تتحقَّق إلا بوجود النساء والرجال معًا، ولا يوجد نضال لا يمكن أن ينتصر بهذا الشرط». وهنا حاول موسوي أن يستغل انتفاضة النساء الإيرانيات القائمة منذ شهور للمطالبة بحقهن في خلع الحجاب، وحقوق سياسية أخرى، لتعزيز موقفه المطالب بتغيير جوهري في طبيعة النظام السياسي. وكأنه يتخذ المسار السياسي المضاد لمسار خاتمي، فخاتمي يتَّخذ مسارَ الحوار والإصلاح من الداخل، وموسوي يتَّخذ مسارَ الثورة والانتفاضة والتغيير الجذري.

ثم قدَّم اقتراحات من شأنها أنْ تحلّ الأزمة الإيرانية، من وجهة نظرهِ، مثل: إجراء استفتاء على ضرورة تعديل الدستور، أو صياغة دستور جديد، وتشكيل مجلس مؤسسين من ممثلين حقيقيين للشعب من خلال انتخابات حرة ونزيهة[35]. فهو لا يطالب فقط بتعديل أو تغيير الدستور بل يرفض تشكيل مجلس مراجعة الدستور بصورته الحالية، ويريد مجلسَ مؤسسين «من ممثلين حقيقيين للشعب»!

لكن كلَّ هذه المطالب متعلَّقة بإرادة المرشد، والنخبة الدينية الحاكمة، حسب نصّ الدستور الحالي؛ ولذلك فإنّ أي تغييرات جوهرية لن تأتي إلا بفعلٍ خارجَ نطاق الدستور، وذلك غير مرجَّح في المدى القريب.

خاتمة

يمكن القول، إنَّ إيران ستشهد تغيرات كبيرة في مرحلة ما بعد خامنئي، على مستوى الأفكار والسياسات، بحكم تبدل نخب الحكم، وانتقال الإدارة من يد الجيل الأول، إلى الجيل الثاني، وكذلك بزوغ أجيال جديدة من الجيل الثاني والثالث ما بعد الثورة، ومواليد بداية الألفية، ولكن في نفس الوقت فإنّ النخب القادمة ستسعى لتوثيق نموذجها بنموذج الآباء المؤسِّسين، لتعزيز الشرعية، وموازنة التنافس بين المؤسسات المختلفة، وإدارة الجهاز البيروقراطي الذي نما وتضخم منذ العام 1979م وحتى اليوم. لكن التغير الذي قد يطرأ على مستوى الأفكار والسياسات محاولة النخب الجديدة التعامل ببرجماتية أكثر في الإقليم، وتقليل الاشتباك الإيراني في المنطقة، ومحاولة إرضاء فئات مهمَّشة في الداخل مثل النساء والشباب وقوميات ومذاهب مختلفة، وقد تكون تلك السياسات طويلة الأمد بمعنى أنها تشكّل قناعة وتصير إستراتيجية للنظام الإيراني، وربما تكون برجماتية ومصلحية محدودة بتوقيت معين، لترتيب الوضع داخليًا وخارجيًا.

والسؤال الذي ينبغي طرحُه: هل تستمر نظرية ولاية الفقيه كنظريّة للحكم في إيران؟ بعيدًا عن الاحتمالات المجرَّدة، فإنّ الأرجح وفقًا للمشهد الراهن، بقاء ولاية الفقيه كنظرية للحكم في إيران، فقد باتت خصيصةً من خصائص الثورة، وتم دسترتها في الدستور، بل هي مادة فوق دستورية، فلا يمكن تعديلها إذا جرت تعديلات محدودة للدستور من داخل النخبة الحاكمة، وضُخّمت كذلك في الحوزة، ونُسجت في العقود الماضية كافة العلاقات والشبكات الدينية والسياسية والأمنية تحت مظلتها، ومن ثمّ فقد صارت رمزًا للشرعية منذ العام 1979م؛ وبالتالي فما دمنا نتحدَّث عن الخيارات العقلانية المتاحة فإنّ ولاية الفقيه في القلب منها، أما عند الحديث عن ما قد يطرأ من خارج المشهد كالثورة ضد النظام أو الانقلاب ونحو ذلك، فهذا شأنٌ آخر، لا يندرج في الترتيبات العقلانية والواقعية الملموسة التي تُعنى بها هذه الدراسة، ولا يمكن أن نغفل أنّ نظرية ولاية الفقيه نفسها هي العامل الرئيس في ترتيبات تنصيب المرشد القادم، وهي مقياس السياسة الداخلية والخارجية للمرشد القادم، ومدى انتمائه للثورة، والتزامه بهوية النظام السياسي ما بعد الثورة.

أمّا بالنسبة للمرشد القادم فمن المُرجَّح أن يكون من بين الأسماء التي طرحناها في هذه الدراسة، وأن يستمرّ على نفس النهج العام للسياسة الإيرانية المستمرة منذ العام 1979م وحتى اليوم، لكن لا شكّ لن يكون منظِّرًا على نفس نمط ودرجة الخمينيّ ثمّ خامنئي، بل سيكون أقرب إلى رجل الدولة، على الأقل في الفترة الأولى حتى تعمل المؤسسات على ترميزه وشياع أعلميته، على غرار ما حدث من قبل.


[1] – قُسّمت الأحكام الشرعية إلى ثلاثة: الأول: حُكم أوّلي: وهو الحكم الأصليّ. والثاني: حكم ثانوي: وهو الحكم الفرعي، ولا يُصار إلى العمل بالحكم الثانوي إلا بعد العجز عن امتثال الحكم الأوّلي. ويقع الحكم الثانوي في طول الحكم الأولي، لا في عرضه، فمتى ما عجز عن امتثال الحكم الأولي، تحقق موضوع الحكم الثانوي. والفرق بين الأولي والثانوي، أن الأحكام الأولية أبدية، لكن الأحكام الثانوية مؤقتة. والثالث: حكم ولائي/ حكومتي: ويراد به القرارات التي يتخذها وليّ الأمر/ الولي الفقيه، تحقيقًا لمصلحة يرتئيها، من أجل الجماعة المسلمة. وتتمثل في سَنّ القوانين والقرارات العامة للدولة، وتنفيذ الأحكام والقوانين الشرعية في مجال القضايا الاجتماعية. ويجعلُها الخمينيّ من الأحكام الأولية: “ولاية الفقيه والأحكام الولائية من الأحكام الأولية”. راجع: علي حب الله، دراسات في فلسفة أصول الفقه، (بيروت: دار الهادي، 2005م)، ص516.

[2] – موقع آية الله الشاهرودي، استفتاءات ولاية الفقيه، د.ت، https://bit.ly/42BcnXY  

[3] – راجع: القاضي أبو بكر الباقلاني، جزء من التقريب والإرشاد، تحقيق عدنان العبيات، (الكويت: أسفار لنشر نفيس الكتب، 2022م)، ص397. والجويني: كتاب التلخيص في أصول الفقه، (بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1996م)، 3/ 466. والغزالي، المستصفى من علم الأصول، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2015م)، 2/ 405. 

[4] – راجع: سعيد منتظري، نقد الذات، ترجمة فاطمة الصمادي، مراجعة صادق العبادي، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019م)، ص128- 129.

[5] – نفس المصدر، ص139- 140، وص150.

[6] – راجع: محمد الصياد، نظرية الأعلميَّة في الفكر الشيعي وأزمة اختيار الولي الفقيه، 18 يوليو 2018م (تاريخ اطلاع: 03 أبريل 2023م). https://bit.ly/40TYbHJ  

[7] – سعيد منتظري، مصدر سابق، ص130.

[8] – لندا س. والبرج “تحرير”، الأعلم بين الشيعة دارسة في مؤسسة مرجعية التقليد، (بيروت: المركز الأكاديمي للأبحاث، 2017م)، ص400- 401.

[9] – نقد الذات، 129.

[10] – القدس العربي، أوليفييه روا في شوارع طهران.. صور من العالم الدنيوي، 09 يوليو 2021م (تاريخ اطلاع: 04 أبريل 2023م). https://bit.ly/3lWCzMf

[11] – الشرق الأوسط، قراءة في الدستور الإيراني، مرجع سابق.

[12]– مجلس خبرگان باید انقلابی بماند/ مقایسه رفتار نجیبانه رای‌نیاورندگان انتخابات اخیر با رفتار نانجیبانه فتنه‌گران ۸۸/ نبودن آقایان مصباح ویزدی برای مجلس خبرگان خسارت است، (20 اسفند 1394 هـ. ش)، تاريخ الاطلاع: 28 مايو 2023.

https://cutt.us/1voHX

[13] – نقد الذات، مرجع سابق، ص131.

[14] – الشرق الأوسط، قراءة في الدستور الإيراني (2- 3)، 10 يناير 2016م، (تاريخ اطلاع: 19 مارس 2023م). https://bit.ly/3ToIqpO  

[15] – راجع: محمد الصياد، ّ أيدولوجيا الحرس الثوري: الأدوار والتوجهات وتحولات البنية العقدية، مجلة الدراسات الإيرانية، السنة الثالثة العدد العاشر، أكتوبر 2019م، الرياض، ص29: 48.

[16] – راجع: الشرق الأوسط، قراءة في الدستور الإيراني (1-3)، 09 يناير 2016م، (تاريخ اطلاع: 19 مارس 2023م).  https://bit.ly/40kj5zo  

[17] – الجزيرة نت، مجلس تشخيص مصلحة النظام، 20 أبريل 2015م، (تاريخ اطلاع: 07 مايو 2023م)، https://bit.ly/3M0nALc   

[18] – الجزيرة نت، لهذه الأسباب بقي نجاد واستبعد روحاني من تشكيلة مجمع تشخيص مصلحة النظام بإيران، 22 سبتمبر 2022م (تاريخ اطلاع: 07 مايو 2023م)، https://bit.ly/3NLGSp9    

[19] – الشرق الأوسط، قراءة في الدستور الإيراني، مرجع سابق.

[20] – راجع المادة 111 من الدستور.

[21] مليون إيران، مشاور نظامی خامنه‌ای: از هم گسیختگی ایجاد شود، نظامیان کودتا می‌کنند، (25 اسفند 1399ه.ش)، تاريخ الاطلاع: 29 مايو 2023. https://cutt.us/Oh02j  

[22] – إيران واير، گزارش: آیت‌الله شدن یک شبه رئیسی وانتظار برای القاب بعدی، 23 يونيو 2021م (تاريخ اطلاع: 23 مارس 2023م). https://bit.ly/409r2rE  

[23] – الدورُ منطقيًا: هو توقّف وجود الشيء على ما يتوقف وجوده عليه، مثل توقف ألف على باء، وتوقف باء على ألف.

[24] – راجع: راديو فردا، رئیسی؛ ‌ «سیاست مشت آهنین» وتلاش رای نزدیکی به کرسی رهبری، 08 سبتمبر 2019م (تاريخ اطلاع: 04 أبريل 2023م). https://bit.ly/2m678Qc

[25] – راجع: iran-tc: آیا مجتبی خامنه‌ای در جانشینی رهبر ایران نقش خواهد داشت؟، 14 فبراير 2021م (تاريخ اطلاع: 28 مارس 2023م). https://bit.ly/42Ntztm

[26] – بی بی سی فارسی، میرحسین موسوی درباره موروثی شدن رهبری در ایران هشدار داد، (18 مرداد 1401ه.ش)، تاريخ الاطلاع: 29 مايو 2023. https://cutt.us/Nj3Yn

[27] – رصانه، کنار زدن برادران لاریجانی از رقابت بر سر نفوذ در ایران، 01 يونيو 2021م (تاريخ اطلاع: 27 مارس 2023م). https://bit.ly/3FPEZ5Z

وراجع: رصانة، صراعات رجال الدين في إيران.. اتهامات متبادلة بالفساد، 25 أغسطس 2019م (تاريخ اطلاع: 27 مارس 2023م). https://bit.ly/2Zp04jM

[28] – فاطمة الصمادي، التيارات السياسية في إيران، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019م)، ص455، ص458.

[29] – انصاف نيوز، عضو خبرگان پاسخ می‌دهد: قائم‌مقامی رهبری قابل احیاست؟، 02 يونيو 2020م (تاريخ اطلاع: 08 يونيو 2023م).

    bit.ly/3CjCZAK

[30] – بي بي سي فارسي، محمد خاتمی: برای اصلاحات نیازی به تغییر قانون اساسی نیست، مردم حق دارند نومید شوند، 03 فبراير 2023م (تاريخ اطلاع: 20 مايو 2023م). https://bbc.in/3YkHML8

[31] – صدای آمریکا، خاتمی: اصلاح‌طلبی به «صخره» برخورد کرده؛ مردم از نظام ناامید شده‌اند، 05 فبراير 2023م (تاريخ اطلاع: 10 مايو 2023م). https://bit.ly/3DDJCib

[32] پیشنهاد تاج‌زاده برای ادغام ریاست جمهوری و رهبری راديو فردا، (3 فررودين 1398هـ.ش)، تاريخ الاطلاع: 31 مايو 2023 https://cutt.us/YmEsd

[33] زيتون، تاجزاده و لزوم بازنگری قانون اساسی با حذف ولایت فقیه، (15 بهمن 1401هـ.ش)، تاريخ الاطلاع: 31 مايو 2023م. https://cutt.us/JnNBK

[34] کروبی: کوتاهی در مقابله با خودکامگی رهبر خیانت است، (11 شهريور 1397هـ.ش)، تاريخ الاطلاع: 31 مايو 2023م.

https://cutt.us/wxO5g

[35] – موقع كلمة الإخباري على تليجرام، “برای نجات ایران” (4 فبراير 2023م)، تاريخ الاطلاع: 29 مايو 2023. https://bit.ly/3HBMzRN

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير