وقّعت المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا مؤخرًا اتفاقًا للدفاع المشترك في مكة المكرمة، أُطلق عليه «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، ويأتي هذا الاتفاق ثمرة سنوات من التعاون الوثيق والمشاورات المكثفة الرامية إلى تعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين، من خلال تدعيم القدرات الدفاعية الجماعية وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي للبلدان الثلاث.
ويكتسب توقيع الاتفاق في مكة المكرمة أهمية رمزية، تعكس مكانة الاتفاق وأهميته. وفي الوقت نفسه، فإن الاتفاق يستند في جوهره إلى مصالح أمنية واقتصادية واستراتيجية مشتركة. ووفقًا للبيان الرسمي، يهدف الاتفاق إلى « تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، وتنص على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، كما تُعنى الاتفاقية بتطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي بينهم». ومع بعض التحفظات، يشبه هذا البند منطق الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي «الناتو»، إذ يقرر أن أي هجوم مسلح على أي دولة من الدول الثلاث سيُعد هجومًا على الدول الثلاث جميعًا.
وقد جاء الاتفاق تتويجًا لأكثر من عام من المفاوضات وعدد من الاجتماعات رفيعة المستوى، وليس إجراءً ارتجاليًا اتُّخذ كرد فعل على ظرف طارئ. فلم يظهر الاتفاق فجأة أو نتيجة محفزات معينة؛ بل كانت المشاورات المكثفة جارية منذ سنوات بهدف تعزيز القدرات الدفاعية ودعم الاستقرار الإقليمي.
وثمة عوامل عدة تجعل هذا الاتفاق ذا أهمية خاصة. وفي مقدمتها توقيته، الذي يعكس المخاوف المشتركة للدول الثلاث إزاء البيئة الأمنية المتغيرة بسرعة في المنطقة؛ فقد حذرت السعودية منذ فترة طويلة من المخاطر التي تفرضها حالة عدم الاستقرار على خطوط الملاحة البحرية الاستراتيجية، ومن تداعيات الصراعات الإقليمية على التجارة العالمية. وقد كشف تزايد الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر ومضيق هرمز عن مواطن الضعف التي تواجه البنية التحتية الحيوية وإمدادات الطاقة والتجارة البحرية.
وفي السياق الراهن، تساور الدول الثلاث هواجس أمنية مشتركة، مع احتفاظ كل منها باعتبارات جيوسياسية خاصة. ومن المنظور السعودي، يمكن فهم منطق الاتفاق جزئيًا من خلال مفهوم توازن التهديد، إذ تسعى الرياض إلى التعامل مع مزيج متزايد التعقيد من التهديدات الإقليمية. وعلى الرغم من أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها، فإنه يسعى إلى معالجة مواطن الضعف البنيوية الأوسع في البيئة الأمنية الإقليمية، وتعزيز الردع الجماعي. وبذلك، تجمع الدول الثلاث بين قدرات متكاملة لتعزيز أمن كل منها على حدة، والمساهمة في الوقت نفسه في بناء منظومة أمن إقليمية أكثر تنوعًا وقدرة على الصمود. وبالنسبة إلى الرياض، يتكامل ذلك أيضًا مع جهودها الأوسع لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية؛ فقد أمضت السعودية السنوات الأخيرة في توطيد علاقاتها مع قوى عالمية وإقليمية، بالتوازي مع الاستثمار في قدراتها العسكرية الخاصة.
وتكمن قوة الاتفاق في الواقع في تكامل القدرات التي تمتلكها كل دولة؛ فباكستان تتمتع بقوات مسلحة متقدمة وذات خبرة، وهي الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تمتلك ترسانة نووية، تظل مكونًا بالغ الأهمية في منظومة الردع الجماعي. ولا تستند القوة العسكرية الباكستانية إلى قواتها التقليدية وقدراتها الجوية فحسب، بل تعتمد بصورة متزايدة على قاعدتها الصناعية الدفاعية الآخذة في النمو. وقد أتاحت هذه القدرات بالفعل مجالات مهمة للتعاون العسكري مع السعودية، ومن المرجح أن يؤدي الاتفاق الثلاثي الجديد، إلى جانب التطورات الثنائية القائمة، إلى تعميق هذا التعاون وتوسيع نطاقه. وكانت السعودية وباكستان قد وقعتا «اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك» العام الماضي، وبحسب تقارير، نشرت باكستان 8000 جندي وسربًا من الطائرات المقاتلة ومنظومة للدفاع الجوي في السعودية.
أما تركيا، فتضيف إلى الاتفاق بُعدًا مهمًا بصورة خاصة، من خلال عضويتها في حلف الناتو وقدراتها الصناعية الدفاعية. وباعتبارها صاحبة ثاني أكبر قوة عسكرية في الناتو، تسهم تركيا بخبراتها وإمكانية الوصول إلى التكنولوجيا المتوافقة مع معايير الحلف، فيما تضفي مشاركتها طبقة إضافية من الأمن.
وقد حققت تركيا خلال السنوات الأخيرة قفزة كبيرة في صادراتها الدفاعية، إذ تجاوزت صادراتها الدفاعية حاجز 10 مليارات دولار في عام 2025، لتصل إلى نحو 10.05 مليارات دولار، مع أداء لافت لصناعة الطائرات المسيّرة على وجه الخصوص. وسجلت شركة بايكار وحدها صادرات بقيمة 2.2 مليار دولار العام الماضي، ما يبرز تنامي مكانة تركيا بوصفها موردًا عالميًا رئيسيًا للطائرات المسيرة. علاوة على ذلك، كشفت تركيا مؤخرًا عن أول صاروخ باليستي عابر للقارات لديها، أطلقت عليه اسم «يلديرمهان|Yıldırımhan». وعلى الرغم من أن إنتاجه لم يبدأ بعد، فإن مثل هذه التطورات تعكس طموح أنقرة إلى توسيع قدراتها الاستراتيجية في مجال الصواريخ. كما أن تنامي الخبرات التركية في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ والأنظمة المطورة محليًا جعل من صادراتها الدفاعية أداة للنفوذ الجيوسياسي.
ومن المهم الإشارة إلى أن بُعد الطائرات المسيّرة يكتسب أهمية خاصة في البيئة الأمنية الراهنة، إذ يؤدي الاستخدام المتزايد للأنظمة غير المأهولة إلى تغيير جوهري في ميدان المعركة الحديثة وطبيعة الحرب المعاصرة. فقد جعلت تكلفتها المنخفضة نسبيًا، وقدرتها على العمل لمسافات طويلة، وتطورها المتزايد، الطائرات المسيّرة عنصرًا محوريًا في المراقبة والضربات الدقيقة والحرب غير المتكافئة.
وبالنسبة إلى السعودية، يخدم التعاون مع تركيا أيضًا هدفها طويل الأمد المتمثل في تطوير صناعتها الدفاعية المحلية. ولا تزال القوى الإقليمية تواجه مواطن ضعف ناجمة عن اعتمادها على موردي الأسلحة الأجانب، ولذلك وضعت السعودية توطين الصناعات الدفاعية في صميم تحولها الاقتصادي الأوسع، إدراكًا منها لأهمية توطين هذه القدرات. وفي هذا الصدد، أفادت الهيئة العامة للصناعات العسكرية في السعودية بأن نسبة توطين الإنفاق العسكري بلغت 24.89% في عام 2024، مع استهداف تجاوزها 50% بحلول عام 2030. وتكتسب الخبرة العسكرية التركية الواسعة أهمية خاصة في هذا السياق، لاسيما بعدما أسست الشراكة المتنامية بين البلدين بالفعل قاعدة لتعاون دفاعي أوسع وأكثر مؤسسية. ففي عام 2024، وقعت السعودية مذكرات تفاهم مع شركات دفاعية تركية، مثل «بايكار» و«أسيلسان» و«فرغاني سبيس»، لدعم توطين صناعة الطائرات المسيّرة والتقنيات الفضائية الناشئة. ويُبرز تحليل نطاق اتفاق مكة بالتزامن مع هذه التطورات وجود رؤية مشتركة لتوطين القدرات الدفاعية، بما يخدم بدوره استراتيجية الردع الأوسع والاستقلالية الاستراتيجية.
ومن خلال تقديم الاتفاق باعتباره اتفاقًا دفاعيًا وقابلًا على توسيع نطاق التعاون، يهدف هذا الإطار إلى الحفاظ على قدر أكبر من المرونة الدبلوماسية. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى السعودية، التي انتهجت الدبلوماسية وخفض التصعيد رغم تعرضها للاستهداف في مناسبات عدة خلال الحرب مع إيران. ويستند الاتفاق إلى إدراك مشترك بأن الاستقرار الإقليمي ضروري للمصالح الأوسع للدول الثلاث، وأن الدبلوماسية تظل الوسيلة الأهم لمعالجة النزاعات الإقليمية ومنع التصعيد. فتتطلب رؤية السعودية 2030 استقرارًا واستثمارات مستدامة، بينما ترتبط المصالح الجيوسياسية لتركيا بالتجارة والترابط الإقليمي، في حين تتحمل باكستان تكاليف اقتصادية مرتفعة جراء استمرار عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. ومن ثم، يوفر أمن الطاقة والملاحة وحماية طرق التجارة أرضية مشتركة مهمة للدول الثلاث.
كما يتضح تقارب جيوسياسي أوسع في مواقف الدول الثلاث من قضايا مختلفة، من بينها القضية الفلسطينية. فقد استخدمت السعودية وتركيا وباكستان ثقلها الدبلوماسي بصورة متسقة لدعم قيام دولة فلسطينية ومعارضة العدوان الإسرائيلي. واضطلعت السعودية بدور مهم بصورة خاصة، إذ استضافت قمتي الرياض العربية والإسلامية الاستثنائيتين في عامي 2023 و2024 لتنسيق المواقف الدبلوماسية الجماعية إزاء حرب غزة. وترى الدول الثلاث بأن الاستقرار الإقليمي طويل الأمد لا يمكن تحقيقه من دون معالجة القضية الفلسطينية، وهو ما يتيح لها مواءمة اعتباراتها السياسية بصورة وثيقة.
وفي نهاية المطاف، يعكس اتفاق مكة التغير في الكيفية التي تنظر بها القوى الإقليمية إلى الأمن والتحولات الجيوسياسية العالمية، ولا سيما في ظل المشكلات البنيوية والمخاطر الأمنية الإقليمية المتطورة. وتتمثل الأجندة الأساسية في تنويع الشراكات، وتطوير القدرات المحلية، وتوسيع خيارات الردع. وبدلًا من النظر إلى الاتفاق باعتباره ترتيبًا هجوميًا قد يؤدي إلى تصعيد عدم الاستقرار الإقليمي أو تفاقم المعضلة الأمنية، ينبغي النظر إليه باعتباره محاولة لتعزيز القدرة الجماعية على تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية، وتحمل قدر أكبر من المسؤولية في مواجهة التحديات الأمنية، على نحو يتماشى مع أولويات المجتمع الدولي الأوسع.
ويتضح ذلك أيضًا من التصريحات والمواقف الصادرة عن الرياض وأنقرة وإسلام آباد. فالدول الثلاث تسعى إلى تجنب الاعتماد المفرط على ضامن أمني واحد، وتعزيز نطاق علاقاتها مع طيف أوسع من الشركاء الأمنيين، وهو اتجاه أوسع أصبح واضحًا خلال السنوات الأخيرة. وبصورته الحالية، يهدف اتفاق مكة في جوهره إلى إنشاء إطار مرن للتعاون يمكنه التكيف مع التحولات المتواصلة في الديناميات الأمنية الإقليمية والعالمية.