أسباب وتداعيات هجمات الحوثيين الأخيرة على السعودية

https://rasanah-iiis.org/?p=39289

في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تهيمن على المشهد الأمني في الشرق الأوسط، أعلن الحوثيون مؤخرًا مسؤوليتهم عن تنفيذ هجمات استهدفت البنية التحتية للطاقة في المملكة العربية السعودية، ما أعاد فتح جبهة مضطربة. كما تعرضت سفن تجارية مرتبطة بالسعودية، من بينها السفينة NCC MASA، لهجمات في البحر الأحمر. وقد لحق أضرار طفيفة في هيكل السفينة وواصلت رحلتها بأمان، لكن يبقى استهدافها انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي. وفي المقابل، ردّ التحالف الذي تقوده السعودية بشن غارات على مواقع عسكرية تابعة للحوثيين في الحديدة، محذرًا من أن أي هجمات إضافية ستقابل برد عسكري أشد. وفي السياق الراهن، تبدو الهجمات الحوثية جزءًا من تصعيد محسوب يرتبط بمحاولات إيران زيادة الضغوط وتعزيز موقعها التفاوضي في مواجهة الولايات المتحدة.

وتزامنت التوترات الأخيرة في البحر الأحمر مع محاولات أولية لإحياء المفاوضات بين واشنطن وطهران بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار. ويتحرك الحوثيون بتنسيق وثيق مع إيران، بهدف زيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي ورفع الكلفة الاقتصادية للتصعيد. ويتركز الرهان الإيراني إلى حد كبير على إقناع واشنطن بأن استمرار سياسة الضغوط والإكراه ستفضي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي وتوسيع نطاق الاضطرابات.

وتهدف الهجمات المتكررة في البحر الأحمر إلى تعطيل خطوط الملاحة البحرية الحيوية. وكانت السعودية قد سعت إلى تنويع مسارات تصدير نفطها في ظل تصاعد التوترات في مضيق هرمز، واعتمدت خلال الأشهر الأخيرة بصورة متزايدة على ميناء ينبع لتصدير النفط. ووفقًا لبيانات شركة Kpler، انطلقت جميع صادرات النفط الخام السعودية المنقولة بحرًا من ميناء ينبع خلال شهري أبريل ومايو، بينما استحوذ الميناء على 92% من الصادرات في يونيو و78% في يوليو. ومن خلال استهداف البحر الأحمر، تسعى إيران والحوثيون إلى حرمان السعودية من ممر تصدير بديل وآمن؛ وبالتالي تصعيد الضغوط عبر تعطيل إمدادات الطاقة ورفع أسعار النفط العالمية. كما تؤدي هذه الهجمات إلى زيادة المخاطر التي تواجه الملاحة البحرية، وهو ما ينعكس في ارتفاع تكاليف التأمين وتعطل حركة الشحن التجاري. وجاء هذا التصعيد بالتزامن مع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، حيث اصطدمت ناقلة نفط بلغم بحري، في حين أعلنت إيران اعتراض عدد من السفن بزعم مخالفتها مسارات الملاحة المحددة.

ومن خلال استهداف السفن التجارية عمدًا، انتهك الحوثيون أحكام «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار |UNCLOS». وقد شهدت حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب تراجعًا ملحوظًا عقب هذه الهجمات، بينما أدى تعطل الملاحة في كل من البحر الأحمر ومضيق هرمز في الوقت نفسه إلى تقييد اثنين من أهم ممرات الطاقة في العالم. ونتيجةً لذلك، قفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ أشهر، لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل بعد فترة وجيزة من وقوع الهجمات.

ويمكن النظر إلى هذه الهجمات أيضًا بوصفها محاولةً مستمرةً من الحوثيين لتحدي طموحات السعودية بعيدة المدى، وكذلك مكانتها ونفوذها الإقليمي. فالحوثيون لا يمتلكون القدرة على منافسة السعودية اقتصاديًا أو عسكريًا بصورة مباشرة، ولذلك يواصلون الاعتماد على أساليب الحرب غير النظامية بهدف رفع كلفة حماية البنية التحتية الحيوية وتأمين خطوط الملاحة البحرية. ومن جانبها، تستغل إيران الموقع الجغرافي للحوثيين على امتداد مضيق باب المندب لفرض كلفة غير مباشرة على خصومها. ومع تراجع قدرات حركة حماس، وتقييد دور حزب الله، وانحسار النفوذ الإيراني إلى حد كبير في سوريا، أصبحت طهران تعتمد بصورة متزايدة على الحوثيين لإثارة التوترات وتصعيدها. ومن خلال حروب الوكالة والدبلوماسية القائمة على الإكراه، تسعى إيران والحوثيون إلى رفع كلفة الضغوط المفروضة على طهران، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أهميتهما الاستراتيجية ضمن معادلة الأمن الإقليمي. ويُعد هذا النهج من السمات الشائعة في الصراعات غير المتكافئة، حيث لا تستهدف الجهات المسلحة من غير الدول هزيمة القوى الكبرى عسكريًا، بل تسعى إلى استغلال نقاط ضعفها البنيوية والتهديد بتوسيع نطاق الصراع.

ومن خلال شن هجمات على الأراضي السعودية واستهداف السفن التجارية، أعاد الحوثيون إشعال دائرة من الردود العسكرية المتبادلة، بما يهدد بتقويض مسار خفض التصعيد الذي تحقق منذ عام 2022. وقد قدمت السعودية ضرباتها ضد البنية التحتية العسكرية للحوثيين بوصفها ردًا على هذه الهجمات، في حين حذَّرت الرياض من أنّ أيَّ اعتداءاتٍ جديدة من جانب الحوثيين ستواجه بردٍ عسكري حازم. كما يزيد هذا التصعيد من احتمالات سوء التقدير، ولا سيما أن الساحة اليمنية باتت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي الوقت الراهن، تبدو الاستراتيجية الحوثية قائمة على التصعيد المحسوب؛ فالقيمة الاستراتيجية للحوثيين بالنسبة لإيران تكمن في قدرتهم على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وتدرك طهران أن تعطيل خطوط الملاحة البحرية وتهديد صادرات النفط السعودية يمثلان من أكثر الوسائل فاعلية لتوليد ضغوط دولية.

وبحسب عدد من المسؤولين، عزَّزت إيران مؤخرًا قدرات الحوثيين بإرسال قادة من الحرس الثوري الإيراني، ومستشارين عسكريين، وصواريخ، ومعدات خاصة بالطائرات المسيّرة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن. ويشير توقيت هذه التعزيزات إلى أنها تهدف إلى رفع قدرة الحوثيين على فرض حصار بحري في البحر الأحمر. ويعكس ذلك استراتيجية إيرانية طويلة الأمد تقوم على تعزيز القدرات العسكرية للحوثيين عبر نقل الأسلحة، والتدريب، وتقديم الدعم الاستخباراتي، رغم استمرار طهران في التقليل من حجم دعمها لهم.

ورغم أن الحوثيين يفرضون سيطرة فعلية على مساحات واسعة من الأراضي اليمنية، فإنهم يفتقرون إلى الاعتراف الدولي والشرعية السياسية. ويستفيد الحوثيون من الدعم العسكري الإيراني لترسيخ سيطرتهم على أجزاء من اليمن والحفاظ على مواقعهم. لكن من الواضح أن إيران لا تفتقر فقط إلى الإرادة، بل أيضًا إلى القدرة الاقتصادية التي تمكنها من الإسهام بصورة حقيقية في إعادة إعمار اليمن وتنميته على المدى الطويل.

ولعلَّ المفارقة الأكبر تتمثَّـل في أن المواطن اليمني يبقى الخاسر الأكبر في كل مرة يتصاعد فيها هذا الصراع؛ فما يزال اليمن يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، في ظل انهيار واسع للمؤسسات، وتفاقم معدلات الفقر، واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي. ووفقًا للأمم المتحدة، يُتوقع أن يعاني نحو نصف سكان اليمن من انعدام حاد في الأمن الغذائي، فيما يهدد خطر المجاعة عشرات الآلاف. وبدلًا من إعطاء الأولوية للمصالحة الداخلية، تواصل الاستراتيجية الإقليمية للحوثيين تعقيد جهود السلام في اليمن وتقويض ما تحقق من تقدم. وما دام اليمن جزءًا من دائرة التنافس الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، لا أمل في الأُفق لتحقيق سلام مستدام في اليمن.

وينبغي فهم الهجمات الأخيرة في سياق الدور السياسي والاقتصادي والإنساني الذي تضطلع به السعودية في اليمن منذ سنوات. فالمملكة لا تزال واحدة من أكبر الجهات المانحة والمزودين بالمساعدات الإنسانية لليمن، كما تواصل دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. وقد جاء ردها على التصعيد الأخير متوافقًا إلى حد كبير مع المصالح الإقليمية والدولية الأوسع، من خلال التركيز على تجنب التصعيد والحفاظ على فرص التوصل إلى حل دبلوماسي. واتخذت السعودية ردًا محسوبًا ركزت فيه على حماية الملاحة التجارية وحرية الملاحة في البحر الأحمر، وأكدت الرياض تجنب استهداف البنية التحتية المدنية والموانئ، مع تجديد دعمها للتوصل إلى تسوية سياسية في اليمن، والتحذير من أن أي هجمات حوثية جديدة ستستدعي ردًا أشد قوة. وفي الوقت نفسه، كثفت المملكة تنسيقها مع القوى الدولية والشركاء الإقليميين لتعزيز الردع ودعم استجابة دبلوماسية منسقة.

وتؤكد الطبيعة المتكررة للهجمات الحوثية أن التحدي لا يقتصر على حوادث تصعيد منفردة، بل يرتبط ببنية الأمن الإقليمي الأوسع؛ فاستمرار التهديدات الحوثية للمضائق البحرية الاستراتيجية يُنذر بترسيخ سابقة خطيرة في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية، حيث يمكن أن تؤدي اضطرابات التجارة البحرية واستهداف البنية التحتية الحيوية إلى تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة. كما تقوض هذه الهجمات قواعد الأمن الدولي، وتمثل تحديًا للنظام الدولي القائم على احترام القواعد. ومن ثم، فإن الإخفاق في ردع هذه التهديدات قد يفتح الباب أمام ترسيخ الإكراه البحري كأداة مقبولة في الصراعات غير المتكافئة.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير