في أعقاب مقتل علي خامنئي وتولِّي ابنه مجتبى خامنئي منصب المرشد الثالث، دخَلَ النظام الإيراني في مرحلة شديدة الحساسية، تقاطعت فيها تحدِّيات الحرب والاتفاق مع الولايات المتحدة، مع أزمة انتقال السُلطة، واستمرار غياب المرشد الجديد عن الظهور العلني، وتزايُد التنافس بين الرئاسة والحرس الثوري والمؤسسات الحوزوية والتيّارات السياسية المختلفة على تفسير مواقف ورسائل المرشد الابن. وتكشف هذه التغيُّرات عن جزء من طبيعة النظام، ومصادر شرعيته، وحدود قوَّة مؤسساته وقُدرتها على العمل في غياب مركز التوازن أو الشخصية المركزية، التي اعتادت أن تُدير التوازنات بينها.
في ذلك المشهد المعقَّد، جاءت زيارة الرئيس مسعود بزشكيان إلى حوزة قُم في أواخر يونيو 2026م، ولقاؤه بعدد من كبار المراجع والعلماء والمؤسسات الحوزوية، لتتجاوز في دلالتها تقليد الزيارات الرئاسية المعتاد إلى المركز الديني الأهمّ في البلاد. فلم تكُن الزيارة مجرَّد إطلاع المراجع على تطوُّرات الحرب أو المفاوضات، وإنَّما بدت كتحرُّك سياسي وديني لإعادة بناء التوازن داخل النظام، والحصول على غطاء حوزوي يخفِّف من حدَّة الضغوط، التي تعرضت لها الحكومة عقِبَ اتفاق الهُدنة الإيراني-الأمريكي، لا سيّما بعد الرسالة، التي أصدرها مجتبى خامنئي، وأعلن فيها أنَّ له «رأيًا آخر» في الاتفاق، لكنَّه أجازه استنادًا إلى تعهُّد الرئيس والمجلس الأعلى للأمن القومي بحفظ حقوق إيران وقبول المسؤولية عن النتائج. وقد وضعت تلك الرسالة بزشكيان في حرج؛ ومن ثمَّ اتّجه إلى قُم سعيًا إلى توسيع قاعدة التأييد للاتفاق، وإثبات أنَّ التفاوض خيارٌ تحكمه مصلحة الدولة ومقتضيات المرحلة، وليس إرادة شخصية للرئيس أو خروجًا على المبادئ، التي قام عليها النظام.
بيْد أنَّ أهمِّية الزيارة لا تقِف عند حدود العلاقة بين الرئيس والمرشد، أو عند معركة الاتفاق وحدها، وإنَّما تمتد إلى ما تكشفه عن موقع الحوزة في بِنية السُلطة الإيرانية؛ فقُم لا تزال، على الرغم من محاولات إخضاعها وإدماجها في المؤسسات الرسمية، مجالًا تتعدَّد داخله المرجعيات والاتّجاهات، وتتجاور فيه مرجعية التقليد المستقلَّة نسبيًا مع الحوزة الحكومية «الولائية» المرتبطة بمؤسسات النظام. ولهذا جمَعَ بزشكيان في زيارته بين مراجع تقليديين، وفقهاء مؤيِّدين للنظام، ومديري المؤسسات الحوزوية الرسمية، في محاولة لاستيعاب هذا التعدُّد، ومنْع التيّار «المتشدِّد» من احتكار الحديث باسم الدين والحوزة والثورة. كما تُثير الزيارة سؤالًا أعمق يتعلَّق بطبيعة «ولاية الفقيه» في مرحلة ما بعد علي «خامنئي الأب»؛ إذ أنَّ استمرار غياب المرشد الجديد وضعْف حضوره الشخصي يدفعان، ولو بصورة مؤقَّتة، نحو توزيع وظائف الولاية بين عدد من الفاعلين.
وهُنا يسعى هذا التقرير إلى قراءة زيارة بزشكيان إلى قُم، في سياقها السياسي والديني الأوسع، وتفكيك دلالاتها المتعلِّقة بأزمة شرعية المرشد الجديد، والعلاقة بين الرئاسة ومؤسسة القيادة، ومواقف المراجع من الاتفاق، والتباين بين الحوزة التقليدية والحوزة الحكومية، فضلًا عن استشراف ما إذا كانت هذه التطوُّرات تمثِّل فقط ترتيبات انتقالية فرضتها ظروف الحرب وغياب المرشد، أم أنَّها تؤشِّر إلى تحوُّل أعمق في أحشاء السُلطة وتوزيع الشرعية داخل نظام «ولاية الفقيه».
أولًا: الحوزة كمصدر للشرعية
ذهَبَ «رئيس الجمهورية» إلى المركز التاريخي للمرجعية الشيعية، في لحظة غياب المرشد عن المشهد برُمَّته. وعلى هذا الأساس، كانت الزيارة بحثًا عن شرعية من المرجعية، التي حاول بزشكيان من خلالها الحصول على تأييد أخلاقي وفقهي أكثر وضوحًا، يحفظ له شعبيته، ويعزِّز به شرعيته.
ولفهم الصورة بشكلٍ أوضح، فإنَّ «خامنئي الابن» عُيّنَ مرشدًا ثالثًا لـ«الجمهورية الإسلامية» في التاسع من مارس 2026م، بقرارٍ من مجلس خبراء القيادة، كما قِيل حينئذٍ. لكن انتقال الموقع الدستوري لم يؤدِّ تلقائيًا إلى انتقال كامل للشرعية؛ فالمرشد الجديد ورَثَ مؤسسات القيادة وشبكاتها الأمنية والدينية، لكنَّه لم يرِث الرصيد التاريخي والكاريزماتي، الذي راكمه والده خلال عقود طويلة من إدارة الدولة، وزاد هذا المأزق تعقيدًا استمرار مجتبى خامنئي في الغياب عن الظهور المباشر أمام الجمهور. وهُنا يبدو سؤال مركزي: هل كانت زيارة بزشكيان إلى قُم مجرَّد محاولة لإطلاع المراجع على تطوُّرات الحرب والاتفاق، أم أنَّها مثَّلت تحرُّكًا لتعويض غياب المرشد وعدم قُدرة بزشكيان على لقائه والاجتماع به، وموازنة المسافة التي وضعها المرشد بين مؤسسة القيادة والاتفاق، وإعادة بناء شرعية الحكومة من داخل الحقل الديني؟ المؤكَّد أنَّ زيارة الرئيس بزشكيان لقُم كانت جزءًا من صراع مكتوم داخل النظام بين تيّارات تتبنَّى رؤى مختلفة وتتنازع الشرعية والشعبوية؛ فالقيادة تريد الاحتفاظ بحقِّ الإذن والرقابة، مع تجنُّب تحمُّل الكُلفة السياسية الكاملة للاتفاق؛ والرئاسة تريد إثبات أنَّ الاتفاق قرارٌ مؤسسي وليس إرادة شخصية للرئيس؛ والحرس الثوري و«التيّار المحافظ» يريدان إبقاء حق الاعتراض الأيديولوجي والأمني؛ أمّا المراجع فيحاولون دعْم استقرار الدولة، مع إلزام الحكومة بمعايير المصلحة العامَّة وحماية معيشة الناس. وهُنا لا بُدَّ من الإشارة إلى أمرين مهمَّين:
- أزمة الظهور: يُفترَض نظام «ولاية الفقيه» أنَّ المرشد ليس مجرَّد صاحب اختصاص دستوري، بل هو «القائد الأعلى»، الذي تنتظم حوله مؤسسات النظام وروايته الأيديولوجية. فالقيادة في «الجمهورية الإسلامية» ليست إدارةً قانونية صرفة، وإنَّما هي مزيج من السُلطة الفقهية، والرمزية الدينية، والقيادة العسكرية والسياسية. وقد استطاع المرشد الأب علي خامنئي خلال عقود حكمه أن يحوِّل موقع المرشد من سُلطة دستورية إلى مركز شخصي تجتمع عنده شبكات الجيش والحرس الثوري والحوزة والإعلام والاقتصاد، ويكون هو آلية التوازن بين تلك المؤسسات، تتحاكم إليها ويُدير خلافاتها استثمارًا وتوظيفًا بما يخدم مركزيته وفاعليته. أمّا مجتبى خامنئي، فقد وصَلَ إلى الموقع في ظرفٍ مختلف تمام الاختلاف؛ فلم يأتِ باعتباره قائدًا تاريخيًا شارك في تأسيس النظام أو تولَّى رئاسة الجمهورية قبل منصب المرشد، بل على أنَّه وريثٌ لشبكة السُلطة، التي بناها والده؛ «المرشد الأب». لذلك، واجهت خلافته منذ بدايتها سؤالين متلازمين: سؤال الأهلية الفقهية؟! وسؤال الوراثة السياسية داخل نظام تأسَّس نظريًا على نفي الملكية الوراثية؟! ولم يُلغِ ما قِيل حينئذٍ إنَّه انتخاب من مجلس الخبراء، هذه الأسئلة، بل نقلها من مستوى الشرعية القانونية إلى مستوى القبول الحوزوي والاجتماعي. وقد حاولت المؤسسات الرسمية تعويض ذلك، عبر تقديم سيرة حوزوية موسَّعة للمرشد الجديد، والتأكيد على تدريسه بحث الخارج، واتصاله بالمراجع، وامتلاكه خبرة طويلة في إدارة شؤون الدولة وعلاقاته بالمؤسسة العسكرية و«جبهة المقاومة». لكن الغياب العلني أضعف قُدرة القيادة الجديدة على تحويل هذه الرواية الرسمية إلى سُلطة محسوسة، على الأقلّ في المرحلة الآنية. وهذا الغياب ليس شكليًا؛ لأنَّ جزءًا أساسيًا من قوَّة «ولاية الفقيه» ارتكز إلى «التجسيد السياسي» للولاية، أي ظهور المرشد بين حواضنه الشعبية والتقليدية من طلبة الحوزة والفقهاء والضُبّاط، وإلقاؤه الخُطَب، واستقباله المسؤولين والطُلّاب والعلماء، وتدخُّله العلني في اللحظات الحاسمة.
بالتالي، فقد بدت قيادة مجتبى خامنئي حتى الآن أقرب إلى «القيادة النصِّية»؛ تمارس حضورها من خلال البيانات المكتوبة، والرسائل المنسوبة، وإعلانات مكتب القيادة، فيما تتولَّى مؤسسات الدولة شرْح مواقفه، والدفاع عن وجوده وقُدرته على إدارة البلاد. وهذا النمط قد يكون مفهومًا أمنيًا في زمن الحرب، لكنَّه سياسيًا يفتح فراغًا كبيرًا ومساحات تتحرَّك داخلها مؤسسات أخرى وفاعلون آخرون، وفي مقدِّمتها الرئاسة والحرس الثوري والحوزة، وهو ما يبدو أنَّ بزشكيان حاول استغلاله في زيارته لقُم.
- بين الرئيس والمرشد: صدرت رسالة مجتبى خامنئي بشأن الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة في 18 يونيو، أي قبل زيارة بزشكيان إلى قُم بنحو عشرة أيام. وتمثِّل الرسالة النص الأهمّ لفهم الزيارة؛ لأنَّها لم تقدِّم الاتفاق باعتباره اختيار القيادة، وإنَّما على أنَّه قرارٌ سمحت به القيادة استنادًا إلى تعهُّدات الرئيس والمجلس الأعلى للأمن القومي. فقد أكَّد مجتبى خامئي أنَّه كان، «من حيث الأصل»، يحمل رأيًا آخر، لكنَّه أصدر الإذن بسبب التعهُّد، الذي قدَّمه بزشكيان، بصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، بحفظ حقوق الشعب الإيراني و«جبهة المقاومة»، وبسبب تصريحه بقبول المسؤولية عن الاتفاق. وأضاف أنَّ القيادة والشعب سينتظران تحقُّق الشروط، التي تعهَّد بها الرئيس.
وتكمُن أهمِّية الرسالة في أنَّها فصَّلت بين سُلطة الإذن ومسؤولية النتيجة؛ فقد احتفظ المرشد لنفسه بموقع صاحب الإجازة النهائية، لكنَّه نسَبَ المبادرة والتعهُّد وتحمُّل المسؤولية إلى بزشكيان وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي. وبالتالي، باتت القيادة قادرة على الاستفادة من نجاح الاتفاق، إذا أدَّى إلى وقْف الحرب ورفْع العقوبات، وقادرة في الوقت نفسه على التنصُّل من تبِعاته وتحميل الحكومة المسؤولية إذا أخفق أو أخلَّت الولايات المتحدة بشروطه.
غير أنَّ هذا الفصل بين الإذن والمسؤولية يواجه معضلة دستورية؛ فالمادَّة 176 من الدستور الإيراني، تنُصّ على أنَّ المجلس الأعلى للأمن القومي ينعقد برئاسة «رئيس الجمهورية»، لكنَّها تقرِّر أيضًا أنَّ قراراته لا تصبح قابلة للتنفيذ إلّا بعد تصديق المرشد. وهذا يعني أنَّ بزشكيان يتحمَّل المسؤولية التنفيذية والسياسية، لكن القيادة لا تستطيع دستوريًا تقديم الاتفاق باعتباره قرارًا رئاسيًا مستقلًّا؛ إذ لولا تصديق المرشد لما اكتسب القرار قوَّته التنفيذية. ومن ثمَّ، لا تعبِّر رسالة «مجتبى» عن التزامٍ دستوري، بقدر ما تعبِّر عن هندسة سياسية. ومن ثمَّ كانت الرسالة محاولة لحماية رأس الهرم الجديد من تبِعات اتفاق خلافي، في وقتٍ لم تترسَّخ فيه بعد شرعيته السياسية والحوزوية، وخروج من محل الخلاف وموطن الجدل، الذي يُثيره «المتشدِّدون» و«الراديكاليون» بسبب الاتفاق، وهو ما عقّد الاتفاق، وتسبَّب في فشله جزئيًا، وأعاد شبح الحرب من جديد.
ثانيًا: اللجوء إلى قُم
اختار الرئيس المراجع محلّ زيارته بعناية شديدة، فقد جمَعَ بين الولائيين والتقليديين، ولم يكتفِ بلون مرجعي واحد، في محاولة لتبديد مخاوفهم بشأن التفاوض مع الأمريكان، وفي نفس الوقت قدَّم رسالة إلى «اليمين المتشدِّد» بأنَّه مدعوم من الحوزويين ومن المرجعية الدينية باختلاف مشاربها. ويمكن بيان ذلك فيما يلي:
- قُم والتوازن بين الفاعلين: شمِلَت زيارة بزشكيان لقاءات مع المراجع جعفر سبحاني، وحسين نوري همداني، وناصر مكارم شيرازي، وموسى شُبيري زنجاني، ومحمد علي علوي بروجردي، وكريمي جهرمي، إلى جانب مدير الحوزات العلمية علي رضا أعرافي، وأعضاء جمعية مدرِّسي حوزة قُم. ويكشف هذا الاتّساع أنَّ الزيارة استهدفت كافَّة مستويات الحقل الحوزوي؛ المرجعيات التقليدية، والمؤسسات الحوزوية الرسمية، والفقهاء المرتبطين بالنظام، والدوائر الدينية الأقرب إلى «الإصلاح». فقد انتقل بزشكيان عمليًا بين نمطين مختلفين داخل قُم؛ حوزة تقليدية تستمد سُلطتها من العلم والتراث وشبكات المقلِّدين، وحوزة مؤسسية ثورية ترتبط بنظرية «ولاية الفقيه» وبأجهزة النظام. ومن خلال مخاطبة الطرفين، حاول الرئيس منْع احتكار «التيّار المحافظ» لتمثيل الموقف الديني.
وكان موقف آية الله سبحاني بالغ الأهمِّية؛ إذ أشاد بتحمُّل الحكومة مسؤولية متابعة الاتفاق، ودعا إلى مراعاة مقتضيات المرحلة، مع التأكيد على ضرورة توجيه أيّ انفراج اقتصادي نحو تحسين حياة المواطنين. فالتعبير عن تقدير «المسؤولية» يُعيد تفسير العنصر نفسه، الذي استخدمه المرشد الجديد لنقل العبء إلى بزشكيان؛ فالقيادة قدَّمت قبول المسؤولية باعتباره أساسًا لمحاسبة الرئيس ومن خلفه «التيّار الإصلاحي» أو التيّار الداعم، بينما قدمه سبحاني على أنَّه فضيلة وشجاعة في اتّخاذ القرار.
أمّا المرجع نوري همداني فقد جمَعَ بين دعْم القوّات المسلَّحة والدفاع عن المفاوضين، مؤكَّدًا أنَّه لا ينبغي إضعاف القائمين على التفاوض أو النيل منهم. وهذا الموقف مهم؛ لأنَّه يكسر الثنائية، التي يصنعها «المتشدِّدون» بين «الميدان» و«الدبلوماسية». بخصوص المرجع مكارم شيرازي، فقد أشاد بإدارة الدولة خلال الحرب، وتحدَّث عن الآثار الإيجابية المُحتمَلة للاتفاق، مع تأكيده ضرورة حفْظ العزَّة وتجنُّب الإفراط والتفريط في التعامل مع الخارج. كما شدَّد على أهمِّية التنسيق بين مؤسسات الحُكم، وهو ما يصُبّ مباشرةً في مصلحة رواية بزشكيان القائلة إنَّ الاتفاق نتاج تعاون مؤسسي وليس قرارًا منفردًا من الرئاسة. وكان علوي بروجردي أكثر المراجع وضوحًا في دعْم الواقعية السياسية؛ إذ اعتبر تحمُّل الرئيس مسؤولية التفاوض عملًا شجاعًا، وأكَّد أنَّ إدارة البلاد في الظروف القائمة لم يكُن ممكنًا أن تتِم بصورة أفضل، وحذَّر من إضاعة الفرص الدبلوماسية. كذلك وفَّر شُبيري زنجاني حماية أخلاقية للحكومة، حين أشار إلى ثِقَل الاتّهامات غير المُنصِفة، التي يتعرَّض لها المسؤولون، مؤكَّدًا أنَّ جهودهم محفوظة. ولم يكُن ذلك تأييدًا تفصيليًا لكل بنود الاتفاق، لكنَّه شكَّل اعتراضًا على مناخ التخوين، الذي أحاط بالحكومة وفريقها التفاوضي.
ومن مجموع هذه المواقف، يمكن القول إنَّ بزشكيان لم يحصل على «فتوى سياسية» تؤيِّد الاتفاق بندًا بندًا، لكنَّه حصَلَ على ما هو أكثر فاعلية في المجال العام، وهو الاعتراف بشرعية التفاوض، وإدانة تخوين المفاوضين، والإشادة بتحمُّل الرئيس المسؤولية، والتأكيد على أولوية المصلحة والواقعية ومقتضيات الزمان.
- التباين داخل الحوزة: على الرغم من هذا الدعم، لا يمكن الحديث عن موقف حوزوي كُتلَوي أو موحَّد، فقد أصدرت جمعية مدرِّسي حوزة قُم، وهي إحدى أبرز المؤسسات الحوزوية المرتبطة بالتيّار الثوري، بيانًا بعد رسالة المرشد، أكَّدت فيه ضرورة أن تضبط القوى السياسية مواقفها وتحليلاتها وفق توجيهات القيادة، وجدَّدت البيعة لمجتبى خامنئي. ويكشف هذا البيان عن وجود اتّجاه داخل قُم يقرأ الاتفاق من زاوية الطاعة للمرشد، لا من زاوية استقلال المرجعية أو تقييم المصلحة السياسية بصورة منفصلة. وفي لقائه المطوَّل بأعضاء الجمعية، اضطرَّ بزشكيان إلى تقديم شرْح تفصيلي لقرارات الدولة والاتفاق والمشكلات الاقتصادية والثقافية. وقد وصفت الجمعية الاجتماع بأنَّه صريح وتفصيلي، واستمرَّ لأكثر من ساعتين، وهو ما يُشير إلى أنَّ اللقاء احتوى على أسئلة وانتقادات وتحفُّظات من «التيّار الحوزوي المحافظ». وفي 27 يونيو 2026م، وصَفَ 63 عضوًا من أصل 83 عضوًا في مجلس الخبراء، في بيان غیر مسبوق، إعادة فتْح مضيق هرمز بأنَّه «مخالفة لالتزامات المسؤولين وخطأ إستراتيجي»، ودعوا المفاوضين الإيرانيين إلى الالتزام بـ«الخطوط الحمراء»، التي حدَّدها المرشد الأعلى، والانتقام من رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء إسرائيل على مقتل المرشد السابق علي خامنئي. وهذه هي المرَّة الأولى، التي يتدخَّل فيها مجلس الخبراء ويعلِّق على مسائل خارج نطاق اختصاصه في الشؤون التنفيذية والسياسية للبلاد. وكان من المُلاحَظ على هامش زيارة بزشكيان الى قُم في 28 يونيو، التصريح الذي أدلت به أمانة المجلس، وتأكيدها بأنَّ ما نُشِر كان «غير معتاد وغير تقليدي»، وأنَّ «محتواه يتطلَّب مزيدًا من المراجعة والمناقشة». وقد ساهم هذا الإجراء، إلى حدٍّ ما، في الحدّ من سوء الفهم المُحتمَل، ومنْع اعتبار التصريح موقفًا رسميًا لمجلس الخبراء.
ومن ثمَّ، كانت زيارة الرئيس لقُم حركةً داخل مجال حوزويّ منقسِم؛ فالمراجع التقليديون منحوا الرئيس دعمًا سياسيًا وأخلاقيًا، بينما سعت المؤسسات الحوزوية الرسمية إلى تثبيت أولوية القيادة واشتراط تحرُّك الحكومة في إطارها. وهذا الانقسام يعكس التمييز القديم بين «مرجعية التقليد»، التي تملك شرعية علمية واجتماعية مستقلَّة نسبيًا، و«الحوزة الحكومية»، التي تمثِّل الامتداد الديني والأيديولوجي للدولة.
وقد حاول بزشكيان الاستفادة من الأولى دون الاصطدام بالثانية؛ ولذلك كرَّر في جميع لقاءاته الإشادة بالقيادة والقوّات المسلَّحة، مع الدفاع في الوقت نفسه عن التفاوض والاتفاق.
- «المتشدِّدون» ومعركة تفسير رسالة المرشد: وجَدَ «المتشدِّدون» من خصوم الاتفاق في رسالة مجتبى خامنئي فرصة لإعادة فتح النقاش حول مضمونه؛ فقد فسَّرت صحيفة «كيهان» قول المرشد إنَّ «له رأيًا آخر»، باعتباره دليلًا على وجود نواقص ومواد غير مقبولة في النص، وانتقدت إدراج القضايا النووية ومضيق هرمز في التفاهم، وطالبت بإدخال تعديلات أساسية عليه خلال المهلة المقرَّرة. ولا تقتصر دلالة موقف «كيهان» على الاعتراض على بعض البنود، بل تتمثَّل في تحويل رسالة المرشد إلى أداة رقابة سياسية على الرئيس؛ فالصحيفة قرأت «الرأي الآخر» باعتباره حكمًا سلبيًا على الاتفاق، بينما قرأه بزشكيان على أنَّه اختلافٌ سابق تجاوزه القرار المؤسسي وموافقة القيادة. وهكذا أصبح الصراع داخل النظام صراعًا على تأويل كلام المرشد الغائب: هل أجاز الاتفاق لأنَّه اقتنع بضرورته، أم سمَحَ به تحت ضغْط تقديرات الحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي؟ وهل يعني تحمُّل بزشكيان المسؤولية أنَّ الاتفاق أصبح سياسةً رسمية واجبة الدعم، أم أنَّ الرئيس بات موضع اختبار يمكن إسقاط تبِعات الفشل عليه؟
إنَّ غياب المرشد عن الظهور المباشر يسمح لكل طرف بأن يقدِّم تفسيره للنص؛ فالقيادة المرئية تستطيع التدخُّل لتحديد المعنى وضبْط المختلفين، أمّا القيادة النصِّية فتترك مجالًا أوسع للصراع التأويلي.
وفي خلفية هذا الخلاف، تقف المؤسسة العسكرية، التي تملك مصلحة في ألّا يتحوَّل الاتفاق إلى تفكيكٍ لمنطق الردع، أو تقليصٍ لدورها في تحديد السياسة الخارجية والأمنية، أو إلغاء لمكاسبها، التي حازتها زمن الحرب. لذلك، حرَصَ بزشكيان على التأكيد أنَّ الحكومة والقوّات المسلَّحة ليستا كيانين منفصلين، وأنَّ الاتفاق يترجم ما تحقَّق في الميدان ولا يلغيه. ويعكس ذلك إدراكه أنَّ نجاح الدبلوماسية يتطلَّب احتواء المؤسسة العسكرية، لا الاكتفاء بموافقة المرشد أو تأييد المراجع.
ثالثًا: دلالات حضور قُم وفاعليتها
يمكن القول إنَّ تلك الزيارة من الرئيس الإيراني إلى قُم شديدة الدلالة على فاعلية قُم ومركزيتها، وأهمِّيتها، وموضعها في النظام السياسي الإيراني، وحضورها الراهن كميزان حاكم بين التيّارات المتباينة، ويمكن بيان ذلك في نقطتين:
- تحوُّلات «ولاية الفقيه»: تكشف هذه التطوُّرات عن تحوُّلٍ أعمق في طبيعة «ولاية الفقيه»؛ ففي عهد الخميني ثمَّ علي خامنئي، كانت الولاية تتّجِه نحو التركيز الشخصي، إذ يجمع المرشد بين المرجعية الأيديولوجية، والقيادة العسكرية، وصياغة السياسات العامَّة، والتحكيم بين المؤسسات. أمّا في المرحلة الراهنة، فإنَّ ضعْف الحضور الشخصي للمرشد الجديد وغيابه العلني، حتى الآن، يدفعان النظام نحو نمطٍ مختلف، عبارة عن انقسام الولاية وتوزيع أدوارها. وفي هذا النمط لا تختفي سُلطة المرشد، لكنَّها تُمارَس من خلال شبكة من المؤسسات؛ مكتب القيادة يصدر الرسائل، والحرس الثوري يحدِّد حدود الأمن والردع، والمجلس الأعلى للأمن القومي يصنع القرار، والرئيس يتحمَّل الإدارة والتفاوض، والحوزة توفِّر الشرعية الدينية، والإعلام الرسمي ينتج صورة الانسجام. لكن في نفس الوقت، فإنَّ الصعود اللافت للحرس الثوري لا يمكن إغفاله أو تجاوزه، بيْد أنَّ تلك المؤسسات مجتمعة وإن أعلت من شأن الحرس الثوري والقوّات المسلَّحة، إلّا أَّنها لا تزال تؤمن بـ«ولاية الفقيه»، ولا ترى إيران «الإسلامية» إلّا من خلال «ولاية الفقيه»، بل لا ترى حفْظ شبكات المصالح الداخلية والخارجية إلّا من خلال «ولاية الفقيه» ذاتها. لكن الولاية ستظل ضعيفة هشَّة، ليس فقط لأنَّها انتقلت إلى «خامنئي الابن» في زمن الحرب، ومن ثمَّ صعود الحرس الثوري واستيلائه على صناعة القرار، بل أيضًا لأنَّ المرحلة هي مرحلة انتقالية بين مرشد وآخر، وذلك حدَثَ من قبل، بعد موت الخميني واستيلاء خامنئي على القيادة، لكن الوضع أشدّ تعقيدًا هذه المرة؛ بسبب عدَّة عوامل متعلِّقة بشخص مجتبى والتحوُّلات في المشهد العام، مثل التوريث والأعلمية والأهلية والكاريزما، بل والجيل الذي ينتمي إليه، وحالة المؤسسات، والمشهد العام في الدولة الإيرانية.
على كل حال، فهذه الصيغة أو هذا التحوُّل المؤقَّت في صيغة الولاية، قد تمنح النظام قدرًا من المرونة؛ لأنَّها تعطي مساحة لتعدُّد الفاعلين على المستوى الداخلي، وتمنع انهيار النظام بغياب الشخص المركزي، لكنَّها تحمل في داخلها قابلية أكبر للصراع والتباين وغياب التوازن، بسبب فقدان قيادة كاريزمية قادرة على حسْم التنافس، ومن ثمَّ يصبح كل قرارٍ إستراتيجي عبارة عن مساومة بين المؤسسات والفاعلين، ويصير كل فشل مآلًا لتبادل المسؤولية، مع غياب لفقه المحاسبية السياسية، لا سيّما مع فقدان المرجعية المركزية، التي يُتحاكَم إليها.
- المرشد بين تيّارين: كذلك من أهمّ دلالات حضور قُم في المرحلة الحالية، هو الصراع بين التيّارات الدينية والسياسية، وتفاقُم الصراع داخل «تيّار التشدُّد» نفسه، وقد حاول المرشد الإيراني أن يُبدي نفسه كأنَّه لا مع هذا الفريق ولا مع ذاك، فأكَّدت «كيهان» المقَّربة من المرشد، على لسان رئيس تحريرها حسين شريعتمداري، أنّ الخطِّين المتوازيين لا يلتقيان أبدًا، ومع ذلك فكلاهما «محبّ مُخلِص للثورة»، ثمَّ قال: «وخلافًا لما تنُصّ عليه المبادئ الهندسية، ينبغي أن يلتقيا ويتقاطعا هُنا الآن وفورًا -وليس في اللانهاية- ويخلقا خطًّا واحدًا ضدّ أعداء الإسلام والثورة وإيران». لكن ما عقيدة الخطِّين أو التيّارين؟ الأول: هو الذي يرى في أيّ فعل يفعله السياسيون أو المفاوضون لا يتّسِق مع تعاليم المرشد، ويزعم أنَّ الظرف الراهن فَرَض على المرشد بعض الأمور، التي لا يريدها، ومن ثمَّ لا ينبغي فعلها ولا الإذعان لها؛ أي كأنَّ المرشد مغلول اليدين ومجرَّد عن السُلطة. والخط الثاني هو الذي يزعم أنَّ كل شيء يجري على الساحة، لا سيّما المفاوضين وأعضاء مجلس الأمن القومي، إنَّما يتِم بعلمٍ وموافقة وإقرارٍ مباشر من المرشد، بمعنى أنَّ «هذا الخط يُصِرُّ على أنَّ بعض الانتهاكات الصارخة للمواقف، التي أعلنها المرشد رسميًا، تمَّت بعد الحصول على إذنه. بعبارة أخرى، هؤلاء ودون أن يدركوا يُعلِنون أنَّ كثيرًا من المشاكل والمفاسد تمَّت بتنسيق مع المرشد». لكن الحقيقة، التي يريدها المرشد، ويؤكدها شريعتمداري أنَّ «مواقف كلا الخطين المذكورين، ومن دون قصد ووعي، تُسيء إلى مقام المرشد الرفيع والمقدَّس».
إذن؛ يريد المرشد أن ينأى بنفسه عن صراعات تلك التيّارات، وذلك إدراك منه وبالفاعلين من حوله بهشاشة شرعيته، وعدم قُدرته على الهيمنة وبسْط سيطرته في زمن الحرب ولحظة الانتقال. وهُنا يتضخَّم دور قُم ويتعدَّد الفاعلون داخلها، ويتحاكم الأقران السياسيون إليها، وقد تجِد نفسها هي الأخرى أمام انقسام داخلها بين التقليديين والولائيين بل رُبَّما بين الولائيين أنفسهم بحُكم اختلاف «المتشدِّدين» فيما بينهم، الذين يتّخِذون من مراجع ولائية في قُم مرجعًا وموئلًا.
خاتمة
لطالما سجَّل الرؤساء الإيرانيون في تاريخ النظام الايراني، زيارات متعدِّدة إلى قُم التقوا خلالها بكبار العلماء ومراجع الدين، وهو تقليد متجذِّر في النظام بضرورة الحوار المستمرّ بين المؤسسات السياسية والدينية. لكن في ظل التحوُّلات والتطوُّرات، التي طرأت على النظام الإيراني، بدأت هذه الزيارات تأخذ طابعًا إستراتيجيًا متزايدًا، لا سيّما بعد الاتّهامات والانتقادات الشديدة، التي طالتها من «المتشدِّدين». ويبدو أنَّ تصريحات ومواقف مراجع التقليد قد خفَّفت من الضغط على الحكومة، وكشفت لـ«المتشدِّدين» أنَّ حكومة بزشكيان لا تزال تحظى بدعم شريحة واسعة من رجال الدين ومراجع التقليد.
وتكشف زيارة بزشكيان إلى قُم أنَّ العلاقة بين الدولة والحوزة لم تعُد في المرحلة الراهنة مجرَّد علاقة بروتوكولية، وإنَّما أصبحت جزءًا من عملية إعادة ترتيب الشرعية داخل النظام الإيراني بعد مقتل علي خامنئي وانتقال القيادة إلى ابنه. فقد تحرَّك الرئيس إلى قُم في لحظة بدا فيها المرشد الجديد عاجزًا، أو غير راغب لأسبابٍ أمنية، في ممارسة الحضور العلني الكامل، الذي اعتاده النظام من مؤسسة القيادة، بينما سعى «المتشدِّدون» إلى تحويل رسالته بشأن الاتفاق إلى أداة لإدانة الحكومة وتحميلها منفردة مسؤولية النتائج. ومن ثمَّ، لم يكُن لقاء المراجع هروبًا من سُلطة المرشد أو تمرُّدًا عليها، بقدر ما كان محاولة لتوسيع قاعدة القرار، وإثبات أنَّ التفاوض لم يكُن قرارًا رئاسيًا صرفًا، وإنَّما كان خيارًا تفرضه مقتضيات الدولة والمصلحة العامَّة، ويحظى بقدرٍ معتبر من القبول الديني والحوزوي.
لكن الزيارة أظهرت، في الوقت نفسه، أنَّ قُم ليست كُتلة واحدة ولا صوتًا موحَّدًا؛ فمراجع التقليد قدَّموا للحكومة حماية أخلاقية وسياسية، ودافعوا عن شرعية التفاوض ورفْض تخوين المفاوضين، في حين تمسَّكت المؤسسات الحوزوية المرتبطة بالنظام بأولوية القيادة وضرورة إخضاع الحركة السياسية لتوجيهاتها. وهذا التباين يكشف صراعًا أعمق متعلِّق بالاختلاف حول حدود الطاعة للمرشد، وما إذا كانت الشرعية الدينية تُستمَدّ من مؤسسة القيادة وحدها، أم أنَّها لا تزال موزَّعة بين المرشد والمراجع والحوزة التقليدية ومؤسسات الدولة. وعلى كل حال، لا يبدو أنَّ نظام «ولاية الفقيه» قد انتقل بصورة نهائية من القيادة الفردية إلى القيادة الجماعية أو المؤسسية، بيْد أنَّ المشهد الراهن يؤكِّد أنَّ الولاية تمُرّ بلحظة هشاشة وإعادة تشكُّل؛ إذ يحتفظ المرشد بحقِّ الإذن، ويتقدَّم الحرس الثوري في المجال العسكري والأمني، ويتحمَّل الرئيس كُلفة الإدارة والتفاوض، بينما تعود الحوزة لتوفير الشرعية، وتقويم المسار، وحماية الدولة من الانقسام.