باب المندب وحسابات إيران الإقليمية: الحوثيون بين مصالحهم الداخلية والإستراتيجية الإيرانية

https://rasanah-iiis.org/?p=39467

بواسطةحشر البدراني

ليس التصعيد الذي تشهده الساحة اليمنية منذ يوليو 2026 مجرد جولة جديدة من حلقة التصعيد العسكري المعتادة التي يشنها الحوثيون، بل يبدو أنه يشكل نقطة تحول إستراتيجية غير مسبوقة منذ عام 2022، مع استئناف الحوثيين التصعيد العسكري ضد المملكة العربية السعودية وتهديد الملاحة البحرية في مضيق باب المندب على ضوء تطورات إقليمية متسارعة. يرتبط هذا التصعيد الأخير برغبة إيران في إدخال اليمن وغيرها من دول المنطقة ضمن حساباتها وصراعاتها مع الولايات المتحدة.

بدأت هذه التطورات عندما أرسلت إيران في 3 يوليو طائرةً إيرانيةً تابعة لشركة ماهان إير إلى مطار صنعاء، في أول رحلة من نوعها منذ أن فرضت الحكومة اليمنية الشرعية حظراً على الطيران الإيراني في المجال الجوي اليمني عام 2015. ووفقاً لما أعلنه الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لم تكن الرحلة مجرد رحلة اعتيادية، إذ أشار إلى أنها كانت تُقِل وفداً ضم قيادات من الحرس الثوري الإيراني وخبراءً في الاتصالات والتقنيات الإلكترونية، إلى جانب تقنيات متقدمة لرقائق التوجيه.

وتتَّضح الصورة أكثر على ضوء هذه المؤشرات، لا سيما مع محاولة طائرة إيرانية أخرى الهبوط في 13 يوليو. وقد مُنعت الطائرة من الهبوط في صنعاء، كما استُهدف مدرج المطار، قبل أن تتجه إلى الحديدة.

بعد ذلك انتقل التصعيد مباشرةً من المستوى السياسي إلى المستوى العسكري، عندما شن الحوثيون هجوماً على مطار أبها الدولي داخل الأراضي السعودية، أعقبه إعلان ما سمّوه “الحصار البحري على الملاحة السعودية” في 20 يوليو، وصولاً إلى استهداف سفن سعودية وسفن أخرى؛ وهنا تحديداً تبرز أهمية النظر إلى المشهد بما يتجاوز الأحداث العسكرية المباشرة.

وتُشير التطورات التي بدأت في يوليو 2026 إلى أن إيران تسعى إلى توظيف الجبهة الحوثية ضمن معادلة ضغط إقليمية أوسع. فكما يمثِّل مضيق هرمز ورقةً إستراتيجيةً في الحسابات الإيرانية، يمكن لباب المندب أن يتحوَّل إلى ورقة مماثلة إذا استمرَّت التهديدات للملاحة البحرية عبره.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم حشد الحوثيين ضد المملكة العربية السعودية والملاحة البحرية في باب المندب باعتباره جزءًا من إستراتيجية إيرانية تقوم على إيجاد أدوات ضغط متعددة. وتسعى إيران من خلال ذلك إلى توسيع نطاق التهديد وإجبار الأطراف الدولية على التعامل مع أكثر من مصدر للضغط في الوقت نفسه.

حسابات الحوثيين الخاصة

يقول الواقع إن للحوثيين دوافعهُم السياسية والاقتصادية والعسكرية الخاصة، التي تتقاطع بدورها مع المصالح الإيرانية. فمن الناحية السياسية، لا يستطيع الحوثيون تقديم الصراع لأنصارهم وللرأي العام اليمني على أنه مجرد معركة تخدم الحسابات الإيرانية. ولذلك يحتاجون إلى رواية محلية تتمحورُ حول “الحصار” وتصوّرُ المملكة العربية السعودية باعتبارها “عدوًا”، بما يسمح لهم بتقديم التصعيد باعتباره جزءًا من مواجهة ترتبط باليمن والشعب اليمني.

كما يمكن أن يؤدي التصعيد الخارجي وظيفةً سياسيةً داخلية تتمثَّل في تحويل انتباه الرأي العام عن المشكلات الداخلية نحو تهديد خارجي، وإعادة ترتيب الأولويات حول الحرب والمواجهة.

ادعاء الحصار يناقضهُ الواقع

ردًا على الرواية الحوثية، رفض بيانٌ لوزارة الخارجية السعودية الادعاءات المتعلقة بفرض حصار، موضحاً أن المملكة عملت على مدى سنوات مع الحكومة الشرعية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني، وواصلت تنفيذ المشاريع التنموية ودعم موازنة الحكومة اليمنية.

والأهم أن البيان أشار إلى أن موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى استقبلت أكثر من 300 سفينة خلال النصف الأول من عام 2026، محملةً بالمواد الغذائية والسلع التجارية والوقود ومواد البناء.

وبالنظر إلى هذه الأرقام، لا تبدو رواية “الحصار” وحدها تفسيراً كافياً للأزمة الاقتصادية والإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. لكن وراء الاتهامات الحوثية بُعدٌ اقتصاديٌ أيضًا. ففي ظل أزمتهم الاقتصادية وحاجتهم المستمرة إلى الموارد، يحتاج الحوثيون إلى مصادر تمويل تُتيح لهم الحفاظ على هياكلهم العسكرية والأمنية.

ومن هذه الزاوية، يمكن تفسير إعلان “الحصار البحري” باعتباره محاولةً لتحقيق عدَّة أهداف، يأتي في مقدمتها ممارسة الضغط للحصول على حصة من عائدات النفط والغاز التي تُديرها الحكومة اليمنية.

وهنا تكمُن أهمية مراقبة التطورات المستقبلية؛ فهناك فرقٌ كبير بين استخدام التهديد للملاحة البحرية كورقة سياسية مؤقتة، وبين إقامة نموذج اقتصادي مستدام يقوم على التحكم في حركة السفن.

العدو الخارجي والضغط الداخلي

مع تغير المعادلة العسكرية والسياسية المتعلقة بالحكومة اليمنية الشرعية في بداية عام 2026، وظهور مؤشرات على تنامي الاستياء القبلي من الحوثيين في الجوف وعمران، يواجه الحوثيون ضغوطاً داخلية متزايدة. وفي مثل هذا الوضع، يمثِّل التصعيد العسكري أحد أبرز الأدوات التي يمكن للحوثيين استخدامها لتخفيف الضغوط الداخلية وتوسيع هامش تحركهم، من خلال خلق ذرائع لتشديد قبضتهم على المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

ويمنحُ خلقُ عدوٍ خارجي الحوثيين مبرراً لإعادة تنظيم صفوفهم وفرض التعبئة وتشديد الإجراءات الأمنية والعسكرية وتوسيع نقاط التفتيش، ومواجهة أي مظاهر للتمرد أو الاضطرابات الداخلية. ولا تتحول الحرب الخارجية في هذا السياق إلى وسيلة لمواجهة خصمٍ خارجيٍ فحسب، بل تُصبح أيضاً أداةً لحماية السلطة في الداخل.

وهنا تتقاطع مصالح الحوثيين بوضوح مع المصالح الإيرانية. فإيران تحتاج إلى جبهة إضافية يمكن توظيفها في إدارة الصراع الإقليمي، بينما يحتاج الحوثيون إلى بيئة صراع تُساعدهم على احتواء الضغوط الداخلية. وفي هذا السياق، لا يعني البحث عن أوراق ضغط إضافية بالضرورة تحقيق مكاسب إستراتيجية، بل قد يعكسُ تصاعد الضغوط التي يواجهها الطرفان وحاجتهما إلى توسيع هامش المناورة في ظل تضاؤل الخيارات الإستراتيجية المتاحة أمامهما.

اليمن يدفع الثمن

في نهاية المطاف، تكشفُ التطورات التي شهدتها الساحة اليمنية منذ يوليو 2026 عن تقاطع بين مشروعين مدمرين. إذ تسعى إيران إلى توسيع أدوات الضغط المتاحة لها في مواجهة الولايات المتحدة وخصومها الإقليميين، بينما يسعى الحوثيون إلى استغلال التصعيد لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية وعسكرية تُعزز قدرتهم على البقاء وإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

ويقفُ اليمن والشعب اليمني بين هذين المشروعين. فحين تُسحب جغرافية اليمن وباب المندب إلى قلب الصراعات والحسابات الإقليمية، يُصبح المدنيون اليمنيون من الأطراف الأكثر تعرُّضاً لتبعات هذه المعادلة.

لذلك، فإن التعامل مع الحوثيين باعتبارهم فاعلاً يمنياً مستقلاً تماماً ومنفصلاً عن ارتباطاتهم الإقليمية يعني تجاهلَ جانبٍ مهمٍ من طبيعة الأزمة. وفي المقابل، فإن اختزالهم في مجرد أداة إيرانية يتجاهل حساباتهم المحلية الخاصة، رغم الدور الإيراني الكبير في تعزيز قدراتهم المختلفة.

وعليه، لا يقتصر المطلوب على إدانة التصعيد كلما وقع، بل يتعين معالجة البيئة التي تُتيح تحويل اليمن إلى منصة لإدارة صراعات الآخرين، من خلال اتخاذ موقف دولي أكثر حزماً تجاه السلوك الإيراني والحوثي، وتقديم الدعم السياسي والاقتصادي والأمني للحكومة اليمنية الشرعية، بالتوازي مع إطلاق مسارٍ جاد لمعالجة جذور الأزمة اليمنية. فالمعادلة في باب المندب لم تعُد مجرد صراع على ممر بحري، بل أصبحت اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على منع تحويل اليمن إلى ورقة تفاوض في حرب لا تخدم الشعب اليمني.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد

حشر البدراني
حشر البدراني
باحث في الشؤون الإقليمية في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية