المأزق الأمريكي–الإيراني: لماذا تعجز الدبلوماسية والقوة العسكرية عن حسم المواجهة؟

https://rasanah-iiis.org/?p=39285

بواسطةكلمون تيرم

دخلت الولايات المتحدة وإيران في مأزق مزدوج، فلم تعُد المفاوضات قادرةً على التوفيق بين أهداف سياسية متعارضة، كما أن الخيار العسكري لم يعُد قادرًا على تحقيق النتائج الاستراتيجية التي تسعى إليها واشنطن. ولهذا السبب، تتكرر موجات التفاؤل الدبلوماسي لتتبعها سريعًا تهديدات جديدة بالتصعيد، بما يوحي بوجود حراك سياسي، من دون تحقيق أي تقدم حقيقي.

وتجسِّد أحدث تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه المفارقة الاستراتيجية بوضوح، حين قال إن الولايات المتحدة وإيران تجريان «محادثات عميقة جدًا»، محذرًا في الوقت نفسه من أن فشلها سيقود إلى «عمل عسكري قوي جدًا». فمن جهة، يبدو أن الحكومتين حريصتان على إظهار أن المسار الدبلوماسي لا يزال قائمًا. ومن جهة أخرى، ترافق كل رسالة سياسية تقريبًا تهديدات عسكرية صريحة، بما يعكس اقتناع الطرفين بأن المفاوضات وحدها لن تفضي إلى نتيجة مقبولة، لكن العقبة الحقيقية لا تكمن في غياب التواصل الدبلوماسي، بل في أن كلاً من الدبلوماسية والإكراه العسكري قد وصلا إلى حدودهما القصوى.

ويكشف التفاؤل الذي أحاط بالجهود الدبلوماسية الأخيرة هذا التناقض بجلاء؛ فقد أشار ترامب إلى أن البلدين باتا قريبين من التوصل إلى اتفاق، مؤكدًا أن المفاوضات تتقدم بسرعة، وأنها «إما أن تسير بسرعة أو لا تسير إطلاقًا». ومع ذلك، لا توجد أدلةٌ تُذكر على أنّ أيًا من الطرفين غيَّـر موقفه التفاوضي بصورة جوهرية؛ فما تزال إيران تُصر على الاعتراف بسلطتها على مضيق هرمز، فيما تواصل الولايات المتحدة رفض أيَّ تعديل للوضع القائم الذي سبق الحرب. وقد تحدَّث مسؤولون إقليميون، رفضوا الكشف عن هوياتهم، عن «تقدم» أحرزته الوساطة العُمانية، لكن صيغ التسوية المطروحة، بحسب التقارير، لا تختلف عن تلك التي طُرحت قبل أسابيع. وإذا لم يتحرك أيّ من الطرفين ولم تتغير مقترحات الحل، فإن الزخم الدبلوماسي الظاهر يعكس رسائل سياسية أكثر مما يعكس تقاربًا حقيقيًا في المواقف.

ويعود تعثر المفاوضات إلى أن طبيعة النزاع نفسها تغيرت بصورة جوهرية؛ ففي جولات التفاوض السابقة، انصبَ النقاش أساسًا على العقوبات، وتخصيب اليورانيوم، وعمليات التفتيش النووي، وآليات التحقق. ولا تزال هذه القضايا مهمة اليوم، لكنها لم تعُد تمثل جوهر الخلاف الاستراتيجي؛ فقد حوَّلت إيران اهتمامها تدريجيًا من الحوافز الاقتصادية إلى هدف جيوسياسي أوسع، يتمثَّل في انتزاع اعتراف دائم بنفوذها على مضيق هرمز، بحيث تصبح جميع السفن المارة ملزمة بالتنسيق مع السلطات الإيرانية، مع إمكانية فرض رسوم عبور مستقبلًا. وبالنسبة لطهران، بات هذا الهدف أكثر قيمة من المكاسب المالية التي كانت ترتبط سابقًا برفع العقوبات.

وقد غيّر هذا التحول معادلة التفاوض من أساسها، لأن القضية لم تعد تقنية، بل أصبحت سياسية بامتياز؛ فإيران لم تعد تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره مجرد مسرح عسكري، وإنما أصلًا استراتيجيًا قادرًا على إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة بصورة دائمة. ويبدو أن القيادة الإيرانية مقتنعة بأن العمليات العسكرية الأخيرة أوجدت فرصة لترسيخ وضع إقليمي جديد يعزز نفوذها على المدى الطويل. وبعد أن استثمرت قدرًا كبيرًا من رأس المال السياسي في تسويق هذا الهدف داخليًا بوصفه إنجازًا استراتيجيًا، فإن التراجع عنه سيحمل كلفة سياسية داخلية مرتفعة؛ فالقبول بالعودة إلى الوضع السابق يعني، عمليًا، الاعتراف بأن أشهرًا من المواجهة لم تحقق أي مكاسب جيوسياسية دائمة.

في المقابل، تواجه الولايات المتحدة قيودًا سياسية وقانونية لا تقل صعوبة؛ فلا تستطيع واشنطن الاعتراف علنًا بسلطة إيران على أحد أهم الممرات البحرية في العالم من دون أن تقوض من سياستها القائمة منذ عقود على حرية الملاحة ومبادئ القانون البحري الدولي. كما أن مطالبة إيران بممارسة سيادة تتجاوز الحقوق الممنوحة للدول المشاطئة بموجب القانون الدولي تتعارض مع التفسير السائد لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وقد قوبلت برفض واسع من المجتمع الدولي. وهناك إجماع دولي واسع على ضرورة الإبقاء على المضيق ممرًا مائيًا دوليًا مفتوحًا أمام العبور. ومن ثم، فإن أي اعتراف أميركي بالموقف الإيراني لن يتناقض فقط مع السياسة الأميركية الراسخة، بل سيهز أيضًا أسس النظام القانوني الدولي القائم، ويثير قلق شركاء واشنطن في الخليج، وقد يشجع قوى مراجِعة أخرى على انتهاج أساليب إكراه مشابهة في مناطق مختلفة من العالم. ولهذا، يبقى البيت الأبيض متمسكًا بإعادة الوضع القانوني والملاحي إلى ما كان عليه قبل اندلاع النزاع. ولا تكمن المشكلة في مشروعية هذا الهدف، إذ ينسجم مع التفسير السائد للقانون الدولي ويحظى بتأييد دولي واسع، وإنما في إيجاد صيغة تفاوضية تسمح للطرفين بالتوفيق بين مواقفهما العلنية المتناقضة. ومن ثم، فإن الجمود الدبلوماسي لا يعكس غياب الحوار، بل يعكس تعارض الأهداف السياسية ذاتها؛ فكلا الحكومتين تواجه اعتبارات داخلية وإقليمية تحول دون تقديم التنازلات اللازمة للتوصل إلى تسوية شاملة.

ويُثير هذا الانسداد الدبلوماسي سؤالًا بديهيًا: هل يستطيع الخيار العسكري تحقيق ما عجزت عنه المفاوضات؟ فقد كرر ترامب مرارًا أن اللجوء إلى القوة لا يزال مطروحًا إذا انهارت الجهود الدبلوماسية، بيد أن هذا الخيار يواجه بدوره قيودًا لا تقل أهمية عن تلك التي تكبل الدبلوماسية. فرغم التفوق العسكري الأميركي الساحق، فإن إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة وحدها ستصطدم بعقبات عملياتية وسياسية كبيرة؛ فالضربات السابقة التي استهدفت البنية التحتية الساحلية الإيرانية قلصت بعض القدرات العسكرية، لكنها أثبتت فاعلية محدودة في منع إيران من تهديد الملاحة البحرية. أما تنفيذ حملة عسكرية قادرة على تأمين المضيق بصورة دائمة، فسيتطلب التزامًا عسكريًا أكبر بكثير مما يُرجح أن توافق عليه واشنطن، حتى في ظل إدارة أكثر استعدادًا لتحمل المخاطر.

وتكمن المشكلة الأساسية في أن ميزان القوى العسكري لا يتطابق مع ميزان القوى الاستراتيجي؛ فالقدرات الجوية الأمريكية قادرة على تدمير البنية التحتية، وتصفيـة القادة العسكريين، وإلحاق أضرار بمنشآت الصواريخ واستهداف المواقع النووية بدقة استثنائية. وهذه القدرات ليست محل شك. لكن القدرة على تدمير الأهداف لا تعني بالضرورة القدرة على فرض نتائج سياسية؛ فاستراتيجية إيران لم تعتمد يومًا على مضاهاة القدرات العسكرية التقليدية الأمريكية، بل تقوم على وسائل غير متماثلة تهدف إلى فرض كلفة مستمرة على القوى العسكرية المتفوقة عليها عبر تعطيل الملاحة، والهجمات الصاروخية، وشبكات الوكلاء، والتصعيد التدريجي. ويعني هذا الاختلال أن منع تعطيل الملاحة في هرمز يتطلب وجودًا عسكريًا أميركيًا دائمًا، بينما يكفي إيران القيام بخطوات محدودة ومتقطعة لإحداث الاضطراب. ومن ثم، فإن الحفاظ على أمن الملاحة يفرض على الولايات المتحدة أعباء تشغيلية أكبر بكثير مما يفرضه على إيران.

وهذا ما يفسر لماذا ستجد أي حملة جوية أمريكية حتى وإن كانت ناجحة جدًا صعوبات في تحقيق الأهداف السياسية لواشنطن؛ فمن المرجح أن تستهدف أي عملية عسكرية جديدة ما تبقى من البنية التحتية النووية الإيرانية، ومخزونات اليورانيوم المخصب، ومنشآت الصواريخ الباليستية المحصنة في أعماق الأرض، باستخدام قنابل اختراق التحصينات الثقيلة وغيرها من القدرات المتقدمة. وقد تؤدي هذه الضربات إلى إضعاف الأصول الاستراتيجية الإيرانية بصورة كبيرة، بما يسمح لإدارة ترامب بإعلان تحقيق انتصار عسكري مهم. إلا أن تقويض القدرات لا يعني بالضرورة تغيير النوايا السياسية؛ فقد تخسر طهران منشآتها النووية، لكنها قد تبقى متمسكة بهدفها المتمثل في إعادة تشكيل البنية الأمنية لمنطقة الخليج. بل إن الضربات الإضافية قد تعزز اقتناع القيادة الإيرانية بأن مواصلة الضغط عبر مضيق هرمز تمثل الوسيلة الوحيدة لدفع واشنطن إلى التفاوض بجدية.

وثمة قيد آخر لا يقل أهمية يتعلق بعامل الزمن؛ فلا الولايات المتحدة ولا إيران تمتلكان قدرات بلا حدود على لتحمل الاستنزاف الاستراتيجي. ففي الجانب الأميركي، ستؤدي أيّ عمليات عسكرية مطولة إلى ضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وتنامي المخاوف بشأن توافر الذخائر الموجهة عالية الدقة، وتصاعد المعارضة الداخلية لخوض حرب جديدة مفتوحة في الشرق الأوسط. ومن المرجح أن تحد هذه الضغوط من أي هجوم أميركي مستدام إلى نحو شهر أو شهرين، قبل أن يصبح الضغط من أجل خفض التصعيد بصورة منظمة أمرًا لا يمكن تجاهله. أما إيران، فهي أيضًا تواجه قيودًا بنيوية قاسية؛ فقد أضعفت سنوات العقوبات، وسوء الإدارة الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة، ونقص الاستثمارات المزمن، قدرة البلاد على تحمل مواجهة طويلة الأمد. كما أن استمرار التوترات يحد من تدفق الاستثمارات الأجنبية، ويعطل التجارة، ويفاقم السخط الشعبي، بما يرفع الكلفة الاقتصادية والسياسية على النظام الإيراني. ومع ذلك، يبدو أن القيادة الإيرانية تعتقد أن طبيعة نظامها الأيديولوجي، وخبرتها الطويلة في إدارة العقوبات، تمنحها قدرة أكبر على تحمل هذه الضغوط مقارنة بقدرة الحكومات الأخرى على تحمل الكلفة السياسية لصراع طويل. ويشكل هذا الافتراض أساس استراتيجية طهران القائمة على الضغط التدريجي بدلًا من التصعيد السريع. لكنه يستند أيضًا إلى فرضية تبقى محل شك، وهي أن الحكومة الإيرانية ستكون قادرةً على احتواء تدهور الاقتصاد الإيراني وتصاعد السخط الشعبي على المدى البعيد.

وفي ضوء ذلك، تبدو الديناميكية الاستراتيجية الصاعدة أقرب إلى اختبار لقدرة الطرفين على الصمود السياسي، لا إلى منافسة في التفوق العسكري. فالولايات المتحدة تراهن على أن الضغوط العسكرية الإضافية ستقنع إيران بأن طموحاتها بشأن مضيق هرمز غير قابلة للتحقيق. وفي المقابل، تعتقد طهران أن استمرار تعطيل التجارة البحرية سيدفع الولايات المتحدة وشركاءها الإقليميين في نهاية المطاف إلى القبول بشكل من أشكال النفوذ الإيراني على المضيق. ولهذا، يواصل الطرفان التفاوض، وفي الوقت نفسه يستعدان لجولة جديدة من المواجهة، لأن أيًا منهما لا يمتلك طريقًا موثوقًا نحو نصر حاسم. فالدبلوماسية تظل ضرورية لأن العمل العسكري عاجز عن حل أصل الخلاف السياسي، بينما يبقى الضغط العسكري خيارًا مفضلًا لأن الدبلوماسية وحدها غير قادرة على ردم الهوة بين أهداف متعارضة جذريًا.

لذلك، فإن النتيجة الأكثر ترجيحًا لا تبدو اتفاقًا دبلوماسيًا شاملًا ولا انتصارًا عسكريًا حاسمًا،  بل يرجح أن ينتهي الصراع إلى تسوية غامضة يحافظ فيها الطرفان علنًا على مواقفهما الرسمية، بينما يتكيفان عمليًا مع واقع إقليمي معدل. فقد اكتشفت الولايات المتحدة أن التفوق الجوي الساحق لا يكفي وحده لفرض الخضوع السياسي، كما أدركت إيران أن امتلاك أدوات الإكراه لا يكفل الحصول على اعتراف دولي بمطالب تتعارض مع المبادئ الراسخة للقانون الدولي وحرية الملاحة.

ورغم أن استراتيجية طهران قد تنجح في رفع كلفة المواجهة، فإنها لا تبدو قادرة على منح طموحاتها الإقليمية شرعية دولية واسعة. وإذا واصلت القيادة الإيرانية الاعتماد على استراتيجية الإكراه لتحقيق أهداف يرفضها معظم المجتمع الدولي، فإن أي انفراجة دبلوماسية ستكون هشة. وإلى أن يعيد أحد الطرفين مراجعة أهدافه الاستراتيجية بصورة جوهرية، وعلى رأسها إصرار إيران على السعي لانتزاع اعتراف بمطالب تفتقر إلى سند قانوني دولي، ستظل المواجهة الأمريكية-الإيرانية عالقة في هذا المأزق المزدوج، حيث تعجز الدبلوماسية عن إنهاء الصراع وتعجز القوة العسكرية عن حسمه.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد

كلمون تيرم
كلمون تيرم
زميل غير مقيم في «رصانة» وباحثٌ مشارك في كلية الدراسات المتقدّمة في العلوم الاجتماعية في باريس