مقدمة
توَّجت باكستان حضورها في الشرق الأوسط بالمشاركة في اجتماع مكة المكرمة في السابع من أغسطس 2026، والذي انتهي إلى توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين كل من السعودية وباكستان وتركيا، وذلك في خطوةٍ مهمةٍ تُضاف إلى تحركات باكستان المكثفة في المنطقة، بعد الحرب الباكستانية- الهندية، إذ تسارع هذا الحضور وأصبح نهجًا عمليًا أكثر من ذي قبل، وهو ما عبر عن تحول في السياسة الباكستانية وأولوياتها خارج نطاقها الجغرافي المباشر. إذ ظهرت إسلام آباد منذ ذلك الوقت كفاعلٍ أمني ودفاعي في المنطقة كما الحال في «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية، ثم لعبت إسلام آباد دور الوسيط في تسوية النزاعات، ومن بينها واحد من أعقد النزاعات وأكثرها تأثيرًا على الصعيدين الإقليمي والعالمي وهو الصراع الأمريكي- الإيراني، وبوتيرةٍ متزايدةٍ عمقت باكستان ارتباطاتها الاقتصادية بالمنطقة بصورةٍ ملفتة، فضلًا عن دخول أسواق المنطقة كموردٍ جديدٍ للسلاح.
وعلى ما يبدو أنَّ تحولاتٍ جوهرية تخص باكستان ومرونتها في التكيف مع معطياتٍ إقليمية ودولية مختلفة، صادفت تطلعاتٍ إقليمية لتأمين الاستقرار وتحقيق الردع؛ قد مهَّدت الطريق نحو هذا الحضور المكثف، ومنحته الفاعلية الحالية. وعلى الرغم من أهمية هذا الحضور وما قد يتركه من تأثيراتٍ متوقعة على بنية الأمن الإقليمي والتنسيق بين القوى الفاعلة في المنطقة، في ظل حالة التصعيد المتنامية في الإقليم منذ السابع من أكتوبر، فإنه يواجه قيودًا وتحدياتٍ عديدة؛ إذ إنَّ هذا الدور الباكستاني رغم ترحيب بعض القوى به، غير أنه يعد تحديًا لنفوذ ومصالح قوى أخرى.
تحاول هذه الدراسة أن تلقى الضوء على تأثير هذا الحضور على منطقة الشرق الأوسط، وبنية الأمن الإقليمي وتوازناته الراهنة، وذلك من منظور الواقعية الدفاعية بافتراض أنَّ الدول تسعى للحفاظ على أمنها وبقائها من خلال موازنة القوى. وذلك إلى جانب توظيف مقارباتٍ نظرية أخرى، كنظرية مركب الأمن الإقليمي، على اعتبار أن الحضور الباكستاني يرتبط بتهديداتٍ قادمة من أقاليم جغرافية متداخلة أمنيًا، ونظرية الاعتماد المتبادل بافتراض صلة باكستان بالشرق الأوسط اقتصاديًا واحتياجات المنطقة إلى إسلام آباد أمنيًا؛ إذ إنَّ هذا التكامل النظري يمكن أن يعطي منظورًا شاملًا للتحليل.
وفقًا لذلك، تفترض الدراسة أنَّ باكستان بوصفها قوة عسكرية ونووية يمكنها لعب دورٍ بارزٍ في التأثير على الأمن الإقليمي للشرق الأوسط، كما يمكنها لعب دور «الفاعل العابر للأقاليم» الذي يسهم في خفض التصعيد وبناء الثقة في الملفات الإقليمية الساخنة، عبر علاقاتها المتوازنة تاريخيًا مع أطرافٍ مثل إيران والسعودية.
كما تجادل الدراسة بأنَّه كلما زاد انخراط وتداخل الحضور الأمني والعسكري الباكستاني في الشرق الأوسط، أدى ذلك إلى تعزيز التوازن والردع الإقليمي، مما يجعل أمن جنوب آسيا وأمن الشرق الأوسط يندمجان تدريجيًا كمركب أمن إقليمي ممتد.
وتفترض أخيرًا أن التنافس الجيوسياسي لباكستان مع الهند وتقاطع مصالحهما في الشرق الأوسط، وكذلك التنافسي الأمريكي- الصيني في المنطقة؛ يعيق نشوء بيئة أمنية مستقرة تمامًا؛ حيث ينعكس هذا التنافس على شكل استقطابٍ غير مباشرٍ داخل مركب أمن الشرق الأوسط.
تتبنى الدراسة المنهج الاستقرائي في تناول العلاقة الارتباطية بين الحضور الباكستاني والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وخلال إطارٍ زمني يبدأ من مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر حتى الحرب الأمريكية- الإيرانية الراهنة، ويركز هذا المنهج على جمع البيانات والعلاقة المترابطة بطريقةٍ دقيقة من أجل الربط بينها بمجموعة من العلاقات الكلِّية العامّة، بالإضافة إلى الاستعانة بمقارباتٍ منهجية أخرى تدعم جوانب البحث كاقتراب تحليل النظم حيث يُنظر إلى أمن الشرق الأوسط كـ «نظام إقليمي» يتكون من فواعل وتفاعلات، ويؤثر فيه «الحضور الباكستاني» كعاملٍ خارجي أو كمدخلات للنظام، ووفقًا لذلك، تنقسم الدراسة إلى أربعة محاور رئيسية، أولًا: محفزات باكستانية وواقع إقليمي مضطرب، ثانيًا: طبيعة الحضور الباكستاني وأدواته، ثالثًا: حدود التأثير على الأمن الإقليمي، ورابعًا: الإشكاليات والقيود على دور باكستان في الشرق الأوسط.
أولًا: محفزات باكستانية وواقع إقليمي مضطرب
يرتبط حضور باكستان كلاعبٍ مؤثر في الشرق الأوسط بعدة عوامل وأهداف، يمكن تناول أبرزها على النحو الآتي:
1. أهمية المنطقة إستراتيجيًا لباكستان
ترتبط باكستان تاريخيًا بالشرق الأوسط ارتباطًا وثيقًا ويعود ذلك إلى فترة ما قبل الاستقلال عن الهند عام 1947؛ حيث خدم عدد كبير من جنودها في وحدات الجيش الهندي- البريطاني في القدس وعمان وبغداد والقاهرة ومسقط، وورثت المؤسسة العسكرية الباكستانية هذا الدور بعد الاستقلال، وأصبحت إسلام أباد واحدًا من أهم الشركاء العسكريين لعددٍ من دول المنطقة؛ حيث أسهمت باكستان في بناء القدرات العسكرية لبعض الدول العربية خصوصًا في دول الخليج. كما شاركت القوات الباكستانية إلى جانب مصر والأردن وسوريا وبعض الدول العربية في الحرب مع إسرائيل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وقلما تجد في العالم الإسلامي دولة كباكستان لديها هذا الرصيد وهذه الذاكرة التاريخية والعلاقة الموثوقة مع دول المنطقة، مما يجعل حضورها محل قبولٍ وشبه إجماع([1]).
وجغرافيًا، تقع باكستان على مفترق طرق في قارة آسيا وتعتبر همزة وصلٍ برية وبحرية بين ثلاث مناطق حيوية: الشرق الأوسط، وجنوب آسيا، وآسيا الوسطى. ضاعف هذا الموقع من قيمتها الجيوسياسية لدى دول الشرق الأوسط كشريكٍ تجاري واقتصادي مستقبلي لا يمكن تجاوزه، كما أسَّس لارتباطٍ عضوي مع بعض دوله حيث أصبحت إسلام آباد بالنسبة لدول الخليج حليفًا موثوقًا من جهة الشرق، يمكن التعاون معه لحماية أمن واستقرار دول المنطقة، وبالمقابل كانت هذه الدول داعمًا دبلوماسيًا واقتصاديًا حيويًا لباكستان منذ الاستقلال. لكن كما فرضت هذه الجغرافيا تحالفًا نشطًا بين باكستان ودول الخليج، فإنَّ حدودًا تمتد لنحو 900 كلم مع إيران، فرضت على باكستان سياسةً متوازنةً مضمونها ضرورة الإبقاء على حدودها مع إيران آمنة، لا سيما أن باكستان تستطيع الوصول إلى أسواق آسيا الوسطى والقوقاز عبر الأراضي الإيرانية. في ظل الصراع الدولي والإقليمي الجيوسياسي أصبح هذا الموقع فرصةً لباكستان يمكن توظيفها في تعزيز مكانتها وموقعها على الخريطة السياسية والاقتصادية العالمية([2]).
أما ثقافيًا، تشكل الهوية الإسلامية المميزة لباكستان خلفيةً مهمةً لفهم طبيعة علاقاتها بالقوى الفاعلة في الشرق الأوسط، فبصفة عامة تتبنى باكستان في دستورها وفلسفتها السياسية مبدأ تعزيز الوحدة الإسلامية([3]). هذا الرابط الروحي يجعل من قضايا الشرق الأوسط (مثل القضية الفلسطينية) قضايا رأي عام داخلي تُحظى بإجماعٍ شعبي ورسمي؛ حيث لا تعترف باكستان بإسرائيل وتدعم الحقوق الفلسطينية بشكلٍ مبدئي انطلاقًا من هذا البعد الديني، وهو موقفٌ يتطابق مع مواقف العديد من حكومات دول المنطقة والموقف الشعبي في كافة دول الشرق الأوسط. كذلك تتطلع باكستان إلى توظيف هذه الهوية لتعزيز نفوذها داخل العالم الإسلامي وكسب التأييد لقضاياها ولدعم لاقتصادها([4]).
ومن هنا يحضر العامل الاقتصادي في المشهد، خصوصًا أن باكستان تقع منذ سنواتٍ تحت وطأة أزمات اقتصادية هيكلية ممتدة؛ حيث تعاني من عجزٍ في الميزان التجاري، وانخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وانخفاض حاد في احتياطيات النقد الأجنبي، وتدهور في قيمة عملتها الوطنية مقابل الدولار، وارتفاع حجم الديون الخارجية، والعجز المستمر في ميزان المدفوعات، وفاقمت الحرب الأمريكية- الإيرانية من الأزمة([5]). هذا الواقع جعل الدعم الخليجي عاملًا مهمًا تحرص الحكومات الباكستانية على استمراره لأنه ركيزة لاستقرار باكستان اقتصاديًا وسياسيًا.
وعلى المستوى العسكري، تعتبر باكستان دولة ذات جيشٍ قوي؛ أسهم في البرامج التدريبية في العديد من الدول الخليجية، كما تمتلك قاعدة علمية قوية وصاحبة ترسانة نووية تمنحها ثقلًا خاصًا في حسابات الأمن الإقليمي، وزاد هذا من الطلب الإقليمي عليها كمزودٍ أمني أو شريكٍ دفاعي، وقد تعزز مركزها بعد تفوقها في مواجهتها العسكرية مع الهند في مايو 2025، ونجحت في تقديم نفسها لدول الشرق الأوسط كقوة عسكرية يمكن الاعتماد عليها، فضلًا عن كونها مصدر موثوق للسلاح. مما لا ريب فيه أنَّ صعود دور رئيس الأركان، قائد الجيش الجنرال عاصم منير، لعب دورًا في تغيير السياسة الخارجية لباكستان وإخراجها من طابعها الأمني باتجاه تموضعٍ جيوسياسي ووسيطٍ مرنٍ وحليف موثوق، والمتوقع أنَّ ذلك يعزِّز قوة باكستان ويمنحها مرونةً كبيرةً على الحركة خصوصًا في مواجهة الهند([6]).
2. اضطراب الأوضاع في الشرق الأوسط
يُعتبر الشرق الأوسط منطقة مصالح حيوية لباكستان وتؤثر تطوراته على مصالحها ومكانتها، فالإقليم يمرُّ بمخاضٍ صعبٍ منذ سنوات؛ إذ تسعى قوى دولية وإقليمية في المنطقة لإحداث تغييراتٍ جوهريةٍ في بنية النظام الإقليمي بما يكرس نفوذها، وفي مقدمة هذه القوى الولايات المتحدة التي تبحث عن صيغةٍ أمنية بديلة للفراغ الذي تركته بعد تراجع اهتمامها بالمنطقة، والصين التي تحاول أن تفرض نفسها كأهم شريكٍ اقتصادي لدول المنطقة. كما سعت إسرائيل بعد أحداث السابع من أكتوبر إلى تغييراتٍ جوهرية في الإقليم، وذلك من منطلق إلحاق هزيمةٍ ساحقةٍ بإيران وتحالفها الإقليمي بما يمهد الطريق نحو سيادةٍ إسرائيلية تمتد إلى وسط آسيا بل والقوقاز إذ ما أخذنا بالاعتبار مد مشروع السلام الإبراهيمي إلى وسط آسيا والقوقاز، بعد أن وصل إلى بعض دول الخليج العربي الذي كانت تتمتع فيه باكستان بوضعٍ خاصٍ منذ عقود.
وقد كان الهجوم الإسرائيلي على قطر دليلًا على منطق القوة بلا حدود التي تتبناه إسرائيل لفرض سيطرتها على دول المنطقة بما في ذلك دول الخليج، والانضمام لاتفاقيات «إبراهام» تحت الضغط بدلًا من بناء سلامٍ عادل ومتوازن، كما كشف في الوقت ذاته عن هشاشة البيئة الأمنية في بعض دول المنطقة، وغياب الردع خصوصًا أن بعض دول الخليج تعتمد على الوجود العسكري الأمريكي كمظلة حمايةٍ أمنيةٍ كقطر والبحرين والكويت ([7]).
في ظل هذا الفراغ الأمني وتراجع الثقة في واشنطن كشريكٍ أمني ودفاعي، لم تكن باكستان لتنتظر ما قد تفرضه عليها هذه التحولات من تحدياتٍ فبادرت بالانخراط في القضايا الإقليمية لأنها تمس مصالحها بصورةٍ أساسية، وبالمقابل، حاولت دول الخليج تعزيز بنيةٍ دفاعيةٍ إقليمية لمعالجة الخلل الأمني الذي كشفت عنه الحرب، ومن ثم زاد الطلب الخليجي على باكستان كحليفٍ لخلق توازنٍ إقليمي، نظرًا لما تمتلكه من قوة عسكرية ونووية، وما لدى دول الخليج من قدراتٍ ومشاريع اقتصادية، ويمهد ذلك لاعتماديةٍ ومنفعة متبادلة طويلة الأجل.
وعلى الرغم من أنَّ إيران لديها تاريخ حافل من المنافسة والتوتر مع باكستان، غير أنَّ التوترات خلقت تقاربًا بين البلدين، ظهر ذلك في تجنب المسؤولين ووسائل الإعلام انتقاد باكستان على خلفية اتفاقيتها الدفاعية من المملكة، بل إنَّ حدود باكستان بعد الحصار الأمريكي كانت رئةً للاقتصاد الإيراني، وتستفيد باكستان من كونها دولة معبرٍ للبضائع الإيرانية، وذهبت بعض التقديرات للقول: «إنَّ إسلام أباد سوف تأخذ دور الإمارات كوجهةٍ لتجارة إيران مع العالم في ظل العقوبات والحصار»([8]). أما بالنسبة للحرب الأمريكية- الإسرائيلية مع إيران فإنَّ باكستان كانت أكثر عرضةً لمخاطر امتداد الصراع من أي دولةٍ خارج الشرق الأوسط، فباكستان تشترك في حدودٍ طويلة مضطربة مع إيران، وتضم ثاني أكبر عددٍ من الشيعة في العالم، وتعتمد بشكلٍ كبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، كما يعيش ملايين المغتربين الباكستانيين في منطقة الخليج العربي، وترى حكومة إسلام آباد خطورةً على أمنها واستقرارها مع استمرار الحرب([9]).
3. توجهات القوى الدولية في المنطقة
تعتبر علاقة باكستان وطيدةً بالصين، وتعتمد عليها الصين كقوة توازنٍ وإشغالٍ في مواجهة الهند، كما تعتبر باكستان مركزيةً في مبادرة الصين المتعلقة بالممرات الدولية سواء مبادرة «الحزام والطريق» أو طريق الشمال- الجنوب، وهي بذلك ممر بري آمن لحركة التجارة نحو بحر العرب، ووسيط ومروج للسلاح الصيني في المنطقة، ووسيط لضمان تدفق المصالح الصينية نحو المنطقة لا سيما النفط والسلع الصينية، بل ممر بري بديل بعد التهديدات التي تعرض لها مضيق هرمز خلال الحرب وجسر بري بديل قادر على إبقاء التجارة حية بين طهران وبكين. تدرك باكستان هذا الاهتمام الصيني وتسعى للاستفادة منه لتعزيز موقعها الإستراتيجي.
أما علاقتها بالولايات المتحدة فكانت فاترةً قبل عودة الرئيس دونالد ترامب للبيت الأبيض، وغير مفيدة للجانبين، على الرغم من المساعدات التي قدمتها واشنطن لإسلام آباد؛ إذ لم تكن واشنطن راضيةً عن التعاون الباكستاني في مواجهة حركة «طالبان» والجماعات المعارضة للوجود الأمريكي على الوجه المطلوب، كما لم تكن باكستان راضية عن الدعم والاستثمار الأمريكي في الهند لتحقيق الهيمنة الإقليمية في جنوب وجنوب شرق آسيا. مع ذلك وبمرور الوقت تغير الوضع قليلًا؛ حيث أسهم الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في إزالة العائق الرئيسي للتعاون، كما أدت عودة التعاون الاستخباراتي بين البلدين إلى تخفيف حدة التوتر بينهما، بل سعت باكستان لتقديم نفسها لواشنطن كشريكٍ متعدد المهام: أمنى ودبلوماسي واقتصادي، سعيًا من إسلام أباد لخلق توازنٍ في علاقاتها مع الصين؛ إذ أصبحت باكستان أكثر قلقًا إزاء هيمنة الصين على موانئها، مما يضعف قراراها الإستراتيجي.
غازلت باكستان اهتمامات الرئيس ترامب وإدارته عبر حملةٍ دبلوماسية ممولة بعناية داخل الدوائر المقربة منه. وقد أتاح هذا التحرك لقائد الجيش، الجنرال عاصم منير، تجاوز تعقيدات المؤسسات وإعادة تشكيل العلاقة عبر الدبلوماسية الفردية؛ حيث قدّم نفسه مركز ثقلٍ وشخصيةٍ منضبطةٍ وحازمة. وبناءً على هذا التموضع، اكتسب منير احترام ترامب وزار البيت الأبيض، في خطوةٍ مثّلت اعترافًا أمريكيًا صريحًا بهيكل السلطة الحقيقي في باكستان. وقد أسهم ذلك في تخفيض ترامب معدل التعريفة الجمركية المقترح لباكستان من 29% التي هُدّد بها في البداية إلى 19%، بعكس الهند التي وصل معدل التعريفة الجمركية المفروضة عليها 50%، وذلك بسبب مشترياتها من النفط الروسي الخاضع للعقوبات([10]).
ساعد هذا التموضع في دعم جهود باكستان في الشرق الأوسط، كما أسهم ضعف أطر العمل الجماعي ومؤسسات حفظ السلم والأمن الدوليين، في منح باكستان مساحةً للمناورة والانتقال من هامش النظام العالمي نحو مركزه، ومنحها ذلك العديد من الفرص، وتقديم نفسها وسيط سلامٍ وفاعلٍ دولي صاعد، فضلًا عن انتهاج سياساتٍ خارجية مستقلة، وتنويع الشركات بعيدًا عن الالتزام بالتحالف مع قطبٍ دولي واحد.
ولما كان الشرق الأوسط في بؤرة السياسات العالمية، ومجال اهتمام القوى الدولية، فإنَّ باكستان رأت أنه ساحةً لإثبات حضورها؛ إذ يساعد على تقريب قيادتها من الرئيس الأمريكي بصورةٍ مباشرة، ومن العديد من القادة المؤثرين في المنطقة، وهذا يتيح لها كقوةٍ إقليمية مهمة تعزيز سياساتها الخارجية وبما يخدم مصالحها الإستراتيجية، ويساعدها في طرح وجهات نظرها بشأن اهتماماتها وقضاياها المختلفة، بل يعود عليها بمكاسب دبلوماسية واقتصادية مهمة، بما في ذلك تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، والعديد من الشركاء في الشرق الأوسط، وهذا يضمن لباكستان استمرار تدفق المساعدات، كما تعتقد باكستان أنَّ بإمكانها تسليط الضوء دوليًا على قضية كشمير وجامو من خلال هذا الدور المتنامي([11]).
4. شبكة علاقات باكستان مع القوى الإقليمية الفاعلة
تمتلك باكستان مكانةً مهمة في المنطقة وذلك من خلال شبكةٍ من العلاقات الحيوية مع القوى الرئيسية الفاعلة في الشرق الأوسط. تبرز السعودية كأهم شريكٍ لباكستان في الشرق الأوسط، وهي شراكة إستراتيجية عميقة، وظهرت صلابة هذه العلاقة في محطاتٍ تاريخية مختلفة؛ حيث تمثل السعودية لباكستان عمقًا روحيًا استثنائيًا لوجود الحرمين الشريفين فيها. هذا الرابط الديني تحول عبر العقود إلى تحالفٍ إستراتيجي وثيق، اتخذ سمة الاعتماد المتبادل؛ إذ تقدم باكستان التزاماتٍ أمنيةٍ للمملكة باعتبارها مركز العالم الإسلامي، وفي المقابل تقدم السعودية دعمًا ماليًا ونفطيًا حيويًا للاقتصاد الباكستاني، كما تستقبل المملكة 2.26 مليون باكستاني على أراضيها بوصفها قوة مضافة إلى العالم الإسلامي، وكذلك قدمت المملكة دعمًا قويًا لباكستان بعد الاستقلال. وتدين باكستان للسعودية بدعم برنامجها النووي الذي أعاد لها الردع مع الهند، ولعب الجانبان دورًا خلال الحرب الباردة في الساحة الأفغانية، وتوجت الشراكة بين البلدين باتفاقية دفاع إستراتيجي مشترك نقل العلاقة لمستوى تحالفٍ إستراتيجي، وتعود هذه العلاقة على باكستان بفوائد كبيرة سياسيًا واقتصاديًا([12]).
كما أنَّ لباكستان علاقاتٌ حيوية مع تركيا؛ حيث يقدم الجانبان لبعضهما دعمًا إستراتيجيًا في مواجهة التحديات في بيئتهما الإقليمية، وتستفيد باكستان من الخبرات العسكرية والتكنولوجية التركية؛ إذ يتفق الجانبان في وجهات النظر تجاه العديد من ملفات المنطقة، وتجمع بينهما توجهات متقاربة تخص وسط آسيا ومنطقة القوقاز والشرق الأوسط، باعتبارهما فضاءات تقليدية وتاريخية لنفوذهما. فقد كانت باكستان الشريك العسكري الأكبر لتركيا في دعم أذربيجان ضد أرمينيا، وهي شريكٌ رسمي في تطوير برنامج المقاتلة التركية من الجيل الخامس. ويمتد هذا الدعم الباكستاني لأنقرة حتى بحر أيجه في مواجهة اليونان؛ حيث تحضر القوة العسكرية الباكستانية في هذه المنطقة وتنظر إليها أثينا كقوة تهديد([13]).
ومع أنَّ هناك خلافات عميقة بين باكستان وإيران غير أنَّ الجانبين قادرين على إدارة هذه الخلافات؛ إذ إنَّ أولويتهما
تتمثل في إدارة الخلافات والحفاظ على استقرار الحدود والمصالح المشتركة. هذا التوازن بين التحالف السعودي والشراكة التركية والتواصل الإيراني يعكس طبيعة الحضور الباكستاني في الشرق الأوسط، فحضورها في ليبيا لم يؤثر على شراكتها مع تركيا، وعلاقاتها مع إيران لم تكن على حساب تحالفها الإستراتيجي مع السعودية، وقد امتدت شراكتها مع دول المنطقة ووصلت حد استفادة البحرين من عمل جنودٍ باكستانيين ضمن قواتها المسلحة، وكذلك عمان. أما العراق، فقد تلقى طياروه تدريباتٍ في باكستان، إلى جانب تدريبات مكافحة الإرهاب، وشكرت الحكومة العراقية إسلام آباد على مساعدتها في هزيمة تنظيم «داعش» بعد تحرير الموصل([14]).
وهكذا كرست باكستان وجودها الإقليمي كلاعبٍ قادر على المناورة بين المحاور المختلفة، مستفيدة من أدواتها الاقتصادية والدفاعية والدبلوماسية لتحقيق نفوذٍ فاعل ومتدرج في الشرق الأوسط. وقد أهلها ذلك إلى أن تصبح جسرًا لتصفية الخصومات الإقليمية سواء بين الدول العربية وغير العربية أو بين الدول العربية بعضها البعض.
وأخيرًا، يمكن القول إنَّ الظروف سنحت لباكستان توسيع حضورها في الشرق الأوسط، وذلك بهدف تحقيق عدة أمور. أولها: بناء شراكاتٍ أعمق في الشرق الأوسط، في ظل علاقاتها المتوترة مع أفغانستان، والتنافس المستمر مع الهند، وتراجع فاعلية بعض الأطر الإقليمية التقليدية؛ إذ يسهم هذا التحرك في خلق عمق إستراتيجي يوازن تفوق الهند حيث يوفر لها هذا التحرك هامش حركةٍ أوسع، وفرصًا لتعزيز نفوذها دون الاصطدام المباشر بتوازنات جنوب آسيا المعقّدة. ومن جهة ثانية، مواجهة الارتدادات المحتملة للصراعات الإقليمية، بما في ذلك محاولة تغيير البنية الأمنية في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، فضلًا عن الحفاظ على مصالحها الاقتصادية الواسعة مع دول الخليج، بما في ذلك أمن ملايين العمال الباكستانيين المقيمين في دول الخليج واستمرار تدفق المساعدات المادية. وأخيرًا التموضع الدولي وحجز دور بين القوى المتوسطة للاستفادة من التحولات الدولية الراهنة، وتحييد مخاطر التنافس بين الولايات المتحدة والصين.
ثانيًا: طبيعة الحضور الباكستاني وأدواته
أعطت عدة مؤشرات دلائل واضحة على كثافة ومستوى الحضور الباكستاني المتزايد في المنطقة، من أبرز هذه المؤشرات ما يأتي:
1. «اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك السعودية- الباكستانية»
بعد الهجوم الإسرائيلي على قطر تراجعت الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية، واتجهت المملكة إلى توقيع اتفاقية دفاع إستراتيجي مشترك مع باكستان في 17 سبتمبر 2025 لتعويض الفجوة الأمنية الناجمة عن تغير عقيدة إسرائيل العسكرية، ودخول الخليج ضمن دائرة الاستهداف؛ حيث نصت على اتخاذ أطراف الاتفاقية التدابير اللازمة في حال تعرض أي منها لاعتداء؛ أي إقرار الأطراف بمبدأ التضامن الجماعي، وهي سابقة في المنطقة بعد فشل العديد من المبادرات الدفاعية منذ إعلان دمشق في 1991، كما فتحت الاتفاقية الباب لمرحلةٍ متقدمة من التعاون في مجالات الاستخبارات والتدريب المشترك ومكافحة الإرهاب والتعاون في الصناعات الدفاعية. ومع أنَّ القدرات النووية بقيت خارج نطاق الاتفاقية، لكن يبقى للتحالف معنىً أكبر من بعده الدفاعي في ظل قدرات باكستان النووية، والثقة المتبادلة بين طرفيها([15]).
وربما كانت الهجمات الإيرانية غير المبررة على دول الخليج اختبارًا مبدئيًا لهذا التحالف الناشئ؛ حيث نشرت باكستان في المملكة قوات عسكرية، وطائرات مقاتلة من طراز (JF-17)، وطائرات مسيرة، ونظام دفاع جوي من طراز (HQ-9)، وسبق وأرسلت إسلام أباد طائرات مقاتلة عقب هجماتٍ إيرانية على مواقع طاقة سعودية، ويشير هذا العدد من الأدوات والجنود إلى أنَّه أكبر من مجرد مهمة رمزية أو استشارية، وذلك في أول اختبارٍ لـ«اتفاقية الدفاع السعودية- الباكستانية»([16]). ومع أنَّ باكستان قد ترددت في الانضمام إلى التحالف الدولي لاستعادة الشرعية في اليمن عام 2015، وذلك لتحدياتٍ أمنية وجيوسياسية على حدودها في ذلك التوقيت، غير أنَّ دورها على الساحة اليمنية عاد إلى الظهور كمؤشرٍ جديد لفاعلية هذا التحالف على مسرح الأحداث في المنطقة؛ إذ أشارت تقارير إلى وصول قواتٍ باكستانية إلى مواقع تقع تحت سيطرة القوى الحليفة للمملكة في اليمن في محافظتي حضرموت وشبوة، هذا الانتشار مرتبط بمبادرةٍ سعودية تهدف إلى شغل مواقع كانت تسيطر عليها سابقًا قوات مدعومة من الإمارات([17]).
2. «اتفاق مكة للدفاع المشترك»
كانت المملكة القوة المحركة لتعزيز فاعلية دور باكستان الأمني في الشرق الأوسط، والدفع باتجاه ترتيباتٍ أمنية متكاملة في المنطقة؛ للتعامل مع الاضطرابات الراهنة، وتنسيق المواقف المشتركة بشأن الأزمات الإقليمية([18])، وقد توجت جهودها بالإعلان عن «اتفاق مكة المكرمة للدفاع المشترك»، في السابع من أغسطس 2026، ووفق بيانٍ مشترك، فإنَّ الاتفاقية تهدف إلى تعزيز الردع المشترك في مواجهة أي اعتداء، كما تنص على اعتبار أي هجومٍ مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا على جميعها، وذلك في إطار تعزيز أمنها وتوسيع مجالات التعاون الدفاعي بينها. وهكذا تؤسس الاتفاقية لإطارٍ دفاعي ثلاثي، ويقوم على مبدأ الدفاع المشترك، بحيث يُعد أي اعتداءٍ على إحدى الدول الثلاث اعتداء عليها جميعًا، وربما تكون المملكة مقرًا لأمانةٍ عامة تنسق جهود التعاون بين الأطراف الثلاثة. وقد عبرت الدول الثلاث عن أنَّ الاتفاق لا يستهدف أي دولةٍ ولا يدفع نحو سباق تسلحٍ نووي وإنما تطوير قدراتٍ دفاعيةٍ ذاتية ومستدامة للدول الثلاث، ولا ريب أنَّ هذا الاتفاق يعكس تحولًا مهمًا بالنسبة لترتيبات الأمن الإقليمي، وقد اتضح ذلك من الصدى الواضح الذي تركه إقليميًا ودوليًا، خصوصًا أن الشرق الأوسط أصبح في بؤرة الأحداث الدولية، وينظر إلى تطوراته الراهنة على أنَّها قد تحمل تغييراتٍ نظاميةٍ تتعدى حدود الإقليم([19]).
3. مٌورِد جديد للسلاح
تحاول باكستان ترسيخ مكانتها بين دول المنطقة كمورّدٍ موثوق للسلاح، ومما لا ريب فيه أنَّ سمعتها في هذا المجال قد ارتفعت بعد الأداء الذي وُصف بالقوي لسلاح الجو الباكستاني خلال المواجهة مع الهند في مايو 2025، وهكذا أُتيح لباكستان فرصةً للترويج لكفاءتها العسكرية والتكنولوجية وعرض أسلحتها على دول المنطقة، ومن مؤشرات ذلك عقد باكستان صفقة بقيمة 4 مليار دولار لصالح الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، وكانت إسلام أباد على وشك تنفيذ صفقةٍ أخرى مع الجيش السوداني، بقيمة 1.5 مليار دولار، لكن المملكة أجلت تمويلها احترامًا لجهود دعم مسار السلام في السودان، وجديرٌ بالذكر الإشارة إلى مفاوضاتٍ تجريها المملكة مع باكستان بشأن صفقة سلاح تدعم «اتفاقية الدفاع المشترك» التي وقعها الجانبان، ويشير كل ذلك إلى الطلب الإقليمي المتزايد على السلاح الباكستاني الأقل تكلفةً مقارنة بالأسلحة الغربية، وهو ما يعني ظهور باكستان كمصدرٍ للسلاح في الشرق الأوسط، واستعدادها لحجز حصةٍ في هذا السوق، ولا يقتصر ذلك على تحصيل عوائد مادية وإعادة تشكيل ميزان المدفوعات، وتخفيف ضغوط التمويل الخارجي، وتعزيز القاعدة الصناعية للبلاد، وتحسين الاقتصاد الوطني على المدى الطويل وحسب، بل مد النفوذ غربًا وصولًا إلى شرق وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى وغيرها من مناطق الصراعات([20]).
4. شريك اقتصادي ومعبر تجاري
تتحرك باكستان إلى تعميق شراكتها الاقتصادية مع دول المنطقة والتموضع كمعبرٍ جيواقتصادي حيوي للتجارة الإقليمية في اتجاهاتها المختلفة. ففضلًا عن مكانتها بالنسبة للممرات الاقتصادية الدولية وخصوصًا ممر الشمال- الجنوب، وهناك مؤشرات حول الارتباط المتزايد بين اقتصاد باكستان والاقتصادات الخليجية؛ ونتيجةً لذلك قام البنك الدولي في مطلع يوليو 2025 بنقل تصنيف باكستان من منطقة جنوب آسيا إلى مجموعةٍ إقليمية جديدة تُسمى «مينا» (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أفغانستان، وباكستان)، واستندت هذه العملية إلى اتجاهات باكستان الاقتصادية والدبلوماسية وعلاقاتها وارتباطاتها المتزايدة مع دول الخليج؛ حيث يعتمد البنك في هذا التصنيف على معايير هيكلية ترتبط بالإشراف والتمويل.
ووفقًا للبيانات، فإنَّ باكستان تلقت تحويلاتٍ ماليةٍ خارجية قياسية بلغت 38.3 مليار دولار في السنة المالية 2025، حصة السعودية والإمارات وحدهما من هذا المبلغ 17.2 مليار دولار، والحصة الإجمالية لدول الخليج بلغت 20.9 مليار دولار أمريكي. هذا وتدعم الودائع الخليجية احتياطيات النقد الأجنبي الباكستاني بشكلٍ مستمر، وهو ما ينقذها من الانهيار، ويحمي سمعتها أمام المؤسسات الدولية، وتتدفق عشرات المليارات سنويًا من تحويلات العمالة الباكستانية المنتشرة في الخليج، فضلًا عن ذلك تستورد باكستان حوالي 85% من احتياجاتها النفطية، يأتي أغلبها من دول الخليج، وبتسهيلاتٍ استثنائية تشمل، السعر المدعم والدفع الآجل، وهو ما يخفف الضغط على موازنتها العامة([21]).
وعلى الرغم من أن دول الخليج غيرت نهجها الاقتصادي وتبنت سياسية قائمة على «المصالح المتبادلة» وليس الدعم المجاني، فإنَّ باكستان كيفت اقتصادها لمواكبة هذا التحول؛ حيث أسست المجلس الأعلى لتسهيل الاستثمار(SIFC)، الذي يُحظى بنفوذ وإشراف مباشر من قيادة الجيش، وتهدف هذه الخطوة لفتح الباب أمام الصناديق السيادية الخليجية للاستثمار المباشر في قطاعات حيوية.
رغم ذلك تعتبر طهران شريكًا اقتصاديًا مهمًا أيضًا لباكستان، ولتعظيم الاستفادة من هذه الشراكة وكسب ثقة إيران وتشجيعها على قبول إسلام أباد كوسيط، أصدرت وزارة التجارة الباكستانية أمرًا جمركيًا في 25 أبريل 2026 «أمر عبور البضائع عبر أراضي باكستان لعام 2026»، دخل حيز التنفيذ فورًا، هذا الأمر يسمح رسميًا بحركة بضائع الدول الثلاث، وهو ما يعني السماح بمرور البضائع القادمة من الصين ومناطق أخرى من أوراسيا، عبر الأراضي الباكستانية وصولًا إلى إيران. كان القرار بمثابة محاولة للالتفاف على الحصار الأمريكي الذي فرضته واشنطن على إيران في 13 أبريل 2026، ويقدم القرار خدمةً جوهريةً لإيران، ودليلًا واضحًا على ما تتمتع به باكستان من أوراق ضغطٍ وقوة أوراق في ميزان القوة الإقليمي([22]).
ويبدو أنَّ باكستان تسعى لمد تعاونها الاقتصادي إلى تركيا التي تعتبر بوابةً مهمة نحو أوروبا؛ إذ اجتمع وزير الشؤون البحرية الباكستاني محمد جونيد أنور شودري، ووزير النقل والبنية التحتية التركي عبدالقادر أورال أوغلو في الرابع من يوليو 2026 واتفقا على تعزيز التعاون في تطوير البنية التحتية البحرية وأنظمة النقل الحديث، وأقرا بدورها في تسهيل التجارة وتحسين الروابط الإقليمية ودعم النمو الاقتصادي طويل الأمد([23]).
5. وسيط ومحفز للسلام
في دليلٍ واضح على دورها الصاعد كصانع سلامٍ في الشرق الأوسط، أعلنت باكستان انضمامها إلى مجلس السلام الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة، في 29 يناير 2026، ووقف خلف هذه الخطوة رغبتها في تعزيز حضورها في المنطقة التي يُعاد ترتيبها، وبحث واشنطن عن شركاء قادرين على المساهمة في إدارة الأزمات المتفاقمة دون انخراطٍ عسكري مباشر واسع النطاق([24]). سلط هذا الانضمام الأنظار على دور باكستان في واحدٍ من أعقد أزمات الشرق الأوسط([25]).
وقد سرعت الحرب الأمريكية- الإيرانية، التي اندلعت في نهاية فبراير 2026، عملية تحول باكستان من لاعبٍ هامشي إلى لاعبٍ ذي أهميةٍ إستراتيجية متزايدة في الشرق الأوسط؛ إذ نجحت أن تفرض نفسها كوسيطٍ بين طرفي الصراع، ووجدت قبولًا من كافة الأطراف المرتبطة بالأزمة، فمن جهةٍ كسبت ثقة إيران لأنها أدانت الهجوم الأمريكي علنًا واعتبرته انتهاكًا للقانون الدولي وتهديدًا للسلام الإقليمي، بل أكدت على حق إيران في الدفاع عن النفس وفتحت معابرها لتجارة إيران الخارجية، وعلى الجهة المقابلة حافظت على خط اتصالٍ مباشرٍ مع الرئيس الأمريكي، الذي رحب بمبادرة باكستان للوساطة، وبالنسبة لدول المنطقة فقد رحبت بباكستان كوسيط؛ لأنَّ هذه الدول لديها مصلحة جوهرية لوضع حدٍّ لهذه الحرب، وعلاوة على ذلك لم تكن باكستان بعيدةً عن تأثيرات هذه الحرب وتكلفتها حيث يمر 90% من واردات باكستان من الطاقة عبر مضيق هرمز([26]).
وفي هذا المسعى استضافت باكستان أول مفاوضاتٍ مباشرةٍ التقى خلالها مسؤولين أمريكيين وإيرانيين، ورغم أن الجولة الأولى قد فشلت، لكن نشطت باكستان من أجل تقريب وجهات النظر ونجحت جهودها في الوصول إلى وقف إطلاق نارٍ مؤقت ثم توقيع مذكرة تفاهم لوقف الحرب والدخول في مفاوضاتٍ معمقة من أجل تسوية القضايا الخلافية، وهكذا يمكن القول بأن دبلوماسية باكستان الاستباقية عزَّزت دورها في غرب آسيا ليس فقط كشريكٍ أمني بل كفاعلٍ دبلوماسي أيضا([27])، وأسهم ذلك بدوره في التغلب على الجهود الهندية لتقويض نفوذها الإقليمي وعزلها دوليًا، وتعزيز صورتها الدولية، ومكانتها بين القوى الكبرى، كما جنبت المفاوضات باكستان الضغوط المحتملة من أجل الدخول كطرفٍ في الصراع، في حال وسعت إيران من نطاق استهدافاتها لدول المنطقة([28]).
وقد نقلت «رويترز» عن مصادر باكستانية أنَّ إسلام أباد بدأت التوسط بين حكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس والحكومة المكلفة من مجلس النواب في بنغازي، مشيرةً إلى أن واشنطن على علمٍ بهذا الانخراط الذي يُحظى بدعم سعودي في مؤشرٍ آخر على حضور باكستان كوسيطٍ فاعل في الأزمات الإقليمية([29]).
ثالثًا: حدود التأثير على الأمن الإقليمي
تعمل باكستان ضمن حزمةٍ مترابطةٍ من الخطوات الدفاعية، والاقتصادية، والدبلوماسية التي تهدف إلى توسيع هامش الحركة في الشرق الأوسط، لكن هذا الحضور لا يتم على حساب العلاقة مع أيٍّ من القوى الرئيسية المتنافسة، ودون التورط في أي صراع، وهو ما يعني أنَّ هناك حسابات خاصة لباكستان في المنطقة، قد تجعل سياساتها أقرب إلى إدارة المخاطر، وتفادي الانجرار إلى صراعاتٍ لا تخدم مصالحها الحيوية، مع الحفاظ على شبكة علاقاتها المتشابكة دون الإخلال بتوازناتها الداخلية والإقليمية([30]).
هذا التصور يوضح حدود تأثير حضور باكستان على الأوضاع الأمنية والتوازنات القائمة في المنطقة وذلك، وذلك على النحو الآتي:
1. تدشين هوية جيواستراتيجية جديدة لباكستان في الشرق الأوسط
لم يكن الشرق الأوسط بمفهومه الواسع الممتد من وسط آسيا شرقًا وحتى البحر الأحمر غربًا أولوية باكستانية، لكن هذا لا ينفي حقيقة أنها جزء منه؛ حيث تقع باكستان على تخوم هذا الإقليم، تؤثر فيه وتتأثر به باعتباره امتدادًا طبيعيًا لجغرافيا باكستان ومكانتها الجيوسياسية. ومن ثم فإن حضورها هو حضور أصيل وكثافته على هذا النحو بمثابة هويةٍ جيوسياسية إضافية لإسلام آباد، ويعزز من تنافسيتها الدولية.
ويدعم هذا الحضور نزعة إقليمية متزايدة للاستقلال وتقليل الاعتماد على القوى الكبرى كضامنٍ للأمن؛ حيث تستفيد بعض القوى الإقليمية من هامش المناورة الذي أتاحه الانسحاب الأمريكي من المنطقة والرغبة الصينية في الاستفادة من هذا التراجع، لهذا قد يكون هذا الحضور الباكستاني فارقًا في الشرق الأوسط خصوصًا أن الصين تعتمد على باكستان في سياساتها الإقليمية تجاه الشرق الأوسط ووسط آسيا وصولًا إلى روسيا وأوروبا، لا سيما بعد أن زادت شكوك دول المنطقة ولا سيما دول الخليج في جدوى ارتباطاتها الأمنية والدفاعية مع واشنطن، بعدما حاولت واشنطن إقحامها في حرب لم تُستشَر بشأنها ودون مراعاةٍ لمصالحها، فهناك طموح في ترتيبات أمنية إقليمية خالصة قد تغير هيكل القوة في المنطقة بصورةٍ جذرية([31]).
فضلًا عن ذلك، فإنَّ حضور باكستان في الإقليم يكرس وجودها كمعبرٍ جيواقتصادي حيوي لدول الشرق الأوسط ولا سيما دول الخليج نحو عمق القارة الآسيوية، وذلك باعتبارها همزة وصلٍ تربط الشرق الأوسط بعدة أقاليم حيوية وسط آسيا وجنوبها ومنطقة والقوقاز وفضاء أوراسيا، وهي مناطق تقع ضمن اهتمامات تركيا بالنظر إلى الارتباطات الهوياتية أو المصالح التي تربطها بهذه المناطق، وهو ما يظهر من تركيز تركيا على توثيق صلتها بهذه الفضاءات سياسيًا واقتصاديًا بما في ذلك الاهتمام بالممرات الاقتصادية التي تربطها بهذه المناطق، ومحاولة التموضع على مشروعات الربط الدولي المارة بها، كما تقع ضمن اهتمامات الخليج، ولا سيما المملكة التي تعطي اهتمامًا خاصًا بتوسيع استثماراتها على ممر الشمال- الجنوب ليكون رابطًا ومعززًا لطموحاتها واستثماراتها بهذه الأقاليم([32]). وربما يترك حضور باكستان في الشرق الأوسط تأثيراتٍ على طرق التجارة العالمية، بما في ذلك الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا ((IMEC، وهكذا فإنَّ تفاعلات باكستان الشرق أوسطية تفرض حدودًا جديدة للمنطقة التي ظلت مفهومًا متغيرًا غير محدد الملامح الجغرافية يتسع أحيانًا ويضيق في أحيانٍ أخرى، وهذا بدوره لا يعني هوية جيوسياسية لباكستان وحسب، بل إعادة إنتاجٍ لمفهوم المنطقة المتسع من عمق آسيا وصولًا للهند التي لم تترك الساحة لباكستان للتحرك بحريةٍ بها، إلى شرق أفريقيا وجزء من شمالها([33]).
2. بنية جديدة للأمن الإقليمي
غيّر الاتفاق السعودي بشكلٍ جذري حسابات الأمن في الخليج لأنَّه أظهر أن باكستان كانت على استعدادٍ لإضفاء الطابع الرسمي على التزامات الدفاع الإقليمية بما يتجاوز مهام التدريب المشترك والاستشارات الفنية والتنسيق. ومن ثم تعتبر الاتفاقية نقطة تحولٍ، وذلك بالنظر إلى وزن باكستان وقوتها العسكرية والنووية، توازيًا مع القوة الاقتصادية والسياسية للمملكة، وذلك في مواجهة اعتداءات إيران ومساعيها للهيمنة الإقليمية والسيطرة على الممرات البحرية في المنطقة، وكذلك لموازنة التفوق العسكري الإسرائيلي والنزعة التوسعية التي تتبناها تحت مسمى «الشرق الأوسط الجديد»، ومحاولتها فرض أمرٍ واقع على المنطقة، وذلك في ظل دعمٍ أمريكي محدود لدول الخليج وتراجع الثقة في التزاماتها الأمنية. وربما تكرس هذه الاتفاقية باكستان كطرفٍ في معادلة الأمن الخليجي، وليس السعودي وحسب وذلك في ظل مساعي قوى خليجية أخرى لعقد اتفاقياتٍ أو إجراء تفاهماتٍ مماثلة مع باكستان، ويؤشر هذا إلى الدور المحتمل الذي قد تلعبه دول الخليج في بنية الأمن الإقليمي لمواجهة التهديدات وملء الفراغ.
وجاء «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وباكستان وتركيا بمثابة تحولٍ مهم، لا يكرس من دور باكستان الدفاعي على ساحة الشرق الأوسط ككل إلى جانب قوتين إقليميتين وازنتين وحسب، بل يعكس تحولًا مهمًا في ميزان القوة الإقليمي، ويخلق مستوىً كبيرًا من الردع، ويفتح المجال أمام مبادراتٍ مشتركة حول تهديداتٍ حيوية تمس مصالح هذه الدول وأمنها، ومن المعلوم أن المنطقة منذ سنواتٍ تختبر مقاربات وترتيبات عديدة لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، وربما يقدم هذا المحور تكاملًا نوعيًا بين عناصر القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والنووية، ما يمنحه تأثيرًا مهمًا على مجريات الأحداث في الشرق الأوسط([34]). يكتسب هذا التحالف قوته من تنوع قدرات أطرافه، فالمملكة قوة اقتصادية هائلة ولها ثقل سياسي مؤثر على الصعيدين الدولي والإقليمي، كما تعتبر باكستان قوة عسكرية ونووية لا يستهان بها، أما تركيا فقوة تكنولوجية صاعدة خصوصًا في المجال الدفاعي، ويحقق هذا التنوع لأطرافه تكاملًا مثمرًا ويخلق لها بدائل تعزز من الفوئد والمصالح المختلفة العسكرية والأمنية والاقتصادية، والأهم أنَّ الاتفاقية مهمة للمنطقة باعتبار أن هذه القوى الثلاث تتفق حول مبدأ الاستقرار الإقليمي، وترفض أي مشروعاتٍ للتوسع وإثارة الفوضى، وربما تكون الاتفاقية نواةً لتحالفٍ إقليمي أوسع بما يؤثر على ميزان القوة الإقليمي الذي يعاني من خللٍ جسيم.
3. توازن القوة وملء الفراغ وتحقيق الردع
إنَّ حضور باكستان كطرفٍ إلى جانب القوى الإقليمية الفاعلة، السعودية وتركيا يسهم في عدة أمور أهمها: تحقيق توازنٍ في الردع ويؤثر على ميزان القوة الإقليمي ويملأ الفراغ الأمني الراهن، خصوصًا في ظل تقلب السياسة الأمريكية، كما يدعم مسار الاستقرار التي تتوافق عليه هذه الأطراف، وذلك باعتبار أوزان هذه القوى وتوجهاتها العقلانية ومصالحها المرتبطة بإقرار الأمن والسلام في المنطقة ووضع حدٍّ للفوضى، فضلًا عما تتمتع به من مكانةٍ جيوسياسيةٍ مهيمنة على الشرق الأوسط من جهاتٍ ثلاث: فمن أقصى شمال الشرق الأوسط تأتي تركيا التي تبرز كقوةٍ عسكرية ديناميكية ذات جيشٍ منظم، وصناعةٍ دفاعية متقدمة، كما أنها تمتلك خبرةً ميدانية في مسرح العمليات في المنطقة في سوريا والعراق وليبيا والصومال والسودان، وحلقة وصلٍ بين الشرق والغرب. يقابل تركيا في جنوب الشرق الأوسط السعودية التي تعتبر قوةً اقتصادية فاعلة على الصعيدين الإقليمي والدولي وقلب العالم الإسلامي، ومن ثم تعتبر بمثابة عمودٍ فقرى لهذا الرباعي؛ حيث يمكنها توفير التمويل اللازم لهذا التحالف ولاستقرار دوله، كما يمكنها تقديم الدعم الدبلوماسي أيضًا بفضل مكانتها العالمية، فضلًا عن أنَّها توفر الغطاء الشرعي لهذا التحالف بفضل مكانتها الروحية. أما أخيرًا فمن جهة الغرب هناك باكستان، التي تمنح هذا التحالف قوة بفضل قوتها البشرية وقدراتها العسكرية، وسلاحها النووي الذي قد يمثل قوة ردعٍ في مواجهة القوى المتمردة في الشرق الأوسط([35]). إنَّ القوى الثلاث بإعلان تحالفها وفق «مبدأ الدفاع المشترك» تبعث برسالةٍ تفيد برفضها استخدام القوة من جانب بعض القوى لفرض واقعٍ جديد على المنطقة، وأنَّ ثمة تحالفٍ قوي قادر على تحقيق الردع ومواجهة محاولة تغيير الشرق الأوسط وإعادة صياغة الترتيبات في غير صالحها.
4. توفير خيارات وأطر تعاون بديلة
مع أنَّ حضور باكستان المتعاظم في الخليج مرحبٌ به أمريكيًا، وربما يعتبره البعض دور أمني مكمل وليس بديلًا للضمانات الأمنية الأمريكية، غير أنه قد يقدم لبعض دول الخليج بديلًا لمسار «إبراهام» الذي تدفع باتجاهه واشنطن؛ إذ رغم طلب ترامب رفضت باكستان الانضمام إلى هذا المسار، وبالأساس حضرت كحليفٍ دفاعي في الخليج بعد تجرؤ إسرائيل على مهاجمة دولة قطر، كما أثبتت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران أنَّ مسار «إبراهام» مرتفع التكلفة على الدول التي انضمت إليه، وأنه يكرس مصالح إسرائيل على حساب أطرافه الأخرى. كذلك على غِرار المملكة ربما تقوم دول خليجية أخرى بتوقيع اتفاقيات دفاعٍ مشترك مع باكستان. هذه التحالفات ليس بالضرورة تستهدف إسرائيل، لكنها تخلق توازنًا مع إيران التي اتبعت نهجًا عدوانيًا غير مسبوق ضد دول الخليج. وبما أنَّ باكستان أصبحت جزءًا من البنية الإقليمية الأوسع بالشراكة مع السعودية من جهةٍ، وتركيا من جهةٍ أخرى، فإن ذلك يضمن للمملكة توازنًا دقيقًا وتنوعًا يخدم مصالحها ونفوذها الإقليمي، هذا التوازن يرتد إيجابًا على الاستقرار الإقليمي ومن شأن هذا التطور أيضًا أن يعزز دور باكستان إلى جانب تركيا كفاعل محوري في أمن الشرق الأوسط، وربما يُمهد اتفاق مكة الطريق أيضًا لظهور بنيةٍ تعاونية داخل العالم الإسلامي، ولا ريب أنَّ التحالف يدفع باتجاه تبادل الخبرات وإجراء مناوراتٍ عسكريةٍ مشتركة، والأرجح ستعزز الأطراف من تعاونها على مستوى الصناعات الدفاعية، بما في ذلك بناء مجمعٍ صناعي دفاعي متكامل، وهو ما يعزز من قوة الحلف الثلاثي العسكرية ومكانته الدولية، ويحد من اعتماده على السلاح الخارجي والشروط والإملاءات المصاحبة له([36]).
5. احتواء الفوضى والصراعات
بعد المشاركة في مجلس السلام، والوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، وجهود التهدئة في ليبيا، يبدو أنَّ دور باكستان كوسيطٍ سيزداد، وهذا بدوره قد يؤدي إلى حلحلة الأزمات الإقليمية الراهنة؛ لأنَّ جهودها الدبلوماسية مرحبٌّ بها ووساطتها في النزاعات محل قبول، وتتسم بالمصداقية والحياد، ومن المتوقع أن يستمر هذا الدور باعتباره نتاج عوامل هيكلية تبلورت على مدار أعوامٍ واكتسبت زخمًا منذ السابع من أكتوبر 2023. يشير ذلك إلى أنَّ باكستان لم تعد في موقف المشاهد بل المؤثر فيها، وقد أثبتت الاتفاقية الدفاعية مع المملكة والوساطة بين الولايات المتحدة وإيران أنَّها أصبحت مؤثرًا مهمًا في تفاعلات المنطقة، وهذا دليلٌ على فرص القوى المتوسطة لإثبات جدارتها كقوة استقرارٍ وتوازن في ظل التحولات الدولية الراهنة، وجديرٌ بالذكر أنَّ التحالف مع المملكة وتركيا يعزز من دور باكستان كلاعبٍ في الشرق الأوسط وخصوصًا دورها كوسيطٍ في النزاعات الإقليمية، حيث تعتبر الدول الثلاث قضايا الأمن والاستقرار على رأس أولوياتها وغاية تحالفها.
وهكذا يمكن القول إنَّ دور باكستان في الشرق الأوسط المضطرب قد تغير وأصبحت فاعلًا أكثر مرونة ونشاطًا وثقة، وهذا عزز من مكانتها العالمية، ومن المتوقع أن تقوم بدورٍ مهم في بنية الأمن الإقليمي التي ستتبلور بعد الحرب، كجزءٍ من توجهٍ إقليمي تركي وسعودي على وجه الخصوص قائم نحو تنويع الشراكات الأمنية. ونظرًا لحالة عدم اليقين الإستراتيجي في المنطقة، وبعد نجاح المملكة في خلق ترتيبٍ أمني نوعي يضم الدول الثلاث السعودية وتركيا وباكستان؛ فقد أصبحت إسلام آباد عنصرًا هيكليًا دائمًا في النظام الإقليمي الناشئ، وهذا الدور سيكون متوازنًا بدقة بحيث لا يكون على حساب أي من أطراف النزاع في المنطقة بما في ذلك السعودية وإيران، ومن ثم قد يقدم للمنطقة بدائل عن المواجهة والصراع.
رابعًا: الإشكاليات والقيود على دور باكستان في الشرق الأوسط
يواجه الحضور الباكستاني في الشرق الأوسط تحدياتٍ على ثلاثة مستويات: داخلية وإقليمية ودولية، يمكن إبرازها على النحو الآتي:
1. الخبرة التاريخية والقيود الداخلية
ترتبط باكستان ودول المنطقة بصيغةٍ متوازنةٍ من التعاون الأمني والاقتصادي المتبادل، لكن التاريخ يلقي بظلاله على صانع القرار الباكستاني وهو بصدد مد تحالفاته إلى ما هو أبعد من دول الخليج؛ إذ ترى باكستان أنها قدمت دعمًا لبعض الدول العربية في حروبها مع إسرائيل في الماضي، لكنها لم تتلقْ الدعم والتأييد الكافي في مواجهتها مع الهند على مدار عقود، وهو ما قد يجعلها أكثر تحفظًا بشأن أي التزاماتٍ دفاعية. من جهةٍ ثانية، باكستان دولة متوسطة ومنهكة بالأزمات والتحديات السياسية والاقتصادية، وقد يمثل التوسع خارج مجالها الحيوي خطرًا على استقرارها الداخلي؛ لأن أي توسعٍ بحاجة إلى خطة إصلاحٍ اقتصادي تعزز قوة النظام ومؤسساته، وتمنحه قدرًا من الاستقلالية، وقدرةً على التحرك بحرية دون قيود أو عوائق([37]). ورغم أن باكستان قوة نووية لا يستهان بها، فإنه لا ينبغي المبالغة في تقدير قوتها ووزنها كحليف؛ حيث يظل نفوذها وحدود حركتها مشروطةً ومقيدة من جانب القوى الكبرى.
2. الأولويات في الجوار القريب وقيود الاستدامة
يظل حضور باكستان في المنطقة مقيدًا بأولوياتها الأمنية، فهي تخوض مواجهةً حدودية مع الهند منذ عقود وبين البلدين وقفٌ هشٌّ لإطلاق النار وسرعان ما يتجدد من وقتٍ لآخر، كما تواجه تحدياتٍ أمنية من جهة أفغانستان التي تعاني من عدم الاستقرار منذ الانسحاب الامريكي، فضلًا عن مواجهة خطر الحركات المتمردة والعنيفة في أقاليم بلوشستان والبنجاب، وبالتالي فإن التوسع والدخول في صراعاتٍ خارج نطاق دوائر أمنها القومي الأساسية وبعيدًا عن حدودها سيكون له عواقب على الموقف الإستراتيجي للبلاد في جنوب ووسط آسيا الأكثر أهمية. ويضاف إلى ذلك مدى القدرة على استدامة الدور العسكري الخارجي والدفاعي في الشرق الأوسط، في ظل الوضع الاقتصادي الداخلي الحرج، وتغيير بعض دول الخليج إلى سياساتها الاقتصادية الخارجية من الدعم إلى الاستثمار.
كذلك من ضمن القيود أنَّ حضور باكستان في بعض الملفات قد يربك المشهد الإقليمي فحضورها في اليمن سوف يواجه برفض إيراني؛ لأنه قد يغير ميزان القوة في الداخل اليمني، كما أن حضورها في ليبيا قد يحد من نفوذ تركيا، وربما شراكتها العميقة مع دول الخليج سوف تنظر إليه قوى إقليمية أخرى على أنه خصم من رصيدها ومصالحها مع دول الخليج. وهكذا قد يتحول هذا الحضور إلى تعقيداتٍ قد تحول دون حلحلة الأزمات بدلًا من تسويتها.
3. تحركات الهند لمواجهة نفوذ باكستان في الشرق الأوسط
إنَّ الهند لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء هذه التطورات، فقد تسعى هي الأخرى إلى توسيع حضورها الاقتصادي والأمني في الشرق الأوسط. ولدى الهند إمكانيات أكبر لتعزيز موقعها في هذه المنافسة، بما في ذلك التموضع كقوة تأثير جيوسياسي وجيواقتصادي أكثر أهمية، كما هو واضح من نجاحها في موازنة علاقاتها الإقليمية بشكلٍ فريد؛ فهي قادرة على الحفاظ على شراكةٍ تكنولوجية وعسكرية عميقة مع إسرائيل، وشراكة اقتصادية وإستراتيجية ضخمة مع دول الخليج العربي، وفي الوقت ذاته الإبقاء على مصالحها اللوجستية مع إيران دون الصدام مع القوى الأخرى، ومما لا ريب فيه أن نقل المنافسة بين القوتين الآسيويتين إلى الشرق الأوسط سوف يخلق حالة استقطاب مؤثرة على مساعي باكستان للتحرك خارج المجال([38]).
4. حدود الالتزام بمبدأ الدفاع المشترك والمصالح المتقاطعة
كانت الضربات التي تعرضت لها بعض دول الخليج، وتدخل باكستان كوسيط بدلًا من كونها شريك دفاعي، كاشفة لحدود الارتباطات الدفاعية مع باكستان، وربما ينطبق الأمر نفسه على التحالف الدفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا، فمع أنه خطوة مهمة قد تحدث تحولًا جوهريًا في ترتيبات الأمن الإقليمي، وقد تكون له فوائد مؤكدة على سبيل المثال في مجالات: التدريب المشترك، وتبادل الخبرات، والتعاون في الصناعات الدفاعية، فضلًا عن تعزيز الارتباطات الاقتصادية، والتشاور والتنسيق بشأن بعض قضايا الأمن الإقليمي، غير أن التزام أطرافه بمبدأ «الدفاع المشترك» ما يزال محل اختبار، وهناك مخاوف من أن يكون هذا الحلف ضمن التكتلات الظرفية التي نشأت على عجلٍ وليست إستراتيجية، على غِرار تلك التي ظهرت بعد أحداث «الربيع العربي» واختفت سريعًا لأنها لم تستند إلى قيم أو مصالح دائمة ناهيك عن بعض المصالح المتقاطعة في بعض المناطق، والخلافات بشأن بعض الملفات والصراعات في الشرق الأوسط.
5. المواجهة المحتملة مع إسرائيل
رغم أن باكستان رأت أن مجلس السلام يمثل أفضل طريقة لوقف حرب الإبادة على غزة، فإنه من غير المتوقع أن تنشر إسلام آباد أي قواتٍ في غزة؛ لأن الجيش الباكستاني يشترط لنشر قواته وضع تعريفٍ واضح ومتفق عليه للقوة المحتمل نشرها في القطاع مثل أعداد هذه القوات، وآلية تمويلها، ودورها، ناهيك عن شكوك إسرائيل في نوايا باكستان. وعلى الرغم من أن إسرائيل ما تزال تنظر إلى الحضور الباكستاني وتأثيره على مصالحها الإقليمية ونفوذها على أنه تهديدٌ محتمل، لكنها تتحسب لما قد يفضي إليه من ترتيباتٍ لا تخدم مصلحتها ونفوذها الإقليمي، مما يحد من حرية حركتها، ويوازن تفوقها العسكري، إضافةً إلى ما قد يخلقه من تحدياتٍ أمام توسيع مسار «إبراهام»، بل الضغط من أجل تسويةٍ عادلة للقضية الفلسطينية، خصوصًا في ظل تعميق باكستان شراكاتها الدفاعية مع كل من تركيا والسعودية التي تخشى إسرائيل من صعود دورهما الإقليمي، ومن وقوفهما أمام سياسة إسرائيل العدوانية والمخالفة للشرعية الدولية([39]).
وعلى الرغم من أن أطراف التحالف الثلاثي السعودية وباكستان وتركيا قد نفت عن هذا التحالف أي توجهاتٍ دينية أو مذهبية، لكن قد عبر رئيس وزراءها بنيامين نتنياهو عن مدى إنزعاج إسرائيل من هذه التحولات النظامية في المنطقة، خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في 28 فبراير 2026، بقوله إن إسرائيل بصدد مواجهة التحالف السني الذي يتشكل في المنطقة بعد أن يتم التخلص من التحالف الشيعي. وبينما تطمح دول المنطقة إلى الدخول تحت مظلة الحماية النووية الباكستانية، فإن باكستان لديها تحفظاتٍ على توسيع نطاق مظلتها النووية؛ لأن ذلك يتطلب تغييرًا في العقيدة النووية الباكستانية والتي تشكلت على أساس المواجهة مع الهند، كما أنَّ إسلام أباد لا ترغب في تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة مواجهةٍ بين المحاور وأن يكون السلاح النووي أحد أدوات هذا التنافس؛ لأن ذلك قد يضعها تحت منظار إسرائيل والغرب ويرفع من مستوى العداء والمواجهة معها؛ إذ تخشى باكستان أن تصنف قوتها النووية كرصيد إسلامي مع ما سيجلبه لها هذا التصنيف من تحدياتٍ كبرى([40]).
6. توظيف القوى الكبرى للتنافس الإقليمي الناشئ
يخضع نفوذ باكستان في الشرق الأوسط لتجاذبٍ وتنافس القوى الكبرى، وهو ما قد يفرض عليها أدوار وظيفية ربما تضر بأمن المنطقة، فمن جهةٍ تحاول واشنطن أن تجذب باكستان بعيدًا عن الصين، وتراهن على القيادة الباكستانية ضمن ترتيباتها الأمنية في الشرق الأوسط في المستقبل، وفي سياق ذلك تأتي دعوة ترامب إلى باكستان بجانب دول أخرى كالمملكة للانضمام إلى اتفاقيات «إبراهام»، وهو ما يعني بالمحصلة أن الولايات المتحدة تتطلع لدمج حلفائها في إطارٍ أمني متعدد الأطراف في الشرق الأوسط. كذلك فإن دخول المنطقة في حالةٍ من الانقسام والتنافس، قد يشجع القوى الكبرى على التدخل، واستنزاف موارد وقدرات دول المنطقة في إطار سباقٍ من التسلح، وربما الاندفاع نحو سباق تسلح نووي، مع فرض مزيدٍ من التهديدات للممرات البحرية وخنق اقتصادات المنطقة والتأثير على حركة التجارة، وقد تجد دول الخليج التي تعتمد بصورةٍ أساسية على صادراتها النفطية عبر هذه الممرات أمام ترتيبات أمنية جديدة تضر بمصالحها الإستراتيجية، أو أن تصبح مضطرة إلى أن تصطف في هذه المحاور وقد يختلف تموضع «دول مجلس التعاون الخليجي» بين هذه المحاور مما يضعف تنسيقها المشترك بل يحول المنطقة إلى ساحةٍ للمواجهة بين هذه المحاور[41]. هكذا فإن حضور باكستان يبقى متأثرًا بعوامل خارجية ذات صلة بهيكل القوة العالمي، مما يجعل حضورها غير مستدامٍ أو شكلي أكثر منه عملي.
خاتمة
تعيشُ منطقة الشرق الأوسط في حالة استثنائية منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث اتَّـسع نطاق الصراع الإقليمي، ووصل إلى مديات غير مسبوقة، فقد شهدت المنطقة حروباً متعددة الجبهات وصلت إلى منطقة الخليج، وحربَ إبادة لم تشهد المنطقة مثيلاً لها، وغرورَ قوة من جانب إسرائيل شجَّـعها على الحديث عن إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط من جديد، وبلغَ الصراع ذروته بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران؛ وهو ما أقحمَ دول الخليج في مواجهة لم تكُن بالحسبان، وفرضَ عليها تكلفةً بالغة في حرب ليست من اختيارها، هذا الوضع الاستثنائي فرضَ على باكستان تحديات إستراتيجية، كما فرضَ على دول المنطقة ضرورةَ البحث عن حليفٍ موثوق لتوفير مظلة حماية أمنية إقليمية تُعالج جوانب القصور التي كشفَ عنها الصراع. وأياً ما كان الدافع الأقوى فقد كانت التحولات في المقاربات الباكستانية تعبيراً عن تغير في أولوياتها الإقليمية وإعادة تعريف لدورها خارج نطاق جنوب آسيا ووسطها، ودلَّ على تحولٍ تدريجي في الدور الوظيفي قد يتَّـسع مع الوقت، هذا التحول يستندُ بالأساس على القدرات الدفاعية كأداة للنفوذ، ويعتمدُ على السعودية كحليفٍ موثوق ونقطة ارتكازٍ إقليمي؛ وهو الأمر الذي منحها هويةً جيوسياسيةً جديدة، وقد يجلبُ لها مزيداً من المصالح الاقتصادية.
ومع أنَّ هذا الحضور له أهميته بالنسبة إلى ثقل باكستان وقوتها العسكرية، الأمر الذي قد ينعكسُ على الوضع الأمني في المنطقة باتجاه الاستقرار، ويُغير التفاعلات بين أطرافها باتجاه السلام، باعتبار أنَّ باكستان تتدخَّـل كمحفزٍ للسلام، ولتحقيق التوازن الإقليمي.
ربما يقدِّم الاقتصاد رافعةً مهمة يمكن البناءُ عليها لتعزيز هذا الدور وتشجيع التعاون ليشمل جوانب إستراتيجية أخرى، وبما يمكِّن المنطقة من خلق صيغةٍ أمنية بدلاً عن المقاربات التي ثبـُت فشلها وانتهازيتها.
لكن هذا سيظل متوقفاً على عوامل داخلية ترتبطُ باستعداد باكستان نفسها للعب هذا الدور في ظل توازنات دقيقة تحكُم حركتها في الإقليم إلى جانب المملكة وتركيا، إضافةً إلى الاستعداد لتحمل تكلفة وعبء هذا الحضور، وكذلك عوامل إقليمية تتعلَّـق بإمكانية استيعاب باكستان كلاعبٍ فاعلٍ في بنية الأمن الإقليمي سواءً من الحلفاء أو الخصوم، وكذلك عوامل دولية تحفز هذا الدور بدلاً عن إحباطه، والأهم توفُّـر الإرادة والمضي قدماً في تحويل اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان إلى واقع على الأرض بتعزيز قوة التحالف الناشئ، وتحقيق الردع، وفرض ترتيبات جديدة تحقِّـق الأمن والاستقرار الإقليمي.
([1]) كمال علام، الجيش الباكستاني والدور المتزايد في الشرق الأوسط، مجلة المجلة، (12 يناير 2026)، تاريخ الاطلاع: 29 يونيو 2026، https://tinyurl.com/23paroqo
([2]) حسام البقيعي، تحديات ماثلة: لماذا اختيرت باكستان مكانًا للوساطة بين أطراف الحرب في الشرق الأوسط؟، مركز رع للدراسات، (28 مارس، 2026)، تاريخ الاطلاع: 29 يونيو 2026، https://tinyurl.com/2cqkuvxk
([3]) Smruti S. Pattanaik, Islam and the Ideology of Pakistan, Strategic Analysis: A Monthly Journal of the IDSA, (columbia: Vol. XXII No. 9), https://tinyurl.com/26pja9mg
([4]) Saudi Arabia (KSA) Population Statistics 2026 [Infographics], Global Media Insight, (May 7 2026), accessed: July 08, 2026. https://h1.nu/1yLAB
([5]) الشرق بلومبرج، اقتصاد باكستان يتسارع رغم تزايد مخاطر حرب مع إيران، (13 مايو 2026)، تاريخ الاطلاع: 29 يونيو 2026، https://tinyurl.com/238qppkx
([6]) شاكر حسين، سباق التسلح… الهند ترفع قدراتها العسكرية لمواكبة التحولات الجيوسياسية، مجلة المجلة، (25 فبراير 2026)، تاريخ الاطلاع: 29 يونيو 2026، https://n9.cl/tugwx3
([7]) Defence Security Asia, Qatar Nears Strategic Defence Pact With Nuclear-Armed Pakistan After Israeli Strikes, Signalling Major Gulf Security Realignment, (April 21, 2026), accessed: June 29, 2026, https://tinyurl.com/2cvw5yus
([8])وكاة تسنيم الدولية للأنباء، إيران تستبدل موانئ الإمارات بموانئ باكستان، (3 مايو 2026)، تاريخ الاطلاع: 4 يوليو 2026، https://h1.nu/1s-4f
([9]) Atlantic Council experts, What the US-Iran deal means for the rest of the Middle East (and beyond), (June 17, 2026), accessed: 28 June 2026, https://tinyurl.com/244n6jns
([10])Azeem Ibrahim, Pakistan’s Diplomatic Pivot Makes It a Trump-Era Power Player, (June 1, 2026), accessed: 28 June 2026, https://tinyurl.com/22vvhewc
([11]) وحدة الدراسات الآسيوية، باكستان و«مجلس السَّلام» وقوة الاستقرار الدولية في غزة: المصالح والتحديات، (27 مارس 2026)، تاريخ الاطلاع: 28 يونيو 2026، https://tinyurl.com/26j2kk53
([12]) للمزيد حول العلاقات السعودية الإيرانية راجع: على بن سعيد آل عواض عسيري، السعودية وباكستان: علاقات راسخة في عالم متغير، (الرياض: المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، 1447هـ).
([13]) مركز تقدم للسياسات، باكستان بين إعادة تعريف الدور الإقليمي وتوسيع شبكة الشراكات، (25 ديسمبر 2025)، تاريخ الاطلاع: 09 يوليو 2026، https://h1.nu/1yQMf
([14]) مركز تقدم للسياسات، باكستان بين إعادة تعريف الدور الإقليمي وتوسيع شبكة الشراكات، مرجع سابق.
([15]) Dawn, Joined Gaza peace board with cabinet approval: PM,(January 25, 2026), accessed: June 29, 2026, https://www.dawn.com/news/1968931
([16]) رويترز، باكستان تنشر طائرات مقاتلة وآلاف الجنود في السعودية خلال حرب إيران، (18 مايو 2026)، تاريخ الاطلاع: 09 يوليو 2026، https://h1.nu/1tjIJ
([17]) العربي الجديد، قوات باكستانية في حضرموت تحلّ مكان الإماراتيين، (2 يونيو 2026)، تاريخ الاطلاع: 9 يوليو 2026، https://h1.nu/1yQPE
([18]) الهيئة الوطنية للإعلام، القاهرة تستضيف اجتماع وزراء خارجية الأطراف الإقليمية الأربعة، (21 يونيه 2026)، تاريخ الاطلاع: 9 يوليو 2027، https://h1.nu/1tjHV
([19]) الشرق الأوسط، «اتفاقية مكة»… شراكة دفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان، 7 أغسطس 2026، تاريخ الاطلاع: 8 أغسطس 2026، https://h1.nu/1BbPV
([20]) عبدالله المدني، باكستان تعالج اقتصادها العاجز بتصدير السلاح، البيان، (03 فبراير 2026)، تاريخ الاطلاع: 24 يونيو 2026، https://tinyurl.com/2xqcdvru
([21]) Bobby Ghosh, Where Is Pakistan Again?, foreign policy, (April 29, 2026), accessed: June 28 2026, https://tinyurl.com/227qsuc2
([22]) ميدل ايست نيوز، باكستان تفتح أراضيها لعبور البضائع إلى إيران عبر موانئ ومسارات محددة، (27 أبريل 2026)، تاريخ الاطلاع: 04 يوليو 2023، https://h1.nu/1s-5A
([23])الشروق، باكستان وتركيا تعززان التعاون الثنائي في القطاع البحري والنقل، (04 يوليو 2026)، تاريخ الاطلاع: 05 يوليو 2026، https://h1.nu/1s-8n
([24]) وحدة الدراسات الآسيوية، باكستان و«مجلس السَّلام» وقوة الاستقرار الدولية في غزة، مرجع سابق.
([26]) رويترز، باكستان تخطط لزيادة احتياطياتها النفطية وسط أزمة مضيق هرمز، (26 مايو 2026)، تاريخ الاطلاع: 10 يوليو 2026، https://goo.su/6wGeYn
([27]) Azeem Ibrahim, Pakistan’s Diplomatic Pivot Makes It a Trump-Era Power Player, Ibid,
([28]) Atlantic Council experts, What the US-Iran deal means for the rest of the Middle East , Ibid.
([29]) أسامة علي، باكستان في ليبيا بدفع أميركي وإقليمي… ما حظوظ الوساطة وحدود التأثير؟، (10 يوليو 2026)، تاريخ الاطلاع: 10 يوليو 2026، https://h1.nu/1yURE
([30]) العرب، مغامرة باكستان المحفوفة بالمخاطر في الشرق الأوسط، (19 يناير، 2026)، تاريخ الاطلاع: 28 يونيو 2026، https://tinyurl.com/2cz9q6jh
([31]) وهيب اليتريبي، التحالف الرباعي: هل يبدأ الشرق الأوسط عهد الاستقلال الأمني؟، نيشان الآن، (23 مارس 2026)، تاريخ الاطلاع: 10 يوليو 2026، https://www.nichanealane.ma/112680/
([32]) Surbhi Gupta, Pakistan Is Taking on a New Role in the Middle East, (April 28, 2026), accessed: June 28 2026, https://tinyurl.com/2cc7vupm
([33]) أحمد الشيخ، توافق واسع بين الصين وباكستان بشأن تعزيز العلاقات الاستراتيجية، الشرق الأوسط، (26 مايو 2026)، تاريخ الاطلاع: 10 يوليو 2026، https://h1.nu/1tnyT
([34]) محمد صابرين، هل تحقق الرباعية أمن الشرق الأوسط؟، الأهرام اليومي، (08 يوليو 2026)، تاريخ الاطلاع: 10 يوليو 2026، https://goo.su/91KRs
([35]) ناصر الزيادات، الشرق الأوسط الجديد.. صعود الكتلة الإقليمية التي تعيد رسم موازين القوى، الجزيرة نت، (23 يونيو 2026)، تاريخ الاطلاع: 10 يوليو 2026، https://h1.nu/1yUQK
([36]) وكالة خبر الفلسطينية للصحافة، باكستان تعلن رفضها التطبيع – وغراهام يشكك بنزاهة إسلام آباد كوسيط، (28 مايو 2026)، تاريخ الاطلاع: 12 يوليو 2026، https://h1.nu/1z8N9
([37]) Ismail Dilawar, Pakistan’s fragile economic recovery faces risk as Iran conflict raises escalation fears, (01 March 2026), accessed: 28 June 2026, https://tinyurl.com/24go5ocm
([38]) نسرين مصطفى، الجغرافيا والنووي.. مفاتيح الوساطة الباكستانية في الشرق الأوسط،(13 أبريل 2026)، تاريخ الاطلاع: 13 يوليو 2026، https://h1.nu/1z8T0
([39]) i24NEWS، تغريدة وزير خارجية باكستان التي أغضبت إسرائيل وهاجمها نتنياهو بشدة،( 10 أبريل 2026)، تاريخ: 28 يونيو 2026، https://tinyurl.com/2958zm3a
([40]) نتنياهو يتحدث عن تشكيل تحالف ضد محاور سنية وشيعية يضم دولا عربية، (22 شباط 2026)، تاريخ الاطلاع: 12 يوليو 2026، https://h1.nu/1tBgC
([41]) سي إن إن عربي، أمير سعودي يرد وسط جدال حول الاتفاقية الدفاعية التركية الباكستانية السعودية، (808 أغسطس 2026)، تاريخ الاطلاع: 08 أغسطس 2026، https://h1.nu/1BbHT