لبنان عند مفترق الدبلوماسية الأمريكية‑الإيرانية: ساحة اختبار لاستقرار الإقليم

https://rasanah-iiis.org/?p=39129

بواسطةكلمون تيرم

تحوّل الاشتباك بين إسرائيل وحزب الله منذ أكتوبر 2023 من مناوشات حدودية محدودة إلى أحد أبرز مسارح الاضطراب الإقليمي في الشرق الأوسط، وفي هذا السياق، برز لبنان كإحدى الساحات الحاسمة في الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار الإقليمي، ومع إعادة فتح قنوات التواصل بين واشنطن وطهران بحذر عقب الحرب التي استمرت أربعين يوماً بين 28 فبراير و8 أبريل 2026، برز خلاف جوهري حول ما إذا كان وقف إطلاق نار دائم على الحدود اللبنانية‑الإسرائيلية ينبغي أن يُربط بالمفاوضات الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.

ففي حين تصرّ طهران على أن التطورات في لبنان جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الإقليمي، تسعى واشنطن وشركاؤها الإقليميون إلى فصل الملف اللبناني عن مسارات التفاوض الثنائية، انطلاقًا من قناعةٍ أنَّ الصراع بين إسرائيل من جهة ومحور إيران‑حزب الله من جهة أخرى متجذّر وعصيّ على الحل في المدى المنظور، أما المواجهة الأمريكية‑الإيرانية رغم تعقيداتها، فتبدو أكثر قابلية للإدارة والتهدئة أو حتى التجميد المؤقت، بما يسمح بالمضي في المسار الدبلوماسي دون انتظار تسوية الصراع اللبناني‑الإسرائيلي الأكثر تعقيدًا.

وقد ازدادت معضلة الربط والفصل تعقيدًا مع التطورات الأخيرة، فمذكرة التفاهم التي أُعلن عنها في 14 يونيو 2026م بين الولايات المتحدة وإيران تتضمن – وفق التسريبات – وقفًا لإطلاق النار على جميع الجبهات — بما فيها لبنان —ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية وترتيبات خاصة بالملاحة في مضيق هرمز، ورغم غياب التفاصيل الرسمية، إلا أن  الاتفاق  يبدو متسقًا مع تفضيل واشنطن التاريخي لفصل الأزمات الإقليمية بهدف إحراز تقدم في ملفات الأمن البحري والعقوبات والبرنامج النووي، غير أن الأحداث التي رافقت الإعلان عن الاتفاق كشفت في الوقت نفسه حدود هذا النهج، فقبل ساعات فقط من الإعلان عن المذكرة، أدّى قصف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى مقتل القيادي في حزب الله علي الحاج، ما دفع طهران إلى التهديد بردٍ مباشر، وتشير تقارير إلى أن امتناع إيران عن التصعيد جاء بعد تعديلات أُدخلت في اللحظات الأخيرة على الاتفاق، في إشارةٍ واضحةٍ إلى إصرارها على أن الساحة اللبنانية لا يمكن فصلها عن الترتيبات الأمنية الإقليمية.

وتكشف هذه الحادثة التوتر البنيوي بين منطقين دبلوماسيين متعارضين، إذ تسعى واشنطن من جهةٍ إلى عزل الساحة اللبنانية للحفاظ على مسار تفاوضي قابل للاستمرار مع طهران، بينما ترى إيران في حزب الله ركنًا أساسيًا في منظومة ردعها المتقدمة، وتعتبر أي استهداف إسرائيلي له مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا في أي تسويةٍ إقليمية.   ورغم أن اتفاق يونيو 2026م يثبت قدرة الطرفين على التوصل إلى تفاهمات محدودة رغم استمرار الاشتباكات في لبنان، فإن أزمة الضاحية الجنوبية تؤكد أنَّ الجبهة اللبنانية ما تزال قادرةً على تعطيل أو إعادة تشكيل مسار الدبلوماسية الأمريكية‑الإيرانية، وبذلك، لا يحسم الاتفاق الجدل بين منهجي الربط والفصل، بل يكشف واقعًا أكثر تعقيدًا تُداخل فيه المسارات وتتعايش فيما بينها على نحو متوترٍ ومحمّل بالقيود المتبادلة.

ومنذ نهاية الحرب الإيرانية التي استمرت أربعين يومًا، أصبح الصراع بين إسرائيل وحزب الله عقبةً إضافيةً أمام الجهود الدبلوماسية الرامية إلى بلورة تفاهم أوسع بين واشنطن وطهران، فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى إحراز تقدم في ملفات البرنامج النووي وتخفيف العقوبات وأمن الملاحة في الخليج، تصرّ إيران على إدراج الساحة اللبنانية ضمن أيّ إطارٍ شاملٍ لخفض التصعيد، ومن منظور طهران لا يمكن التعامل مع لبنان كملفٍ منفصلٍ، لأنَّ استمرار المواجهة بين إسرائيل وحزب الله يحمل مخاطر توسّع إقليمي.

وفي الوقت نفسه، تخدم درجة محسوبة من التصعيد في لبنان أهدافاً استراتيجية أوسع لإيران بما ينسجم مع عقيدة «وحدة الجبهات» التي تربط بين ساحات المواجهة المختلفة لتعويض اختلال ميزان القوى التقليدي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن خلال الضغط عبر حلفائها مثل حزب الله تسعى طهران إلى تأكيد أنَّ أزمات المنطقة مترابطة ولا يمكن معالجتها بمعزل عن بعضها. ومن خلال هذا النهج، تسعى طهران إلى صياغة معايير أي اتفاق مستقبلي مع واشنطن بما يضمن الاعتراف بنفوذها الإقليمي ومصالحها الأمنية، بدلاً من حصر المفاوضات في الملف النووي وحده.

ومن خلال ربط إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف القيود البحرية بوقف إطلاق النار في لبنان، يسعى المسؤولون الإيرانيون إلى توظيف نفوذهم على حزب الله لانتزاع مكاسب سياسية واستراتيجية أوسع، ويعكس هذا النهج قدرة إيران -المتراجعة نسبيًا والمؤثرة على حدٍ سواء- على استخدام شبكتها الإقليمية رغم الضربات العسكرية المباشرة التي تعرّضت لها في وقت سابق من العام، وقد ألمح وزيرُ الخارجية عباس عراقجي ومسؤولون إيرانيون آخرون مرارًا إلى أنَّ أيّ خرقٍ لوقف إطلاق النار في لبنان يمكن اعتباره انتهاكًا لتفاهمات إقليمية أوسع، بما قد يدفع طهران إلى إعادة تفعيل جبهات أخرى ضمن ما يُعرف بــــ «محور المقاومة».

ولكن تواجه استراتيجية الربط هذه قيودًا متزايدة، إذ تكبّد حزب الله رغم بقاء التزام إيران به ثابتًا أيديولوجيًا له خسائر كبيرة في بنيته القيادية وقدراته الصاروخية والعملياتية؛ ما قلّص قدرته على خوض مواجهات طويلة، ويعكس رفضه لبعض المقترحات المدعومة من أمريكا، لاسيما تلك المتعلقة بالانسحاب جنوب الليطاني قبل انسحاب إسرائيلي كامل، استقلاليتَه النسبية وحدود النفوذ الإيراني عليه. وعلى نطاق أوسع، تتعرض شبكة النفوذ الإقليمي لطهران لضغوطٍ متزايدةٍ مع اتساع ساحات الانخراط وتوزّع الموارد على أكثر من جبهة، ما يحدّ من قدرتها على إدارة هذه الملفات بالزخم نفسه الذي كانت تمتلكه سابقًا. ورغم احتفاظ إيران بقدرتها على تزويد حلفائها بالسلاح والتمويل والدعم السياسي، فإنّ قدرتها على التأثير في القرارات الميدانية اليومية قد تراجعت، ما يكشف هشاشة الاعتماد على فاعلين غير دوليين لا تتطابق مصالحهم دائمًا مع إيران. وفي الوقت نفسه، أدّت الصعوبات الاقتصادية الناتجة عن العقوبات وتراجع الصادرات النفطية والأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب إلى تضييق هامش المناورة أمام طهران، ودفعها إلى تبنّي مقاربة أكثر براغماتية في إدارة الدبلوماسية غير المباشرة.

وعلى ساحات الصراع، تستمر العمليات العسكرية بلا انقطاع، فإسرائيل تواصل ضرباتها في جنوب لبنان بما في ذلك مدينة صور، بينما يخوض حزب الله مواجهات مع القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، وقد فتح الحزب هذه الجبهة عقب اندلاع الحرب الإيراني في فبراير مقدمًا تدخله ردًا على  مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وجزءًا من صراع إقليمي أوسع ضد إسرائيل وحلفائها.

ومن جهتها تتبنى إسرائيل نهجًا يقوم على فصل الساحة اللبنانية عن المفاوضات الأمريكية‑الإيرانية، معتبرةً أنَّ وجود حزب الله على حدودها الشمالية يشكل تهديدًا مباشرًا يستوجب معالجة مستقلة، لذا تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية رغم المبادرات الداعية لوقف إطلاق النار بالتوازي مع دعمها لمباحثات أمريكية‑لبنانية تهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية وتقليص نفوذ حزب الله، ومن خلال إصرارها على انسحاب حزب الله من المناطق الحدودية وفرض ترتيبات أمنية قابلة للتحقق، تسعى إسرائيل إلى تثبيت المكاسب التي حققتها عبر عملياتها العسكرية الأخيرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية تحركها بعيدًا عن أيّ قيودٍ قد تفرضها الديناميات الدبلوماسية الإقليمية الأوسع.  أما بالنسبة للضربة الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية ببيروت في 7 يونيو 2026م، فقد دفعت إيران إلى التدخل عسكريًا لحزب الله في تأكيدٍ جديدٍ على الترابط الذي تراه طهران بين أمن حليفها اللبناني ومنظومة ردعها الإقليمية، كما شكّلت الضربات الإيرانية ضد إسرائيل رسالة استراتيجية ترمي -إلى جانب تطمين حزب الله- إلى إظهار الفوارق بين الموقفين الأمريكي والإسرائيلي حيال مدى ملاءمة التصعيد العسكري وحدوده الممكنة.

وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة سياسة «الفصل بين الساحات الصراع»، معتبرةً أنَّ تهدئة الجبهة اللبنانية ضرورية لمنع توسّع الصراع بما يهدد مسارها الدبلوماسي مع إيران ويزعزع أسواق الطاقة العالمية، أما الحكومة اللبنانية فتبقى عالقة بين ضغوط دولية لإعادة الاستقرار وبين واقع داخلي يكرّس نفوذ حزب الله السياسي والعسكري.

ويمثّل الإعلان عن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران خطوة مهمة على مسار خفض التصعيد، كما يعكس رغبة الطرفين في تثبيت وقف إطلاق النار الذي أعقب حرب فبراير–أبريل 2026. ورغم أن الترتيبات المباشرة للتهدئة تشكّل محور الاتفاق، فإن الجانبين ما زالا ينظران إلى أدوات الضغط العسكرية والدبلوماسية باعتبارها وسائل أساسية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بعد الحرب، إذ تسعى طهران إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي وضمان أن أي بنية أمنية مستقبلية تراعي مصالحها ومصالح حلفائها، بينما تصرّ إسرائيل على الاحتفاظ بحرية العمل ضد ما تعتبره تهديدات إيرانية مستمرة.  وعليه ورغم الزخم الدبلوماسي سيبقى الاستعراض العسكري والمساومة القسرية جزءًا لا يتجزأ من ديناميات السياسة الإقليمية.

ولا يُنهي الاتفاق التنافس الجيوسياسي بقدر ما يفتتح مرحلة جديدة تتعايش فيها المفاوضات مع الردع، ويكمنُ التحدي أمام جميع الأطراف في تحويل وقف إطلاق النار الهش والتفاهم السياسي الأولي إلى إطار أمني إقليمي أوسع وأكثر استدامة، أما ما إذا كانت هذه الانفراجة الدبلوماسية ستتطور إلى تسوية دائمة أم ستبقى مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من المواجهة فسيعتمد على قدرة الفاعلين الرئيسيين على ترجمة التفاهمات التكتيكية إلى ترتيبات استراتيجية طويلة الأمد.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد

كلمون تيرم
كلمون تيرم
زميل غير مقيم في «رصانة» وباحثٌ مشارك في كلية الدراسات المتقدّمة في العلوم الاجتماعية في باريس